العدد 223 - الأربعاء 16 أبريل 2003م الموافق 13 صفر 1424هـ

هيدجر ودور المؤرخ (1 - 2)

في أعقاب انهيار الفلسفة الحديثة وتأثيره السيئ على نظام التاريخ، أصبح هذا النظام نفسه يواجه مرحلة حرجة تتعلق بالذاتية والهدف. إن استخلاص الحقيقة التاريخية المفترضة من حوار التاريخ والمجتمع الذي تخدمه قد عرّض النظام للانتقاد. ويرى الكثير من المؤرخين أن الكثير من مثلهم المحبوبة قد تلاشت نتيجة التفسيرات والتطبيقات الجديدة للفكر التاريخي. وفي مثل هذا الوقت أصبح من الضروري بالنسبة إلى المؤرخين أن يعيدوا تعريف أنفسهم فلسفيا للوصول إلى هدف مشترك وثابت. وتقدم فلسفة مارتن هيدجر (1889 - 1976) شرحا للأزمة المفترضة للتاريخ كما تلقي لمحة على القوة الحقيقية وهدف التاريخ. ويمكن فهم هذه الأزمة من خلال منظور هيدجر واتخاذ الخطوات اللازمة نحو دور جديد لهذا النظام.

ولكي نبدأ فإنه من الضروري ملاحظة تطورات الأزمة الجديدة من داخل النظام. فطبقا لأكثر النماذج التقليدية كان ينظر إلى التاريخ على أنه إعادة سرد للحوادث الرئيسية للدراما التاريخية.

وقد وجد المؤرخ بيتر بيرك أن هذه العناصر توجد في التاريخ القديم. وطبقا للنموذج التقليدي فإن التاريخ يرتبط بصورة رئيسية بالسياسة إذ يعتقد المؤرخون التقليديون بأن التاريخ هو سرد للحوادث بصورة رئيسية وأن التاريخ التقليدي يقدم رؤية من مكان فوقي.

وإذ ان التاريخ كان رؤية فوقية فقد سيطرت عليه فكرة «الرجل العظيم». فمن وجهة النظر هذه فإنه قد تم تزوير التاريخ من قبل النخبة أمثال تشيرشل وديغول وسيزر ومديسي. لقد كان كل فرد من هؤلاء شخصية فريدة وكان فن التاريخ هو الفن القصصي، أي سرد قصص الرجال العظماء.

فكان التاريخ يروي أنه في مثل هذا التاريخ فعل شيرشرون هذا وانقذ دولة روما بوقفه كاتلاين المخيف الذي كان يتآمر لتنفيذ هذا العمل أو ذاك. وكان التاريخ كذلك شكلا من أشكال الأدب الوعظي. لقد كان الرجال العظماء شخصيات مثالية لابد لبقية أفراد المجتمع من تقليدها. كما أن الشخصيات الشريرة في القصة كانت تبين لنا نوع الشخصية التي يجب علينا الابتعاد عنها.

لقد أصبح هؤلاء الرجال وتلك الحوادث رموزا مقدسة رسمتها أيدي المؤرخين البارزين لكي يحترمها ويتبعها الآخرون. لقد كان دور التاريخ معروفا على نطاق واسع من قبل المؤرخين التقليديين وكان بمثابة الفكر الدافع لعملهم. ففي كتابه «التاريخ المبكر لروما» يذكر ليفي الهدف من دراسة التاريخ. إن دراسة التاريخ هي أفضل دواء للعقل المريض لأننا نجد في التاريخ سجلا للخبرات البشرية الكثيرة المطلقة معروضة بوضوح بحيث يمكن للجميع رؤيتها، ويمكنك أن تجد في هذه السجلات لنفسك ولبلدك أمثلة وتحذيرات: أشياء جيدة يمكن اتباعها كنموذج وأشياء دنيئة ورديئة لتجنبها.

لقد استمرت هذه النظرة حتى العصور الوسطى واكتسبت نزعة لاهوتية قوية من خلال اشخاص مثل بيد العظيم.

يقول بيد في مقدمة عمله العظيم: إذا كان التاريخ يسجل الأشياء الجيدة لأناس صالحين فإن المستمع الحسن الانتباه يتشجع لتقليد ما هو جيد. أما إذا كان يسجل أشياء سيئة لأناس شريرين فإن المستمع أو القارئ التقي الورع يتشجع لتجنب كل ما هو خاطئ وشرير ويتبع كل ما هو طريق يرضي الله سبحانه وتعالى.

