أدى ارتفاع الموجودات الخليجية في الخارج في السنوات الأربع الماضية إلى توجيه الأنظار من جديد للدور التنموي الذي يمكن لهذه الموجودات أن تضطلع به، وخصوصا تنمية بعض القطاعات الرئيسية المكونة للاقتصادات الخليجية، كقطاع الصناعات التحويلية.
وبيَّن تقرير صادر عن شعبة البحوث الاقتصادية في مصرف الإمارات الصناعي لشهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أن «الموجودات الخليجية كانت عرضة لتقلبات حادة في العقدين الماضيين، وذلك نتيجة للعديد من العوامل التي ساهمت في ارتفاع قيمة هذه الموجودات تارة وانخفاضها تارة أخرى.
وأضاف التقرير «تأتي أسعار النفط، في مقدمة العوامل المساهمة في ارتفاع قيمة هذه الموجودات، ففي منتصف الثمانينيات انخفضت قيمة الموجودات الخليجية في الخارج بعد تدني أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، إلا أن تضاعف الأسعار خلال السنوات الثلاث الماضية رفع من قيمة الموجودات الخليجية بنسبة 29 في المئة لتصل إلى 2050 مليار دولار في هذا العام».
أما العامل الآخر، بحسب بحث «شعبة البحوث»، فإنه يرتبط بأسعار صرف الدولار الأميركي، وخصوصا أن معظم هذه الموجودات مقيَّمة بالدولار، ما يعرضها لانخفاضات حادة، كما هو الحال في العامين الماضيين عندما انخفض سعر صرف الدولار بنسبة 42 في المئة تجاه العملات الرئيسية الأخرى في العالم.
وبما أن جزءا كبيرا من هذه الموجودات مستثمر في الأسهم والسندات في أوروبا وأميركا الشمالية، فقد ساهمت أزمة الرهونات العقارية التي امتدت لتشمل القطاع المالي في العالم في الحد من ارتفاع قيمة الموجودات الخليجية، على رغم ارتفاعها النسبي الناجم عن ارتفاع أسعار النفط بصورة أساسية.
وقالت صحيفة مصرف الإمارات الصناعي التي أوردت التقرير في عددها لشهر أكتوبر الجاري، إن الاستثمارات الخليجية في الخارج تتنوع وتتوزع على بعض القطاعات، وبالأخص الأسهم والسندات، بما في ذلك سندات الخزانة الأميركية، وكذلك الاستثمارات العقارية وبعض الصناعات الاستراتيجية التي سمح للاستثمارات الخليجية مؤخرا بشراء أسهمها، وذلك بالإضافة إلى الاستثمارات المالية وقطاع المصارف.
هذا، ويتوقع أن ترتفع هذه الموجودات بنسبة 10 في المئة في العام 2009 لتصل إلى 2255 مليار دولار، مقابل 2050 مليار دولار في العام الجاري 2008، وذلك في حالة استقرار الأوضاع المالية في العالم وتجاوز الأزمة الحالية والتي أثرت سلبا على قيمة هذه الموجودات.
وأضاف التقرير أنه، بشكل عام، كانت لهذه الموجودات عوائد كبيرة في السنوات الماضية قاربت بل تجاوزت في بعض الأحيان عائدات النفط في العديد من البلدان الخليجية، ما ترك آثارا إيجابية على مداخيل هذه البلدان، وبالأخص في فترات تراجع أسعار النفط وانخفاض عائداته.
ومع ذلك، فإن إيجاد تناسب بين هذه الموجودات والمتطلبات التنموية يعتبر أمرا في غاية الأهمية لاستقرار الأوضاع الاقتصادية في بلدان المنطقة.
وقال التقرير «لقد تهيأت في دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات القليلة الماضية أوضاع جيدة لتنمية العديد من القطاعات التي يمكن أن تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي، وذلك بفضل الاستثمارات الهائلة في البنى التحتية والتي أدت إلى وجود مرافق متطورة للبنى الأساسية يمكن استثمارها بصورة أفضل في السنوات المقبلة».
في هذا الصدد، أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي عن استثمارات ضخمة في قطاع الصناعات التحويلية والخدمات، إلا أن البنى التحتية القائمة يمكنها استيعاب المزيد من المشاريع المهمة، كالصناعات البتروكيماوية والألمنيوم ومنتجات النفط والغاز.
وعلى رغم أن معظم هذه المشاريع تنفذ من خلال القطاع العام، فإن القطاع الخاص الخليجي الذي يملك جزءا كبيرا من الموجودات الخليجية في الخارج يمكنه استغلال الظروف المواتية في دول المجلس، بما في ذلك التسهيلات المقدمة والبنى التحتية والاستقرار الاقتصادي والمالي لتنفيذ مثل هذه المشاريع، وبالتالي تنويع استثماراته الداخلية والتي مازالت تقتصر حتى الآن على القطاعات التقليدية بصورة أساسية. وأوضح التقرير أن الأزمة المالية التي تعصف بأسواق المال في العالم في الوقت الحاضر تقدم مثالا ساطعا على أهمية التناسب بين الاسثمارات الخارجية والداخلية، إذ تتمتع الأخيرة بالاستقرار وانخفاض نسبة المخاطر، مقارنة بمثيلتها الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يمكن للقطاع العام تسخير جزء من قيمة هذه الموجودات لاستقرار أسواق المال الخليجية والتي تأثرت بشدة من جراء تقلبات أسواق المال الخارجية ودون مبررات موضوعية.
وأكد التقرير أنه في حال إيجاد التناسق بين الاستثمارات، فإن المردودات الإيجابية يمكن أن تساهم بفاعلية في تنويع مصادر الدخل القومي من خلال تطوير بعض القطاعات الإنتاجية وتحقيق عوائد مجزية للاستثمارات المحلية، في الوقت الذي سيستمر فيه تدفق العوائد الناجمة عن الاستثمارات الخارجية. وبحسب البحث، فإن مثل هذا التوجه سيحتل المزيد من الأهمية، وذلك وفقا للتوقعات الخاصة باستمرار ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي العائدات والفوائض النفطية والتي ستزيد من حجم الاستثمارات الداخلية وحجم الموجودات في الخارج على حدٍّ سواء
العدد 2239 - الأربعاء 22 أكتوبر 2008م الموافق 21 شوال 1429هـ