العدد 2534 - الخميس 13 أغسطس 2009م الموافق 21 شعبان 1430هـ

متى ينتقل الإخوان من الإصلاح الاجتماعي إلى السياسي؟ (1)

نواب الإخوان في البرلمان المصري أسسوا منهج جماعة الإخوان المسلمين على المنهج الإصلاحي المتدرج، ولذلك قام منهجهم على المراحل المتتالية، وبالتالي الأهداف المرحلية المتتالية، ولعل قول الإمام والمرشد الأول حسن البنا، والذي حدد هدف الجماعة في بناء الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع الإسلامي، والحكومة الإسلامية، ثم الخلافة الإسلامية، وبعدها أستاذية العالم، يمثل فكرة البناء من أسفل، والذي يقوم على إصلاح الأمة ثم إصلاح الحكومة والدولة، ثم القيام بدور في المجتمع الدولي.

تلك الأهداف المتتالية تؤكد أهمية المراحل في منهج جماعة الإخوان المسلمين، والمراحل تحتاج لتحديد دقيق لكل مرحلة والهدف المراد إنجازه فيها، ثم تحديد متى تنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة أخرى.

والملاحظ من الأهداف المتتالية التي تلتزم بها جماعة الإخوان المسلمين، أنها تبدأ بالاجتماعي ثم يليه السياسي، ثم في النهاية يأتي دور الهدف الحضاري النهائي، وهو نهضة الأمة وتحملها لدورها التاريخي تجاه البشرية.

وفي الهدف الاجتماعي يكون التركيز على عملية إصلاح الأمة، وفي الهدف السياسي يكون التركيز على عملية إصلاح الحكومة والدولة وإقامة الوحدة الإسلامية بين مختلف الدول العربية والإسلامية.

ولا نقصد من ذلك أن المراحل منفصلة عن بعضها بعضا، ولكنها متداخلة، ومع هذا توجد بعض المؤشرات التي تميز كل مرحلة عن المرحلة التالية لها.

ففي مرحلة إصلاح الأمة، أو المرحلة الاجتماعية، سنجد العمل السياسي والمشاركة السياسية حاضرة، ولكن خطوة إصلاح وتغيير النظام السياسي وإقامة النظام السياسي الإسلامي، لا تدخل في تلك المرحلة.

أما في المرحلة السياسية، فيكون الإصلاح وتغيير النظام السياسي هو أهم أهدافها، وعليه يكون إقامة النظام السياسي الإسلامي في أحد الدول، هو هدف تلك المرحلة، ثم يتبعه إقامة هذا النظام في الكثير من الدول، ثم محاولة إقامة الوحدة العربية، وبعدها الوحدة الإسلامية.

وفي هذه المرحلة السياسية، لا يمكن أن تتوقف عملية الإصلاح الاجتماعي، بل ستظل مستمرة بكل جوانبها، بدءا من إعداد الفرد إلى إقامة المجتمع الإسلامي.

والهدف النهائي، وهو النهوض الحضاري الإسلامي، يبدأ مع إعداد الفرد ويستمر في كل المرحلة الاجتماعية، وبالتالي يستمر مع المرحلة السياسية، ولكن لا يتصور تحقيق جوهر الهدف النهائي، وهو النهضة الحضارية الشاملة، إلا بعد إصلاح النظم السياسية، وإقامة الوحدة العربية والإسلامية؛ لهذا تظهر هذه المراحل بوصفها مراحل متداخلة ومتواصلة أيضا، فلا توجد مرحلة تنتهي، ولكن عندما تبلغ مرحلة ما درجة مناسبة، يفترض أن يبدأ التركيز على جوهر المرحلة التالية.

بهذا نسمي المرحلة الأولى، بأنها المرحلة الاجتماعية، والتي تركز على بناء المجتمع الإسلامي، من خلال بناء الفرد والأسرة، بجانب المشاركة والعمل السياسي، وبناء قيم وحدة الأمة وزرع أسس نهضتها.

أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة إصلاح وتغيير النظم السياسية، وبناء الدولة ذات المرجعية الإسلامية، في مختلف الدول العربية والإسلامية تدريجيا، والعمل على تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وفي هذه المرحلة تستمر عملية بناء الفرد والأسرة والمجتمع، ومعها تستمر عملية بناء دوافع وآليات النهوض.

أما في المرحلة الثالثة: فهي مرحلة قيام الأمة الموحدة حضاريا وسياسيا بدورها في تاريخ البشرية، فيستمر العمل الاجتماعي والعمل السياسي، وتقوية المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، مع عملية تحقيق النهوض في مختلف المجالات، حتى تقوم الأمة الإسلامية برسالتها الحضارية بين مختلف الشعوب والأمم الأخرى.

تلك هي صورة الأهداف المرحلية المتدرجة لجماعة الإخوان المسلمين، ولأن التصور العملي للجماعة يقوم على المراحل؛ لذا يكون التصور الزمني لتحقيق هذه المراحل عاملا مهما يؤثر على دور الجماعة، وعليه يكون المهم والأصعب بالنسبة للجماعة؛ هو متى تنتقل الجماعة من مرحلة إلى أخرى.

ولأن جماعة الإخوان المسلمين، وبعد عقود من تأسيسها تعمل في المرحلة الأولى، لهذا يكون السؤال المهم بالنسبة لها، والأصعب بالنسبة لمستقبلها، والمؤثر على المجتمعات العربية والإسلامية، هو: متى تنتقل الجماعة من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية؟ أي: متى تنتقل الجماعة من المرحلة الاجتماعية إلى المرحلة السياسية؟

البقاء في المربع الأول

والبعض قد يرى أن الجماعة استمرت في المرحلة الاجتماعية أزيد ما ينبغي، أو أنها تتجنب الدخول في المرحلة السياسية، أو أنها لم تصل للنضج السياسي اللازم للدخول في المرحلة السياسية، أو أنها تتجنب المواجهة السياسية التي ترافق أي عملية إصلاح سياسي، أو أن الجماعة تريد البقاء داخل المحمية الاجتماعية التي تعيش بداخلها، ولا تخرج إلى غمار العمل السياسي المباشر.

وخلاصة هذه الآراء، أن جماعة الإخوان المسلمين، وبسبب ما تواجهه من حصار وضربات أمنية على كل المستويات، قد أجلت عملية الانتقال من المرحلة الاجتماعية إلى المرحلة السياسية، وبهذا لم تعد توجد إجابة على سؤال: متى؟ وتخلصت من السؤال الأصعب، بعدم الإجابة عليه.

وإذا تكلمنا عن واقع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فسنجد أنها استطاعت الاستمرار لعدة عقود، ولكن دورها تعرقل كثيرا، وما كان من المتصور تحقيقه في عقدين أو ثلاثة، لم يتحقق في عدة عقود، والحاصل أن المواجهات التي تعرضت لها الجماعة عرقلت فعلا من خطتها، وجعلتها تبقى في المرحلة الأولى، وهدمت الكثير ما بنته الجماعة؛ ما جعلها تعيد بناء قاعدتها الاجتماعية، فما حققته الجماعة قبل ثورة يوليو/ تموز، تم القضاء عليه، ما جعل الجماعة تعيد بناءه مرة أخرى منذ سبعينيات القرن العشرين.

وهذا العامل أثّر فعلا على قدرة الجماعة على الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التالية لها، ولكن هذا يدفعنا للتفكير في ما تعاني منه الجماعة من حصار، فقد يكون هذا الحصار الأمني والإعلامي والسياسي قد نجح في عرقلة الجماعة، بحيث أبقاها في المرحلة الاجتماعية، وأغلق عليها احتمالية الانتقال إلى المرحلة السياسية.

العدد 2534 - الخميس 13 أغسطس 2009م الموافق 21 شعبان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً