العدد 1667 - الجمعة 30 مارس 2007م الموافق 11 ربيع الاول 1428هـ

فجر الجمعة يغدر بعباس بطلقة قاتلة في القضيبية!

الشاخورة تحيي ذكرى محمد جمعة بقربان آخر... و«الداخلية» تفتح تحقيقا عاجلا

السلمانية، القضيبية - حيدر محمد 

30 مارس 2007

كانت الساعة تقترب من الثانية والنصف فجرا عندما خرج عباس علي الشاخوري من مكان عمله الإضافي (حارس أمن في أحد المطاعم التابع لفندق بحي راقٍ في منطقة القضيبية) كما هي عادته في كل ليلة عائدا إلى منزله، لكن هذه الجمعة لم تكن كسائر الليالي!

عباس الشاب الهادئ تعرض إلى طلق ناري مباشر في مقدمة الرأس (الجبهة) واستقر في مؤخرة الجمجمة، ولا أحد يستطيع أن يحدد جهة الطلق... وعلى الفور تحول الموقع إلى خلية أمنية، وسط ذهول الحاضرين ومرتادي المنطقة مما حدث، فيما نقل عباس إلى قسم الطوارئ والحوادث بمجمع السلمانية الطبي.

عباس ابن السادسة والعشرين عاما، المتزوج حديثا كان يكدح ليلا ونهارا، الذي يعمل طوال النهار في شركة «JGC» بمصفاة النفط (Refinary) في سترة كان واقفا على باب الفندق بعد انصراف الناس من المطعم برفقة أحد زملائه الذي لم يتنبه إلى حدوث أمر غريب إلا بعد سقوط عباس على الأرض، ولم يسمع دوي رصاص مطلقا، وحين الحادث كان في الموقع حضور لا يقل عن 20 شخصا من رواد المطعم كانوا واقفين معا كتفا بكتف، والغريب في الأمر أن أحدا من الحاضرين لم يلحظ من يحمل سلاحا ناريا، فهل كانت الطلقة قادمة عن بعد؟ لا أحد يعرف، ولكن من الواضح أن ثمة رصاصة صغيرة الحجم اخترقت رأسه. والمفارقة أن عباس أصيب في الذكرى الخامسة التي تؤبن فيها قرية الشاخورة شهيد انتفاضة الأقصى محمد جمعة، وكلاهما من عائلة واحدة!

وعلى باب مجمع السلمانية الطبي لا شيء يشير عند السابعة صباحا إلى حادثٍ غريب في الداخل، اللهم إلا وقوف أربعة شباب من أقرباء عباس (أخويه وزوج أخته ومرافق رابع)، ولا أحد منهم يعلم عن تفاصيل القضية شيئا سوى أن عباس تعرض لحادث إطلاق ناري - لا تعرف طبيعته - في وقتٍ متأخر من ليلة الجمعة، ما أدخله في غيبوبة في الحال، بقي على إثرها تحت الملاحظة المباشرة من قبل الأطباء في غرفة العناية الخاصة ولا يعمل من أعضائه سوى القلب.

الخبر المحزن الذي حملته ليلة الجمعة لأهله ولأبناء قريته ظل قيد التكتم إلا من خواص أقربائه، وجاء والداه وألقيا عليه نظرة لكن الشبان الأربعة أقنعوهما بأن عباس تعرض لحادث إغماء عرضي، وسيتعافى قريبا في حين أن الطبيب المشرف على علاجه أكد أنه «مات سريريا»، لتبقى حياته مرهونة بمشيئة بارئها.

الرصاصة متناهية الصغر

القضية تبدو غامضة حتى الآن، ولا توجد أية دلالات للشبهات الجنائية، وإذ إن المغدور به كان يتمتع بأخلاقٍ عالية فلا يعتقد أن تكون له مشكلة مع أي طرف... هذا ما يقوله عضو كتلة الوفاق النائب جلال فيروز الذي رافق «الوسط» في تتبع هذه القضية منذ الصباح، إذ سجل تفاصيل ما رآه من الخيوط المتوافرة على رغم قلتها.

ويوضح فيروز: «من خلال معاينتي الشخصية للمغدور به في غرفة العناية الخاصة بقسم الطوارئ وجدت أن الرصاصة كانت في أيمن جبهته، وبحسب الأشعة التي شاهدتها فإن الرصاصة كانت متناهية الصغر بقطر عدة مليمترات فقط، وقد اخترقت الجمجمة، واستقرت في الطرف الآخر منها، وبحسب أقوال من كانوا في موقع الحادث فإن عباس سقط فورا على الأرض، وبقي أثر على يسار جبهته بجرح عميق نتيجة سقوطه، وبحسب أقوال الشهود فإن صوت الطلقة لم يكن عاليا، وربما كانت الطلقة موجهة من بعيد، والمسئولون عن امن الفندق كانوا موجودين حتى صباح الجمعة، وبدوا مرهقين للغاية، لأنهم لم يذهبوا إلى منازلهم حتى وقت متأخر».

ويشدد فيروز على خطورة الاستعجال في إصدار الأحكام على هذه القضية «لا نريد أن نستبق الأمور، فلا توجد حتى الآن أية شبهة سياسية أو طائفية لها ربط بالقضية، ونحن بدورنا سنتابع التحقيق أولا بأول مع وزارة الداخلية، ونتمنى أن يتم الكشف عن ملابسات هذه القضية الخطيرة، وأن يؤخذ الجاني إلى العدالة بعد كشف كافة الحيثيات والملابسات الغامضة علينا وعلى أهله وعلى الجميع».

فيروز يلفت أنه من خلال تكرار هذه الحوادث الأمنية «يمكننا أن نستنتج أن هناك من يحمل سلاحا في البحرين من دون ترخيص مع العلم أن حمل السلاح ممنوع بالمطلق في المملكة للأفراد كافة وخصوصا المدنيين، وحمل السلاح مرخص فقط للعسكريين أثناء العمل وبالزي العسكري فقط، وفي حدود قواعدهم وأماكن عملهم».

الكاميرا رصدت سقوط عباس

منذ الصباح توالى على مجمع السلمانية الطبي كبار المسئولين الأمنيين الذين عاينوا حالة عباس عن قرب، إذ حضر في العاشرة صباحا رئيس مركز شرطة الحورة الرائد عيسى القطان، وبعد زيارته للمصاب في غرفة العناية قال لـ «الوسط»: «بصراحة، الحادث يبدو غريبا للغاية، والكشف عن حقيقة الملابسات يحتاج إلى وقت، ولكن حتى الآن تبين أن في الموقع نحو 40 شخصا كانوا واقفين مع عباس، وجرى التحقيق معهم وأخذنا أقوال الشهود، وهناك من سمع صوتا حينها... ومن خلال نظرتي الأولية للمصاب أرجح أنه أصيب بطلقة، ولكن لا يمكن الجزم بهذه الفرضية قبل التحري واستكمال التحقيقات، ولكنها بالتأكيد ليست رصاصة كبيرة بدليل الحجم ولا هي من صنف الرصاص الانشطاري (الشوزن)، لمجموعة قرائن».

ويكشف القطان أن «محل الحادث مراقب أمنيا بالكاميرا، لذلك فإن سقوط عباس على الأرض كان واضحا في التسجيل عبر الكاميرا المثبتة التي رصدت سقوطه، ولكن بعد النظرة الأولية للتسجيل لم نجد صوتا يدل على تصويب ناري، ولكننا بحاجة إلى مشاهدة المقطع المسجل من زوايا مختلفة حتى تتضح لنا الرؤية أكثر، وسيحضر إلى المستشفى اليوم (أمس) وكيل النيابة الذي يعطي إذنا للطبيب الشرعي وكذلك خبير الذخائر التابع للوزارة، وربما ما سيعقّد التحقيق بعض الشيء أن عباس كان هادئا ووديعا إلى حد كبير، ومن غير المنطقي ابتداء أن يكون له أعداء يترصدونه».

وفي الظهيرة زار «السلمانية» رئيس الأمن العام اللواء عبداللطيف الزياني وصرح لـ «الوسط» قائلا: «بداية، يؤسفني الذي حدث، ونحن في وزارة الداخلية سنبذل قصارى جهدنا للكشف عن حقيقة الحادث ودوافعه، وحتى الآن نحن في فترة التحقيق والتحري، وقد تشكلت لجنة رسمية برئاسة مدير عام المباحث وتحت إشرافي المباشر، وباشرت مهمتها وسترفع تقريرا إلى وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في أسرع وقت ممكن».

المحزن فعلا أن ثلاثة أشهر فقط هي التي كانت فاصلة بين زواجه ووفاته سريريا... هذا ما يقوله علي القطان (شقيق زوجة الضحية): عباس كان يسعى بشكل غير طبيعي إلى توفير عيش كريم له ولأسرته لتغطية مصروفاته العائلية، وكان مكافحا في سبيل لقمة عيش كريمة، وكان يعمل من الخامسة صباحا حتى السابعة عصرا سائقا بعقد مؤقت في شركة تنجز مشروعا استثماريا في البحرين... يعود إلى منزله منهكا ويأخذ قسطا من الراحة لساعات ثلاث، وعند العاشرة يذهب إلى دوامه الثاني المؤقت أيضا (حارس أمن في أحد الفنادق)، وكان يصر على الجمع بين الوظيفتين، إذ إن إيجار شقته تستنزف راتبه الأول، وعباس معروف في القرية بهدوئه الشديد، ولا يكاد يرى إلا في المناسبات فقط.

«الوسط» تزور موقع الحادث

«الوسط» زارت الفندق برفقة النائب فيروز، ولوحظ فرض السلطات احترازات أمنية مشددة على منافذ الفندق والمطعم. وبرر مسئول في «مباحث الداخلية» ذلك بأنه إجراء طبيعي يهدف إلى الحفاظ على مسرح الجريمة من دون تغيير لضمان سير التحقيق بسلاسة فيما سيارات الشرطة كانت تراقب المكان بحذر (...) دخلنا من بوابة المطعم التي كانت في ظهر الفندق، وثمة نظرة واحدة على المظهر الداخلي للمطعم تكفي للتعرف على زواره... فالديكور العام راقٍ وأشبه ما يكون بالمقاهي الايطالية، وكان الفندق مملوكا لضابط أمن سابق لكنه باعه قبل فترة.

ويكشف أحد العمال السابقين في المحل في تصريح خاص لـ «الوسط» أن المطعم تابع لفندق (....) ذو نظام النجمتين، ورواده الدائمون هم من رعايا الجنسيتين البريطانية والأميركية التي تبحر في مياه البحرين بشكل مستمر، وبعض هؤلاء يخرجون تحت تأثير المشروبات الروحية، ولم يشمل قرار إدارة السياحة غلق الصالات هذا المطعم، لأنه استثني نظرا إلى موقعه السياحي، والموظفون في أمن المقهى يعملون بالنظام الجزئي (خارج نظام العقود)... وعباس حاجته هي التي فرضت عليه العمل في هذا المكان، نظرا إلى صعوبة الحياة.

التحرك البرلماني

التحرك البرلماني مع الحادث كان سريعا، فقد أبدى رئيس لجنة الشئون الخارجية والدفاع والأمن الوطني في مجلس النواب النائب الشيخ عادل المعاودة في تصريح لـ «الوسط» أسفه الشديد لوقوع الحادث، وقال «سمعنا بهذا النبأ المحزن في السادسة مساء، وإذا صح أن المجرم هو من رعايا الدول الغربية فنحن نطالب أن يحاكم في البحرين وأمام القضاء البحريني، ومن يدخل في البحرين لا يمكن أن يكون خارج قوانينها... لأن ذلك يجرؤهم على الفساد في بلدان الغير، وإذا حدث تقصير من جانب السلطة التنفيذية فسينقل الموضوع بلاشك إلى البرلمان، ونتمنى ألا يكون هناك تقصير في التعامل مع هذه القضية المهمة».

بين الجمعة والسبت كتبت قصة مأسوية لعائلة الشاخوري التي أبت إلا أن تحيي ذكرى فقيدها محمد جمعة بقربان آخر، فها هو عباس الكادح ينازع الروح، ولسان حاله ينادي زوجته: «أعذريني»!

«الداخلية»: تشكيل فريق بحث جنائي للتحقيق في القضية

صرح مدير عام الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية في بيان رسمي بأن «الإدارة تلقت بلاغا يفيد بأن شخصا يعمل حارس أمن في أحد فنادق المنامة تعرض لإصابة في الساعة 2:20 فجر يوم أمس (الجمعة)، وبالانتقال واجراء التحقيق الأولي تبين أن المجني عليه وأثناء خروجه من الفندق سقط على الأرض فجأة بحسب شهود عيان وأنه تعرض لإصابة بليغة في رأسه ويشتبه في أنه أصيب بطلق ناري، ونقل إلى المستشفى للعلاج، وتم إخطار النيابة العامة التي تولت التحقيق وانتداب الطبيب الشرعي لإجراء الكشف الطبي على المصاب لبيان سبب وكيفية وقوع إصابته».

وأضاف «أنه على الفور تم تشكيل فريق بحث جنائي برئاسته للتحري وجمع الاستدلالات بشأن الواقعة، وان البحث لايزال جاريا لمعرفة ظروف وملابسات الحادث كافة». وأهاب بكل من لديه أية معلومات تفيد التحقيق الاتصال بالإدارة.

العدد 1667 - الجمعة 30 مارس 2007م الموافق 11 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً