في الوقت الذي بدأت فيه دول العالم الثالث تبرز كقوى جديدة تنافس الدول الغربية في الكثير من المجالات، يلاحظ أن الدول العربية - كما هو الحال دائما - ليست على ميعاد مع ذلك. وتوجد عدة أسباب لتفسير هذا الغياب العربي على الساحة الدولية، أهمها التدخلات الخارجية في المنطقة، والرؤى المختلفة عربيّا للنفوذ، فضلا عن المشكلات الاقتصادية والسياسية، وغيرها من العوامل التي رسمت صورة مظلمة للوضع العربي. وعلى رغم ذلك فلاتزال هناك بعض المقومات التي إذا استخدمت بشكل جيد فقد تؤدي في يوم ما إلى إمكان ظهور إستراتيجية للنفوذ العربي.
وعلى رغم أنه لا يوجد تعريف محدد لعبارة «الدول العربية» فإن غالبية الكتَّاب يستخدمونها للتعبير عن الـ 22 دولة التي تضمها الجامعة العربية، والتي تجمعها قبل أي شيء روابط أخرى مشتركة، مثل الدين ونمط الحياة والتاريخ واللغة والعادات والتقاليد.
وإذا كان العالم العربي يظهر اليوم في صورة من اللامبالاة والانغلاق على نفسه، فإن ذلك لم يكن حاله في الماضي، فميلاد العالم العربي بصورته الحالية ارتبط بظهور الإسلام الذي ساعد على ظهور مجموعات سياسية ودينية متجانسة، واستطاع العرب إقامة إمبراطورية ضخمة وواسعة، شهدت الكثير من النجاحات والإنجازات حتى الحرب العالمية الأولى، ثم كان إلغاء السلطنة والخلافة. وتبعا لذلك أصبح العالم العربي تحت السيطرة الأوروبية. وبعد انتهاء الاستعمار خرجت الدول العربية محملة بالكثير من المشكلات الاقتصادية والسياسية والدينية والصراعات والحروب.
ومن هنا يطرح التساؤل: كيف يظهر الإسلام - الذي كان الأساس في وحدة شبه الجزيرة العربية - اليوم وكأنه عائق أمام تطور المجتمعات العربية؟ ولماذا هناك غياب لـ «إستراتيجية النفوذ» داخل الدول العربية؟
العرب وإدراك معنى النفوذ
النفوذ كما عرفه ريمون آرون هو «قدرة الوحدة السياسية على فرض إرادتها على الآخرين، أو قدرة الوحدة على عدم ترك الآخرين يفرضون إرادتهم عليها». ووفقا لهذا التعريف «الغربي» يمكن القول إن الدول العربية لا تمتلك إستراتيجية للنفوذ، ونتيجة لذلك سيكون من الأفضل تناول هذه المسألة في إطار اختلاف الثقافات لأن إدراك الأشياء يختلف من مجتمع إلى آخر، كذلك الطريقة التي يتم بها التعبير عن هذا النفوذ لابد أن تخضع للتغيير حتى تكون أكثر ملاءمة للحضارة العربية التي لاتزال في المؤخرة.
في الواقع هناك رؤى مختلفة لإستراتيجية النفوذ... بالنسبة للرؤية الأميركية فهي تقوم بالأساس على إستراتيجية السيطرة والتأثير والتحكم في وسائل الاتصال والقدرة على اختراق الأنظمة الخارجية الأخرى. أما إستراتيجية النفوذ الصينية فتتلخص في مضاهاة معدلات النمو الياباني، وتحقيق أقصى استفادة من العولمة والاعتماد المتبادل.
أما بالنسبة للدول العربية فإستراتيجية النفوذ لديها تقوم بالأساس على عدة عوامل تقليدية، منها: القدرة على امتلاك الموارد الطبيعية، الغاز الطبيعي والنفط، فهما بمثابة سلاحين اقتصاديين، إلا أنهما لا يستخدمان إلا في خدمة «إستراتيجية العائدات» التي ساعدت الدول المصدرة في الانغلاق على نفسها في «برجها العاجي». وهناك الجانب العسكري الذي يعد أكثر تقليدية من الأول، فالنفوذ لدى الدول العربية يعتبر مرادفا لقوة الضرب العسكري، ولذلك يعد الشرق الأوسط هو المستهلك الأول للسلاح في العالم.
وإلى جانب هذه العوامل ذات الطبيعة الاقتصادية والعسكرية، يمكن إضافة الأصولية الدينية، ففي جميع الأزمان وفي كل الحضارات، كان الدين هو الركيزة الأساسية للنفوذ. هذا مع العلم أنه لا يمكن فصل السياسة عن الدين في معظم الدول العربية، فمنذ مرحلة ازدهار الحضارة العربية نجد أن مشروعات «النفوذ السياسي» كانت متصلة بالدين، وذلك لتشجيع الشعوب. بيد أن هناك آراء أخرى ترى أن الدين هو الذي استخدم السياسة كأداة للانتشار، لذلك جاءت سيادة الدول العربية قوية وذات نفوذ ظل مستقرّا في الذاكرة والمخيلة الشعبية لعدة قرون.
أما اليوم فالثابت هو اتحاد السياسة والدين سواء في الأفضل أو الأسوأ. فالإسلام أصبح لا يذكر في وسائل الإعلام إلا عند وقوع حوادث عادة ما تكون مأسوية. وتنسب إلى هؤلاء «الإرهابيين» الذين حملوا صورة متطرفة للدين، والذي هو كسائر الأديان يمكن أن يكون معتدلا.
لقد أصبح الحوار حول النفوذ في الدول العربية يرتبط أيضا بالنفوذ الداخلي، والذي يعرف بأنه «قدرة الدولة على تعديل إرادة الجماعات أو الأفراد الموجودين داخل نطاقها». ولكن كيف يمكن الحديث عن النفوذ السياسي على الساحة الدولية في الوقت الذي يفترض فيه أن تقوم السلطة السياسية - من أجل سلامتها - باحتواء كل أشكال المعارضة الموجودة داخل نطاقها الوطني؟... فالجماهير يسودها الغضب، وجميع المظاهرات غالبا ما تكون مستحيلة، والشرطة تراقب الخروقات كافة، هذا بالإضافة إلى أن بعض الدول تحرص على أن يكون لها شرطة «دينية» من أجل حفظ النظام كما هو الحال في المملكة العربية السعودية.
ويتضح من ذلك أن هذه النظرة التقليدية تتناقض مع العوامل الجديدة للنفوذ، والقادمة من الغرب، والتي تتمثل في التحكم في وسائل الإعلام والسيطرة على طرق إنتاج المعرفة، فضلا عن السيادة السياسية العسكرية.
ويمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي ساعدت على غياب «إستراتيجية النفوذ العربي»، يمكن إجمالها في: عوامل خارجية، وعوامل داخلية.
العوامل الخارجية وغياب استراتيجية النفوذ العربي
-1 فشل التحالفات العربية واستمرار الصراعات الإقليمية:
«لقد اتفق العرب على شيء واحد، وهو ألا يتفقوا»... مقولة ابن خلدون الشهيرة التي تجسد الوضع العربي في المرحلة الراهنة. فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سعت الدول العربية إلى أن تتحد تحت مظلة الجامعة العربية، والتي مثلت نطاقا للتنسيق السياسي وللتعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ظل احترام سيادة الدول الأعضاء واستقلالها والمساواة بينها.
بيد أن الجامعة لم تتمكن من النجاح في أداء دورها بسبب انتشار ظاهرة سيادة الدولة على حساب المصلحة العربية، فبعد 60 عاما من إنشائها لاتزال مسألة دورية انعقاد القمم العربية موضوعا للمناقشة، فضلا عن مسائل أخرى لا تزال معلقة منها: إجراءات التصويت، والصفة الإلزامية للقرارات، إضافة إلى مسألة تسديد الاشتراكات السنوية.
وعليه فالجامعة العربية لا تنتج إلا كلاما كثيرا، ولا تعمل إلا على توسيع الهوة بين الحكام وشعوبهم، ويمكن أن يلاحظ هذا العجز أيضا في غياب القدرة على تقديم حلول سريعة للمشكلات، وأبرز مثال على ذلك أزمة العراق الأولى التي أظهرت حجم الانقسامات الداخلية العربية.
وإذا كانت حالات الدخول إلى صراعات مفتوحة (مثل الحرب الإيرانية العراقية، والحروب العربية الإسرائيلية، ومسألة إقليم أو جادين، أو حتى حرب الخليج (غزو الكويت) ظلت نادرة نسبيّا، نجد بالمقابل أن حلقات التوترات العسكرية وحروب العصابات والتحرر والاشتباكات والاستنزاف لا تعد ولا تحصى.
وفي هذا السياق يلاحظ أن هناك أربع مناطق صراعية لاتزال موجودة في العالم العربي:
المنطقة المغربية
يمكن القول إن الدول الأربع الواقعة في شمال إفريقيا، إضافة إلى مصر، يتمتعون بإرادة سيادية في إفريقيا، وتبعية اقتصادية مقلصة إزاء أوروبا والغرب (بسبب خياراتهم الروسية والصينية)، إلا أن مشكلة الصحراء قد ساعدت على زيادة حدة التوتر بين كل من المغرب والجزائر بسبب مساندة الأخيرة لجبهة البوليساريو، ونتيجة لذلك عاد سباق التسلح ليظهر من جديد بين هاتين القوتين.
ومن ناحية أخرى، يمثل اتحاد المغرب العربي مكانا مفيدا للتحاور، لكن لم يزد وزنه على وزن الجامعة العربية في حرب الخليج، فهذا الاتحاد كان يمكنه أن يكون وجها لإبراز أوجه التقارب بين دوله، إلا أنه اكتفى برصد مكامن الاختلافات.
منطقة الخليج
إن احتلال العراق، وما نتج عنه من صعوبات أميركية في المنطقة، قد منع العرب من امتلاك درع قوية في مواجهة إيران، ولم يساهم في تهدئة الأوضاع ولم يحسم إشكالية المواجهة الإقليمية التي - عكس ما كان مفترضا - ازدادت تعقيدا بسبب بروز المسألة الكردية في السنوات الأخيرة، والتي أصبحت في الوقت الراهن الأقل تناولا بسبب تطورات الحوادث في المنطقة، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني والأزمة اللبنانية.
المنطقة الشرقية
على الضفة الشرقية من البحر المتوسط، تبرز مسألة تعايش الأقليات - المسلمة وأحيانا غير العربية - مع الإسلام في نطاق حدود تكون دائما غير واضحة. وتعتبر الحال الإسرائيلية خير مثال على ذلك، بل إنه مع افتراض التوصل إلى تسوية تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فهذا لا يعني إلا حل جزء من إشكالية صراعية إقليمية أكثر تعقيدا. ولا تقتصر هذه الإشكالية على «إسرائيل»، فالمسيحيون الشرقيون والدروز والعلويون في سورية وشيعة لبنان والعراق، إضافة إلى الأكراد يواجهون مشكلات متشابهة، ونتج عن ذلك الكثير من بؤر التوتر على الساحة العربية أبرزها الصراع اللبناني.
منطقة القرن الإفريقي
يلاحظ أن هذه المنطقة لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به بقية المشكلات العربية والإفريقية، فبعض الحوادث قد تبدو بعيدة كل البعد عن محيط العالمين العربي والإسلامي (مثل مشكلة جنوب السودان/ إريتريا)، والبعض الآخر يمكن أن يظهر في صورة مشكلات عرقية إفريقية (مثل الصومال/ جيبوتي/ إثيوبيا).
ومن الملاحظ هنا أن تصاعد نفوذ الإسلاميين في دولة فقيرة في المنطقة يؤدي حتما إما إلى تدخل القوى العربية الموجودة في الشمال (مصر، ليبيا، المملكة العربية السعودية)، أو إلى تدخل أعدائهم بحثا عن إقامة تحالفات، مثل «إسرائيل»، وإيران الآن. وفي ذات الوقت لا تؤدي محاولات التسوية في المنطقة -والتي عادة ما تكون برعاية الأميركيين أو مبعوثي الأمم المتحدة إلى إفريقيا- إلى حلول ملائمة أو قادرة على مواجهة التصاعد القوي للإسلاميين في هذه المنطقة.
الخارج يقوض أي مظهر عربي للنفوذ
يعتبر استمرار الانقسام بين الدول العربية واحدا من أهم تداعيات استراتيجية وزير الخارجية الأميركي السابق «هنري كيسنجر» والتي لا تزال تطبق في وقتنا الراهن. وتتسم هذه الإستراتيجية فيما يخص الدول العربية بأربعة أهداف هي: تفتيت الشرق الأوسط، والتدخل الأميركي في مشكلات المنطقة كافة، والتحكم في النفط والأسواق الكبيرة في المنطقة (مثل أسواق الاتصالات وغيرها)، وأخيرا القضاء على أية محاولة وحدة عربية، والتي لا بد أن تكون - من وجهة نظر واشنطن - عدائية.
ومن ثم وضعت الولايات المتحدة ثلاث ركائز من أجل الوصول إلى هذه الأهداف: العمل على إضعاف وذبذبة استقرار الأنظمة المعادية، والاستفادة من تنامي نفوذ الإسلاميين لخدمة مصالحهم، وتكثيف الدبلوماسية الأميركية في المنطقة (وخير مثال على ذلك يتمثل في اتفاقات كامب ديفيد وفي التدخل الأميركي في الأزمات اللبنانية). فالولايات المتحدة هي الفاعل الأول في العالم العربي منذ العام 1945، وكان سلوكها هو المتحكم الرئيسي في أوضاع الشرق الأوسط، كما أن حربي الخليج الأولى والثانية قادتا إلى قلب جميع الثوابت السياسية في المنطقة وقضتا على صورة التضامن الإقليمي الذي حاولت الدول العربية لفترات طويلة أن تحققه، وأصبحت كل واحدة من الدول العربية تعتمد أكثر على تحالفاتها الخاصة مع الآخرين.
وقد ظهرت السيادة الأميركية في المنطقة في مظهرين أساسيين مرتبطين ببعضهما بعضا، هما استخراج النفط والوجود العسكري في المنطقة، فهناك أعداد كبيرة من مواقع الاستخراج والتكرير أصبحت تحت الحكم والحماية الأميركية، والقواعد العسكرية الأميركية تنتشر بشكل أساسي في معظم الدول الخليجية.
وقد استطاعت الولايات المتحدة أن تجعل من الدول العربية والإسلامية أداة لخدمة مصالحها، وذلك عن طريق تعزيز عداء التيارات الوهابية إزاء العالم الشيوعي «الملحد»، إلا أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 جاءت لتعيد النظر بشأن مدى فاعلية هذه الإستراتيجية وتظهر حدود قدرتها، بحيث يلاحظ أن العالم العربي قد ظهر في مطلع القرن الواحد والعشرين بصورة الإقليم الواقع تحت سيطرة القوات العسكرية بأكثر مما كان في الحقبة الاستعمارية، حتى أن بعض الدول الأعضاء في الجامعة العربية، والمعروفين برفضهم للسيطرة الغربية، قد خضعوا للعقوبات الدولية، إما تحت مسمى «الدول المارقة»، أو «عملاء الإرهاب»، وتندرج تحت هذه القائمة إيران وسورية والسودان وفي بعض الأحيان اليمن.
أما على المستوى الاقتصادي، فهناك حوارات بين الحكومات العربية بشأن ضرورة اتباع استراتيجية اقتصادية مشتركة تضم كل الدول العربية في كتلة إقليمية. وفي هذا الصدد كانت الدول العربية قد وقعت منذ عدة سنوات «اتفاقية السوق المشتركة»، غير أن أيّا من التعاون المشترك الجدي لم يدخل حيز التنفيذ، بل على العكس فإن المرحلة الراهنة تشهد دخول الولايات المتحدة وأوروبا وقوى اقتصادية أخرى لتفرض على الدول العربية اتفاقات ثنائية تقصر عمل هذه الدول على أن تكون مصدرا للأيدي العاملة الجيدة وممولا بمصادر الطاقة للدول الغربية، كما تستغل هذه الدول كسوق لتصريف صادرات الغرب (وخصوصا العسكرية منها).
وهكذا نجد أن إستراتيجية «كيسنجر» لا تزال تطبق حتى يومنا هذا ولا توجد مقولة معبرة عنها أفضل من عبارة «فرق تسد»، وذلك لأن الدول العربية لم تعرف حال «الوحدة» في أي وقت، لذلك تظل مسألة «إستراتيجية النفوذ» أمرا بعيد المنال.
القوى المحيطة واستراتيجية النفوذ
لا يتناسب غياب إستراتيجية عربية للنفوذ مع حقيقة وجود عدة مناطق غير عربية على أطراف العالم العربي لها مطالب وطموحات. ومن ثَمَّ تحاول الدول العربية أن تتعرف وتبحث -عن طريق الرابط الإسلامي- عن الدول صاحبة المواقف الواضحة مثل إيران وتركيا وماليزيا، وكلها دول تمثل على الأصعدة كافة قوى جذب أو تميز بالنسبة للعرب.
من وجهة النظر التقليدية، يمكن القول إن إيران تمتلك العوامل الأصيلة للنفوذ، فإلى جانب الثقافة الفارسية والشيعية، استطاعت هذه الدولة منذ قيام الثورة الإسلامية العام 1979 أن تطور إستراتيجية للنفوذ، معتمدة في الأساس على عنصر القوة الذي بلغ القمة بسعيها لإنتاج السلاح النووي. ولكن السؤال المطروح هنا: ما هي المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها إيران من جرّاء ذلك؟. من الممكن تصنيف هذه المكاسب في ثلاث مجموعات مختلفة: التطور العسكري، والمكانة السياسية الوطنية (الداخلية والخارجية) والسيادة الإقليمية.
ويمكن القول إن التصاعد الواضح لهذه الدولة الإسلامية، وسعي علماء الدين الإيرانيين لمزيد من النفوذ عبر القنبلة النووية، يعزز من وضع إيران إزاء العالم العربي، بل وتستطيع إيران النووية أن تؤكد - بكل فخر - استقلالها في مواجهة كل من الغرب المسيحي و»الشيطان الأكبر» الأميركي، فضلا عن «إسرائيل».
أما تركيا الدولة العلمانية والديمقراطية، والتي تعتبر في الوقت نفسه حليفة للغرب وعضوا في حلف شمال الأطلسي، فيمكن تصنيفها باعتبارها دولة تقدمية. وعن مواقفها تجاه العرب، يمكن القول إن تأثيرها على الدول العربية لا يمكن إغفاله، وهي تتصرف غربا وشرقا باعتبارها قوة معتدلة في منطقة متوترة مليئة بالمشكلات. وتجدر الإشارة إلى أن علاقتها السلمية مع «إسرائيل»، فضلا عن ازدهارها الاقتصادي، يعد حقّا نموذجا يحتذى به.
واستطاعت ماليزيا بفضل تفوقها الاقتصادي والصناعي أن تثبت أن الدول الإسلامية ليست مصابة بالتراجع والجمود. فماليزيا إحدى دول «النمور» الآسيوية. وعلى رغم سياستها «الإسلامية»، فقد تمكنت من أن تتحول إلى دولة متقدمة لا تعتمد فقط على الموارد الأولية مثل النفط.
العوامل الداخلية وغياب استراتيجية النفوذ العربي
1 - مشكلات الطبقة الحاكمة والديمقراطية
وصلت الدول العربية منذ فترة قصيرة إلى الاستقلال والسيادة، وهي تعتبر حديثة «سياسيّا»، وعلى رغم ذلك فإن مسألة الديمقراطية أصبحت دائمة الاستخدام لتبرير حال الخمول التي تعيش فيها الدول العربية، فقد جاء في تقرير الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2002 أن «موجة الديمقراطية التي حولت الحكومات في معظم دول أميركا اللاتينية وآسيا في الثمانينات، وفي أوروبا الوسطى والشرقية وبعض دول آسيا الوسطى في التسعينات، لم تقترب إلا قليلا من الدول العربية». فأصبحت تظهر هذه الدول في صورة المقاوم لهذه الموجة من التحول الديمقراطي، حتى الدولة الوحيدة من بينهم التي شرعت في إجراء انتخابات حرة، وهي الجزائر، قد اضطرت إلى التوقف عن هذه العملية حتى تتمكن من مواجهة تصاعد الإسلاميين.
ولكن فيما يخص موضوعنا، لا تعد هذه المسألة السبب الأول في نقص إستراتيجية النفوذ في المنطقة العربية، لأنه في حقيقة الأمر تصدر المسائل الإستراتيجية من الدولة وتكون غير خاضعة لقواعد، ومن ثم يتضح أنه من الممكن وجود إستراتيجية للنفوذ حتى في حال تغييب الديمقراطية كما هو الحال في الصين.
ولكن إذا كان غياب الديمقراطية في الدول العربية ليس هو السبب في غياب الإستراتيجية، فما هو السبب إذا ؟... تتلخص المشكلة في هذه الدول في طبقتها وقادتها السياسية، والتي تكون في أحيان كثيرة غير شرعية وتقدم مصالحها الخاصة على مصالح الأمة، فالهدف الأساسي لهؤلاء القادة هو تخليد الملكية حتى في الدول الرئاسية، واستمرار استخراج الثروات التي استحوذ عليها عدد قليل منهم.
2 - اقتصاديات العوائد تكبح أي نفوذ
لقد ساعدت العولمة على إضعاف الدول العربية، سواء على الساحة الاقتصادية أو السياسية، إذ إن هذه الدول ظلت حبيسة عائدات البترول، والذي يصفه كثيرون بأنه «لعنة»، إذ إن هذه العائدات قد وقفت عائقا أمام تنوع اقتصاديات الدولة. ونتيجة لذلك أصبحت تلك الدول تستورد المنتجات الأخرى كافة، مع العلم بأنها قادرة على تصنيعها داخليا، لذلك نجد أن نسبة البطالة في المنطقة تعتبر من أعلى المعدلات في العالم.
ويعد هذا الأمر شديد الخطورة لمستقبل هذه الدول، بالنظر إلى حقيقة أن البترول غير مخلد، وسيأتي الوقت الذي تنفد فيه آبار النفط، وحينها ستبدأ الأزمة.
ويلاحظ أن دول الخليج لا تتبع أية إستراتيجية في إدارة استثماراتها، سواء في العقارات عن طريق شراء الفنادق الفخمة في الخارج أو عن طريق شراء أسهم غير كافية في الشركات الأجنبية. ولا توجد أية شركة متعددة الجنسيات «العربية»، باستثناء الجزيرة، التي تشكل بارقة أمل في إمكان عودة القدرة التنافسية العربية سواء في المجال المالي أو الإداري.
أما في مجال الدفاع فلا تتردد الدول العربية في دفع مبالغ ضخمة لخدمة هذا المجال، وقد يرجع ذلك لعدم استقرار الأوضاع، ما يفسر جزئيّا السباق على التسلح في الإقليم.
ومن جانب آخر، لا يزال مجال البحث العلمي، وهو من أهم ركائز الازدهار الاقتصادي والإستراتيجي، من المجالات المهمشة، فالموازنة المخصصة له في الدول العربية لا تتعدى 0.25 في المئة من متوسط الناتج القومي الإجمالي في مقابل 3.5 في المئة في الدول المتقدمة. ونتيجة لذلك يضم العالم العربي 8 آلاف باحث في مقابل أربعمئة ألف باحث في الولايات المتحدة الأميركية.
وعليه يمكن القول إن الدول العربية لا تزال تصب اهتمامها على المجالات التقليدية للنفوذ، وتغفل عن أهمية المجالات «الإستراتيجية» المؤثرة في عالمنا اليوم، ومن دون وجود قاعدة اقتصادية قوية وقادرة على المنافسة لن تستطيع أية دولة أن تمتلك «استراتيجية للنفوذ»، ومن دون إنجازات اقتصادية وسياسية لن تستطيع الدول العربية أن تشكل جزءا من منظومة الدول المشاركة في العولمة، بل لن تكون قادرة على توصيل رسالتها.
وعلى رغم ذلك استطاعت دولة قطر أن تُخرج للوجود فكرة ذكية، تتمثل في قناة «الجزيرة» التي استطاعت أن توازن قوة ومكانة قناة الـ( CNN).
الإسلاميون واستراتيجية نفوذ ما بعد العولمة
قد يظن بعضهم أن السلطات في الدول العربية تولي اهتماما ملحوظا بغرس القيم الإسلامية، وخصوصا أكثرها تقليدية، لكن هذا الأمر بعيد كل البعد عن الحقيقة، فحتى إذا أشير لهذه المسألة من خلال «الخطاب»، فإن الأنظمة أصبحت تولي اهتماما أكبر بالأشكال الأكثر تقليدية مثل القمع والقضاء على أي شكل من أشكال المظاهرات أو المشاركة السياسية، أي إنها تضع المسائل الأمنية في المرتبة الأولى من اهتماماتها، على حساب الموضوعات الدينية.
وفي مقابل ذلك، تعمد غالبية الأصوات «الأصولية» وعدد من المفكرين الإسلاميين، إلى التوصية بضرورة اتباع «استراتيجية الانغلاق عن قيم العولمة وتبني فكر إسلامي متطور» إذ ينبغي، من وجهة نظرهم، اتباع الدول العربية لنمط جديد يسمح بالوجود وسط بقية دول العالم، الأمر الذي سيكفل لهم مزيدا من القوة والنفوذ. ويستند هؤلاء المفكرون في رؤيتهم هذه إلى حقيقة ثبات القيم الإسلامية ورسوخها في أعماق المجتمعات العربية.
وقد قدم بعض المفكرين أمثال «عبد السلام ياسين» مفهوم «أسلمة التحديث» بمعنى قيادة التحديث في الدول العربية وفق القيم الدينية وليس تبعا لقيم العولمة المتوافقة مع القيم الغربية، ونجح ياسين في الخروج بخطاب بنَّاء لتفسير هذا الانغلاق، مفاده أن العولمة الاقتصادية قد أحدثت انقسامات اجتماعية داخل الدول الصناعية حتى في الولايات المتحدة، وقد لقي هذا الخطاب صدى كبيرا في المجتمعات العربية، لأنه جاء متماشيا مع المشكلات العربية المعاصرة إزاء التحديث.
وفي مواجهة هذه الرؤية، أي «أسلمة التحديث»، هناك رؤية أخرى هي «تحديث الإسلام». ومن الواضح أن كل رؤية منهما تقدم حقائق واضحة وتلخصها بشكل وافٍ. وتستخدم الرؤية الثانية أو التعبير الثاني بشكل أساسي من قبل بعض المفكرين الإسلاميين مثل: المصري «عمرو خالد»، وعبد الله جيمنستيار (إندونيسي الجنسية، لكن أفكاره لا تروج بصورة واسعة في الدول العربية). وهذا ما يقودنا إلى الفكرة المركزية هنا، وهي أن علماء الدين، سواء إسلاميين معتدلين أو الإخوان المسلمين القدامى أو حتى ناشطين إرهابيين، هؤلاء هم الذين يفكرون للإسلام، هم الذين يفكرون لمجتمعهم ويحددون قدره، في الوقت الذي يغيب فيه دور السياسيين والمثقفين العلمانيين.
هذه الحركة التحديثية تساند رؤية الرأسمالية وما ينطوي على ذلك من القيام بمشروعات متصلة بالقيم الدينية، وفي هذه النقطة يتفق خالد وجيمنستيار مع فكر القرضاوي الذي رأى أن اليهود والبروتستانت استطاعوا بصورة رائعة التوفيق بين دينهم ورأسمالية السوق القوي، الأمر الذي لم يكن المسلمون قادرين عليه قط. وتجدر الإشارة هنا إلى أن خطابات عمرو خالد كان لها الفضل الأساسي في ظهور المحاولات الأولى التي بدأت في تقديم أشياء مفيدة ذات وزن.
إن الفكر السائد لدى هؤلاء المفكرين هو أن «الأمة العربية» لا تتمتع بالنفوذ الذي يجب أن تتمتع به بالنظر إلى ميراثها وأصولها، وهو ما يجتمع عليه الرأي العام العربي الذي يدعو لضرورة عودة النفوذ العربي. ومن هنا جاء هذا الإحباط والحنق المسيطر على أفعال هؤلاء «الإسلاميين»، في وقت يغيب فيه هذا الأمر ويوجد خارج نطاق اهتمامات القادة العرب، ما يقودنا في النهاية إلى حقيقة مهمة هي أن ظاهرة «الإسلاموية»، وخصوصا الفكري منها، تعتبر عدوّا للسلطة في الدول العربية.
خلاصة ما سبق أن إشكالية العائدات وغياب القاعدة الصناعية الحديثة، وقلة مهارة النخبة، وتأثير القوى الخارجية تعتبر أهم العوامل التي تسبب كل منها في غياب إستراتيجية نفوذ الدول العربية.
ونظرا إلى أن هذه الإستراتيجية لم تحظَ باهتمام السياسيين فقد احتكرها الإسلاميون، وأيّا ما كانت الطريقة (أسلمة التحديث أو تحديث الإسلام)، فالإسلاميون فقط هم الذين يسألون عن النفوذ العربي، ويدركون أن الصين والهند والبرازيل، وهي من دول «الجنوب»، قد استطاعت اللعب بورقة «النفوذ» لمواجهة السيطرة الأميركية، فلماذا لا يستطيع العرب القيام بالشيء نفسه؟!
بل إن السؤال هو: أيجب علينا أن ننظر نظرة متشائمة إلى المستقبل العربي؟.
الإجابة هي «نعم! وبكل تأكيد». وذلك لأن المبادرات والرؤى الخاصة بتطوير أدوات النفوذ في هذه الدول لا تعدو كونها مجرد أفكار، أما إرادة النفوذ فلا يتم التعبير عنها بصورة جيدة، ويبقى سلاح النفط في المرحلة الراهنة هو الأداة الفعالة التي يمكن استخدامها للإيذاء، ومن ثَمَّ فهو أداة للنفوذ في علاقة القوي بالضعيف، إذ إن جميع الأوراق الموجودة في يد العرب لا يمكن أن تساهم في أي تغيير إذا استمر غياب إستراتيجية النفوذ.
العدد 1645 - الخميس 08 مارس 2007م الموافق 18 صفر 1428هـ