لقد ساد هذا الرأي بالنسبة إلى كتابة التاريخ إلى أن بدأت قوى حركة التنوير الفلسفية في تغيير مفهوم التاريخ ودور المؤرخ. وقد حذا التاريخ حذو فون رانك (1885) وآخرين وبدأ يسمو إلى مستوى العلوم التجريبية باحثا عن الحقيقة التي لا تقبل الجدل للحوادث التي وقعت. فلم يعد المؤرخ فنانا أدبيا بل أصبح عالما يختبر وثائقه ويستخدم مصادره بدقة وأمانة حتى يتأكد من النتيجة التي يتوصل إليها ويتوصل إلى إجابة للحقائق المحددة. ويعتقد المؤرخ بعد ذلك أن هذه الحقائق التي تم التوصل إليها يمكن أن تشرح بنفسها المعنى الحقيقي للتاريخ.

وقد تم بعد ذلك اكتشاف هذه الحقائق المنقحة عن التاريخ والتي شكلت قصة تاريخية معدلة وجديدة على ما يبدو. من خلال جعل أساليب فون رانك جزءا من الثقافة فإن هذا الرأي قد يصبح بسرعة الرأي المنهجي المعياري للنظام. وعلى أية حال فإن هذا الرأي لم يخلو من المشكلات.

فعلى رغم المزاعم بالنسبة إلى التجرد فقد كان هذا الأسلوب العلمي للتاريخ قابلا للفساد وكان صغيرا مثل اختيار وترتيب «حقائق» تاريخية يمكن أن تخدم الدوافع المتحيزة للمؤرخ.

ولم يكن هذا على أية حال هو التحدي الوحيد للسرد التقليدي للتاريخ، إذ ظهرت شكوك عن شخصية الرموز العظيمة وقدرتهم على أن يقفوا كرموز تاريخية للمجتمع بأسره. فلم تعد القصة المعترف بها مقبولة إذ انه لا يمكنها الصمود من دون الأخذ في الاعتبار الفروق بين جميع فئات المجتمع. وقد أصبح هناك ما يسمى بالتاريخ الجنسي والتاريخ العنصري والتاريخ العرقي. وعندما أخذت جميع هذه الفروع في الحسبان أصبحت فكرة التماسك الثقافي ارتكازا إلى الرموز التاريخية البارزة مثل حزمة من العِصّي تم إدخالها في أداة للتقطيع.

وقد زاد هذا التفكك سوءا نتيجة تطور، المزيد من علوم التاريخ التركيبية، ثانية من الطريقة العلمية التي نجمت عن نشأة العلوم الاجتماعية. وقد حاولت هذه العلوم عمل نظريات وأساليب تشرح الظاهرة التاريخية بأسلوب علمي. وقد بدأ المؤرخون النظر إلى أعمال الناس كوحدة وليس مجرد أفراد يتصرفون بمفهوم الإرادة الحرة. لقد عرَّف الناس التاريخ بالنظر إلى قوى يمكن أن تفسر بشكل ملائم نظريا أعمال الناس مع التلميح بأن السلوك البشري يمكن أن يعرّف بواسطة قوانين علمية.

ويرى الماركسيون أن من أبرز القوى في نظريات التاريخ هي قوة الاقتصاد التي تدفع بطبقات المجتمع إلى الصراع. أما البعض الآخر فيرى أن القوى تتمثل في الحوادث التي يتم تعريفها بأفكار مثل الجنس والوراثة والسيكولوجيا. وقد تم تعزيز هذا المثال بعد اختراع الحاسوب وتطور الاحصاءات التي تستخدم لقياس البيانات الديموغرافية لدعم منشأ هذه النظريات. وبدأ الناس يدرسون ما كان يعتبر في السابق لصوص التاريخ والطبقات الفقيرة والخبرات العادية.

لقد كانت تلك هي النظرة المحيرة داخل النظام. فعندما بدأ الناس بوضع القصة التاريخية بين هذه الطريق وطريق آخر - لتصل إلى مؤيدي الأسلوب التقليدي - وصل التاريخ إلى مرحلة صعبة. وعلى العموم فبالنسبة إلى هذه المهنة لا يوجد إحساس بالترابط والوحدة بالنسبة إلى الهدف والطريقة حتى يومنا هذا. إن عدم وجود فهم مشترك قد أوصل نظام الدراسة إلى وضع يعتبره الكثير من المؤرخين أزمة هوية حديثة.

وكما قال بيرك: هناك حاجة متزايدة إلى التوجيه في هذا العالم الواسع والمقسّم.

وفي وقت نشهد فيه تغييرا سريعا، وبلبلة واسعة الانتشار - بالنسبة إلى اتجاه وهدف التاريخ - أصبح من الضروري - كما يقول هيدجر - إرسال رسالة واضحة لاتباع الضمير بالنسبة إلى النظام. وكما كان الحال دائما فإن الشيء الذي يتكون من التاريخ والهدف الذي يخدمه التاريخ مرتبط بالفلسفات السائدة للعصر. وغالبا ما توجد علاقة بين أنواع جديدة من التاريخ وتطبيقات جديدة للفكر التاريخي وبعض المذاهب الفكرية التي تم تعديلها من قبل المؤرخ. لذا فإن الصدام في التاريخ لا ينفصل عن الصدام داخل الفكر الفلسفي ما قد يجعلنا ندرك نهاية الفلسفة الحديثة.

إن ما يجب على المؤرخ عمله وما يجب عمله من قبل النظام ككل هو أخذ التأثيرات الفلسفية لهذ النظام والتوصل إلى اتفاق على الهدف مع بعض الشعور بالمعايير الفلسفية.

وهناك في الواقع علاقات متعددة بين التاريخ والفلسفة في العصر الحديث بحاجة إلى الشرح. فمن الضروري أن نفهم من أين نشأت المعايير المنهجية للأسلوب العلمي للتاريخ. وتوجد أصول هذه النظرة للتاريخ في الأسلوب المتبع في حركة التنوير الفلسفية والأسلوب التجريبي الذي يرتبط الآن بشكل قوي بالعلوم الطبيعية التي تتميز بمستوى عالٍ من علم المعرفة. وفي كتابهم بعنوان «قل الحقيقة عن التاريخ» يشير أبلبى وهنت وجيكون باستمرار إلى تأثير «النموذج النبيل للعلم» الذي كان هدفه البحث عن الحقائق المحايدة الأخلاقية التي لا تقبل الجدل. لقد كان بحثا عن الحقائق المطلقة للتاريخ والتي ستدع الحقائق من الناحية النظرية تتحدث عن نفسها.

لقد تم البحث عن الحقائق للوصول إلى الحقيقة ذاتها من دون النظر إلى مدى فائدتها للمجتمع، وبالتأكيد ليس إلى إرضاء جدول أعمال المؤرخ. وفي الواقع حاول المؤرخ في هذه المدرسة من الفكر أن يظل مجهول الاسم تماما في هذا العمل.

ويشرح E H Carr وجهة النظر هذه بسرد هذه الحكاية الطريفة: إن قاموس اكسفورد الانجليزي الصغير - الانجاز المفيد ذي الهدف المعين للمدرسة التجريبية - يحدد بوضوح الفصل بين العمليتين بتعريف الحقيقة «بأنها معلومة عن الخبرة منفصلة عن النتائج».

إن هذا ما يمكن تسميته بالنظرة الصائبة والحصيفة للتاريخ الذي يتكون من مجموعة كاملة من الحقائق المؤكدة التي يمكن للمؤرخ الوصول إليها في الوثائق والكتابات وهلم جرّا مثل السمك الموجود على فرشة بائع السمك. ويقوم المؤرخ بجمع هذه الحقائق ويأخذها إلى المنزل ويطبخها ويقدمها بأي أسلوب يروق له.

وبالنسبة إلى اكتون الذي تميّز بمذاقه القوي للمأكولات أراد تقديم تلك الحقائق ببساطة ومن دون زخرفة.

وفي رسالة التعليمات التي أرسلها إلى التاريخ المعاصر في كامبريدج أعلن عن الحاجة إلى أن ترضي معركتنا التي سماها ووترلو الفرنسيين والإنجليز والألمان والهولنديين على حد سواء. كما أعلن أنه يمكن لأي أحد أن يعرف - من دون فحص قائمة المؤلفين - أي وضع أسقف اكسفورد قلمه وإذا ما كان فيربيرن أو ليبرمان قد واصلا الكتابة بعد الأسقف.

إن لهذا النوع من القياس تأثيرا ضارا على الشخصيات الجليلة التي برزت في كتابة التاريخ، وهو فن يبقى موضوعه عرضة للشك في أفضل الأحوال.

وبشكل يبدو ظاهري التناقض وبسبب الشك في البدائل كان هذا المثل الأعلى الشيء الذي تشبثّ به المؤرخون في هجومهم على التاريخ الحديث الذي حاول إعطاء منظور أوسع لصورة النظام. إن الصعوبات لهذا المعيار الرفيع قد تم شرحها بشكل وافٍ في الفلسفة.

وعلى أية حال فإن المؤرخين الذين لا يريدون تحويل اهتمامهم يرون في مثل هذه التحديات خسارة للنظام نفسه.

وإذ ان هذه الحقائق قد تم استخلاصها من المقالات الثقافية الحالية فيبقى الشيء المهم هو قوة المؤرخ في بث الحياة وإعطاء المعنى للحقائق التاريخية التي تمثل أكبر خسارة ناجمة عن هذا النوع من التفكير الفلسفي.

ويرجع أصل هذه الحال المعروفة بتحرير الحقائق التاريخية من تفسير المؤرخ للنص إلى طريقة حركة التنوير الفلسفية - التي اتبعها فلاسفة أمثال ديكارت - والتي تعتبر أساس الفلسفة الحديثة. وقد حاول ديكارت في كتابه «تأملات» أن يثبت حال البشر بشكل استنتاجي، أي على أساس لا يقبل الجدل، منفصلا عن الظروف التجريبية المحددة عن بيئة الإنسان. إن جهود الفيلسوف ديكارت تمثل محاولات للفلسفة الحديثة لفهم العالم من خلال التفكير المنطقي المجرد ومن خلال قدرتنا كبشر على فهم الشيء ذاته من وجهة نظر نزيهة.

أما هيدجر وآخرون من فلاسفة العصر ما بعد الحديث فقد انتقدوا قدرتنا على الابتعاد عن هذا العالم بهذا الأسلوب.

إن الشعور البشري في هذا العالم لا يستطيع أن يكون مجرد قاصٍ للروايات بخصوص ما يحدث في العالم من حولنا بشكل مستقل تماما عن حدوده ومصالحه. أو على الأصح فإن ما يركز عليه الوصف العلمي للظواهر الواقعية لهيدجر هو أن كون الإنسان موجودا في العالم (Da - Sein) يعني أنه ضروري أن يكون وجود الشخص بالعلاقة مع الآخرين (mitsein)، أي أن يكون وجود الإنسان مرتبطا بالمحيط الذي يعيش فيه.

إن البشرية لا تستطيع أن تفصل نفسها تماما عن التأثيرات البيئية المحيطة بها وبُعد هذا العالم عنها، والحال والوضع الذي تجد فيه Da - Sein نفسها.

لذا فإن المؤرخ الذي هو بشر قبل كل شيء لا يستطيع أن يبقي نفسه بعيدا عن حقائق التاريخ الخالصة، بل إن فهمه لحوادث التاريخ يتأثر باستمرار بنزعات وتجارب وخيارات المؤرخ. إن لهذا النوع من التصور تأثيرا كبيرا على حقول من المعرفة مثل تاريخ الأجناس. فلا يكفي أن يكون لدى المرء منظور أحادي للتاريخ لأن التاريخ يتأثر بالآراء العالمية للمؤرخين أنفسهم، النخبة من الرجال المتعلمين البيض من طائفة البروتستانت. أما إذا كان المؤرخ والتاريخ نفسه يتأثران بأمور ثقافية ومنظورة تؤثر على التفسير الفردي للمؤرخ، فلابد من عمل تحليل لمجموعة المؤثرات على جميع الناس وفحص المؤثرات على المؤرخين أنفسهم لكي نحقق الهدف التثقيفي لقصة تعكس التاريخ نفسه كما كان في الواقع. وقد تزامن هذا الرأي مع تدفق المزيد من المؤرخين الذين يؤمنون بمذهب التعددية (الإيمان بوجود أكثر من حقيقة مطلقة واحدة) إلى الجامعة ومحاولة التعبير عن آرائهم بالنسبة إلى ثقافتهم الخاصة وعرقهم وطبقتهم الاجتماعية وحتى جنسهم (ذكر أو أنثى) في حوار تاريخي.

وقد ذهب البعض منهم إلى حد القول بأن الشخص الأسود فقط يستطيع أن يكتب تاريخا أسود وأن الأنثى فقط تستطيع أن تكتب التاريخ الصحيح للمرأة... الخ. وعلى أقل تقدير يبدو أن هناك حاجة إلى تمثيل منفصل ومتنوع لتصوير هذه المناظير الأخرى. كيف يمكن للمؤرخ تقسيم هذه الفئات وربطها بالقصة الشاملة التي عمل التاريخ جاهدا على تطويرها؟ إن هذه الأسئلة مازالت تسبب الإزعاج للمؤرخ.

وفي الوقت نفسه كانت هناك حركة للتفكك في القصة التاريخية، كما كانت هناك حركات لاتحاد أقوى. وطبقا لتصور هيدجر بالنسبة إلى الوجود البشري - التركيب الأصلي للوجود في العالم - فإن الإنسان لا ينفصل عن البيئة ولكن المهم هو وجود الشخص بالعلاقة مع الآخرين.

ومن هذا المنظور الفلسفي يظهر تقسيم الذات كوجود مستقل يمكن التعرف عليه. ويضم الوجود البشري كلا من الإنسان والطبيعة. وتستخدم نظرية الوجود البشري لفهم مجموعة تعيش سويّا. ويمكن للناس بعد ذلك أن يصبحوا أجزاء من المؤسسات أو القوى. ويسمح هذا بظهور المزيد من التاريخ التركيبي. إن التاريخ لم يعد صداما بين الزعيم وعدد غير محدد من الأفراد على الزعامة ولكنه يمثل صداما بين مجموعة مختلفة التركيب من حيث الوجود. إن نظرية ماركس مثال على هذا النوع من الجدل التاريخي. لقد أصبح الصدام بين الناس من مختلف الطبقات يسيطر على التاريخ إذ ان الآراء العالمية المختلفة لكل طبقة كانت مسئولة عن الصراع والنتائج المدمرة.

ومن المثير أن نذكر في هذا السياق ارتباطات هيدجر بالنازية. لقد جادل الكثير بأن تراثه النازي كان نتيجة مباشرة لأفكاره المبنية على أدلة فلسفية مختلفة. ومع أنه كانت هناك عيوب رئيسية في شخصية هيدجر إلا أن فلسفته كانت قوية وفعالة حتى أنه لا يمكن القول بأنها تقود بشكل تلقائي إلى السياسات النازية.

ولكن نظرا إلى احترامه للشعب الألماني فإن هذا التفسير للوجود البشري كوحدة مجتمعة قد يكون فعالا. وعندما يتم الجمع بين هذا التفسير وفكرته عن العزم فإن ذلك قد يكون مثيلا لظاهرة نازية.

ومع أخذ هذا في الاعتبار فإنه من المهم أن نتذكر طبيعة البحث الذي قام به هيدجر. لقد كانت محاولة لوصف علم الوجود الرئيسي وشرح طبيعة الوجود نفسها وفهم طبيعة الظاهرة في سياق الأعمال التي تركها هوسرل. إنها ليست فلسفة الأخلاق. لقد أوضح أحد المفكرين من الفلاسفة الفرق بسرده القصة الطريفة الآتية:

أبدى لويث ملاحظة بأن: النكتة الرائعة التي قالها ذات يوم أحد المستمعين لمحاضرة هيدجر - انني مصمم، انني لا أعرف على ماذا - قد استقبلت بجدية غير متوقعة. لقد كانت نكتة جيدة في الواقع وكان هيدجر بوضوح رجلا تنقصه الدعابة. ولكن الجدية التي استقبلت بها تلك النكتة لم تكن تماما غير عادلة. إن العزم بالنسبة إلى هيدجر هو قرار بأن يصبح المرء ويظل يقظا ومترقبا في الحياة. إنه لا يعني ترقب شيء معين أو اليقظة لتحقيق هدف محدد. إن اليقظة الثابتة هي ما يعنيه هيدجر «بالتاريخية»

العدد 223 - الأربعاء 16 أبريل 2003م الموافق 13 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً