العدد 1578 - الأحد 31 ديسمبر 2006م الموافق 10 ذي الحجة 1427هـ

صدام وسياسة الشقاء

ولد صدام حسين في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، وكان والده ترك أمه قبل أن يخرج إلى الدنيا، ووجد نفسه تحت سلطة زوج الأم القاسي الذي لم يرحمه في صغره، وتحول إلى شقي في عصابات الشوارع... وسرعان ما تأثر بالمد القومي والتحق بحزب البعث، ولكنه لم يستطع أن يتخلص من ماضيه المملوء بالبؤس والشقاء، إذ نقل كل ما تعلمه من شقاء الشوارع إلى أروقة السياسة، وحاول اغتيال الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم في نهاية الخمسينات، لأن الأخير تحالف مع الشيوعيين وليس مع البعثيين... هرب من العراق ليعود في الستينات بعد الإطاحة بقاسم، ويختفي في الصراعات ليعود مرة اخرى نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة (أحمد حسن البكر) في العام 1968.

ومنذ أن كان نائبا للبكر، كان نجمه هو اللامع، والتصفيات التي تمت على يديه طالت رئيس المخابرات العراقي السابق، وتصفية الشيوعيين في السبعينات (بهدف التقرب من الولايات المتحدة التي كانت في حرب باردة مع الاتحاد السوفياتي)... ومن ثم وجد فرصته السانحة في العام 1979، وذلك بعد أن تقدم العمر بأحمد حسن البكر. قام بإزاحة البكر من رئاسة الجمهورية، وأطلق على تلك الإزاحة «افضل عملية ديمقراطية يشهدها التاريخ في انتقال القيادة»... وأمر لاحقا بانعقاد مؤتمر لقيادات حزب البعث، وقام بقراءة أسماء أكثر من 60 شخصا منهم، قال إنهم يتآمرون ضد الحزب والثورة، ومن ثم طلب من الذين لم تقرأ أسماؤهم أن يشاركوه شخصيا في إعدام رفاقهم الخونة.

وجد فرصته السانحة للتقرب للغرب وعرض خدماته للإطاحة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية الحديثة النشأة والتي لم يكن لديها جيش بعد تفكيك قياداته أثناء الثورة على الشاه... واقتنع أن بإمكانه أن يحقق نصرا على إيران شبيها بالنصر الذي حققته «اسرائيل» على مصر في العام 1967 خلال 6 أيام وذلك من خلال استخدام القوات الجوية الضاربة... استخدم أفضل الطائرات آنذاك (الميراج الفرنسية)، وشن في سبتمبر/ أيلول 1980 حربا مباغتة على إيران ودمر المواقع الاستراتيجية واحتل مدنا ومناطق شاسعة، وأعلن نفسه قعقاع العرب، وأنه انتصر في «قادسية صدام» على «الفرس المجوس». غير أن الحرب التي أرادها في أسبوع أصبحت 8 سنوات، استعادت خلالها إيران أراضيها وأعادت بناء جيشها ودخلت أراضي العراق. ولكن الدعم الغربي تضاعف، وأوفد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان موفدا خاصا اسمه دونالد رامسفيلد إلى صدام في العام 1983 يبلغه استعداد الأميركان تزويده بما يحتاج إليه للإطاحة بالنظام الإيراني... ويتم تزويده بكل مايحتاجه من معلومات وأسلحة ومعدات، وأموال خليجية غير محدودة بسقف، مكنته لاحقا من الحصول على الأسلحة الكيماوية التي استخدمها ضد شعبه وضد الإيرانيين، ورمى بالصواريخ بعيدة المدى على المدن وشهد العالم واحدة من أبشع حروب النصف الثاني من القرن العشرين.

انقلب السحر على الساحر، وانفلت الزمام بعد أن قام بغزو الكويت في العام 1990 (لاعتقاده بأن أميركا ستسانده وذلك بعد لقائه مع سفيرة أميركا في بغداد آنذاك) وبطش بأهل الخليج الذين كانوا قد ساندوه من قبل، وتحركت جحافل الأميركان لتغزو المنطقة، وهذه المرة بدعوة وترحيب من الذين يخافون على وجودهم من صدام حسين. الاقتصاد العراقي انهار بسبب الحصار الذي فرضته القرارات الدولية، والدينار العراقي الذي كان يساوي نحو 4 دولارات عندما تسلم صدام السلطة، أصبح من دون قيمة، إذ إن دولارا واحدا أصبح يساوي 3 آلاف دينار.

رامسفيلد الذي وعد صدام بالدعم والعتاد والخبرات في العام 1983، عاد في العام 2003 وزيرا للدفاع ليساهم في إسقاطه، لتبدأ مرحلة اخرى من المعاناة التي يمر بها العراقيون وتمر بها المنطقة. صدام أصبح في حكم التاريخ بعد إعدامه في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2006... ولكن مافعله ستكون آثاره باقية، والأمل في أن نتطلع جميعا إلى سياسة أخرى من دون شقاء.

العدد 1578 - الأحد 31 ديسمبر 2006م الموافق 10 ذي الحجة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً