العدد 238 - الخميس 01 مايو 2003م الموافق 28 صفر 1424هـ

شبح الديون وصراعات المصالح يعرقلان إعادة تعمير العراق

باتت خطط اعادة اعمار العراق مهددة نتيجة الديون المتراكمة التي تثقل كاهل العراق اضافة الى زيادة معدل الفقر في تلك الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم والمحاولات الروسية والفرنسية الرامية الى ضمان مصالحهما في العراق في مواجهة سعي الشركات الأميركية على ابتلاع جميع عقود اعادة بناء تلك الدولة التي مزقتها الحروب طيلة السنوات العشرين الاخيرة. ويرى محللون استراتيجيون مثل ادوين ترومان انه من الظلم سياسيا واقتصاديا تحميل الحكومة التي ستتولى شئون العراق في مرحلة ما بعد الحرب مسئولية دفع الديون المتراكمة منذ نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين الا انه في الوقت نفسه لا يمكن مطالبة الدول الدائنة بالغاء ديون العراق.

وتشير تقديرات سابقة إلى أن الديون العراقية المستحقة لحساب روسيا وفرنسا تبلغ نحو ثمانية مليارات دولار لكل منهما غالبيتها من أجل عقود أبرمت في الثمانينات، إلا أن بعض المحللين يقولون إن الديون العراقية المستحقة لموسكو ربما تصل إلى 12 مليار دولار.

وذكرت وزارة المالية الألمانية أن العراق مدين لبرلين بمبلغ يقل قليلا عن أربعة مليارات يورو. وقبيل انعقاد قمة الدول الصناعية السبع التي عقدت في واشنطن يوم 12 أبريل/نيسان الماضي اقترح نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز على الدول الصناعية التي كانت تعتبر أشد المعارضين للحرب على العراق كفرنسا وألمانيا وروسيا أن تبادر بإسقاط دينها كليا أو جزئيا مساهمة منها في إعادة إعمار العراق.

وأكد وزير التعاون والفرنكفونية الفرنسي بيير أندريه ويلتزر ان الدول الدائنة ستلاحظ أن ديون العراق أكبر من أن يتمكن من تسديدها، موضحا أن الموقف الفرنسي في مسألة الديون العراقية سيتحدد في إطار مشاورات مع الدول الدائنة الأخرى وليس هناك موقف محدد مسبقا في هذا الشأن.

وأضاف «سنلاحظ على الأرجح أن حجم مجمل الديون بما فيها تعويضات الحرب أصبح كبيرا إلى درجة أن العراق لا يستطيع تسديدها، أو أنه يجب جدولتها على عشرات السنين».

وقال «ربما سيكون علينا أن نرى إلى أي حد نستطيع خفض أو إلغاء هذه الديون». وأكد الوزير الفرنسي أنه من السابق لأوانه الحديث عن أي إجراء، موضحا أنه لا شيء يسمح حاليا بالحديث عن أمور محددة في هذا الشأن.

وكان وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي فرانسيس مير قد أعلن في تصريحات سابقة أنه «إذا كنا نريد مساعدة العراق على الانطلاق فمن الواضح أنه سيكون علينا على الأرجح عدم تحميله عبء الديون القديمة فورا».

ويرى خبراء اقتصاديون أوروبيون أنه لن يكون بمقدور أية حكومة مستقبلية في العراق الوفاء بهذه الديون المتراكمة وهو ما ينذر بوقوع معركة أخرى من جانب الدول الدائنة. ويتوقع هؤلاء الخبراء أن هذه الدول ستخسر الكثير من هذه الديون. وسيكون من الضروري القيام بعملية واسعة لإعادة جدولة ديون العراق.

ويرى خبراء أميركيون أن من الممكن التخلي عن قسم كبير من التعويضات المرتبطة بحرب الخليج عبر إقناع دول مثل الكويت والسعودية بأن سقوط صدام حسين يشكل أفضل تعويض. كما يرى خبراء بصندوق النقد الدولي أن الدين العراقي يجب خفضه إلى حد كبير. ولتحقيق ذلك «يجب تشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على التفاوض، وهذا لا يمكن أن يحصل عبر إدارة عسكرية انتقالية أو حتى إدارة انتقالية مدعومة من الأمم المتحدة».

وعلى رغم حرص القوات الأميركية على حماية آبار النفط العراقية فور بدء العمليات العسكرية على العراق ما تزال صادرات النفط العراقية متوقفة منذ 20 مارس/آذار الماضي.

واكد المحلل الاستراتيجي جون شوين ان غياب آليات بيع النفط كخطوط المواصلات الآمنة والبنية النفطية والاستراتيجية السياسية والقانونية بالعراق تعرقل عمليات اعادة اعمار العراق وتوفير المتطلبات الضرورية للشعب العراقي ولاسيما الغذاء، مؤكدا أن استئناف صادرات النفط ستعتبر ضرورة لاعادة الاستقرار بتلك الدولة العربية التي انهكتها الحروب والنزاعات طيلة السنوات العشرين الماضية.

وطالب شوين باستئناف العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء الذي تبنته الامم المتحدة العام 1995 لتوفير الغذاء والادوية للشعب العراقي، مشيرا الى أن الاوضاع المعيشية والصحية للشعب العراقي ستتفاقم في ظل الخلافات بين الدول الكبرى بشأن كيفية ادارة حقول النفط العراقية.

ويؤكد خبير النفط بمؤسسة «ايه جي ادواردز، بيل أوجرادي «أن المؤسسات المالية العراقية اللازمة لاتمام صفقات بيع النفط العراقي انهارت نتيجة للحرب الانجلوأميركية على العراق.

ويضيف ان اعادة بناء النظام المصرفي العراقي يعتبر خطوة أساسية في طريق عودة العراق لاعبا أساسيا في سوق النفط العالمية.

وفي السياق نفسه تؤكد الادارة الأميركية حرصها على اعادة بناء النظام المصرفي العراقي الذي انهار خلال الحرب على العراق إذ كلفت ادارة بوش رئيس جامعة ميتشجان ستيت بيتر ماكفرسين - الذي كان يعتبر الرجل الثاني بوزارة الخزانة الأميركية في ادارة الرئيس الأميركي الاسبق رونالد ريغان - بتولي ملف القضايا المالية المتعلقة باعادة اعمار العراق.

ومن جهة أخرى تتزايد الخلافات في أوساط المؤسسات السياسية والاقتصادية الأميركية والأوروبية بشأن الجهات المناط بها ادارة شئون النفط العراقية بعد انهيار وزارة النفط العراقية.

ففي عهد نظام حسين تولت شركتان عراقيتان انتاج النفط احدهما في شمال العراق والثانية في جنوب العراق في الوقت الذي انيطت عملية بيع النفط لمؤسسة تسويق النفط الحكومية المعروفة باسم «سومو» تحت اشراف الامم المتحدة.

وتمثل التعويضات المفروضة - والتي ستفرض على العراق - العائق الثاني أمام تطوير البنية النفطية العراقية وتصدير النفط للاسواق الخارجية. فالعراق - وفق برنامج النفط مقابل الغذاء - كان يخصص ربع عائدات النفط المباع لدفع تعويضات للاطراف التي تضررت من حرب الخليج الاولى العام 1991.

ويعتبر غياب الحكومة العراقية العائق الثالث الذي يعوق تصدير النفط العراقي إذ لا توجد جهة حاليا لديها صلاحية ابرام عقود أو اتفاقات نفطية مع شركات أو دول اخرى.

وأكد المحلل الاستراتيجي الأميركي انطوني كوردسمان ان التحديات التي تواجه العراق حاليا في مرحلة ما بعد الحرب والالتزامات المفروضة عليه بعد الاطاحة بالرئيس صدام حسين يمكن ان تعوق عملية اعادة بناء الاقتصاد العراقي.

وفي السياق نفسه اظهرت دراسة اعدها مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن ان التعويضات التي فرضت على العراق في اعقاب حرب تحرير الكويت العام 1991 بلغت 320 مليار دولار - حوالي 25 في المئة من عائدات النفط العراقية. وتمثل العقود التي ابرمها العراق مع الكثير من الشركات الروسية والصينية والفرنسية قبل اندلاع الحرب الأميركية الحالية مع العراق مشكلة للشركات الأميركية التي تسعى الى ابتلاع كل عقود اعادة تأهيل البنية التحتية النفطية. وتشير الاحصاءات الى ان اجمالي حجم العقود التي ابرمتها بغداد قبل الاطاحة بصدام حسين مع الشركات الروسية بلغ 57 مليار دولار.

والشيء المؤكد أن مشكلة الديون العراقية ستقف حجر عثرة أمام خطط اعادة اعمار العراق في ظل رغبة فرنسا وروسيا في ضمان مصالحهما في تلك الدولة ولاسيما في ظل سعى الادارة الأميركية إلى إرساء عقود اعادة الاعمار على الشركات الأميركية كافة

العدد 238 - الخميس 01 مايو 2003م الموافق 28 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً