العدد 1748 - الثلثاء 19 يونيو 2007م الموافق 03 جمادى الآخرة 1428هـ

العكري: مرسوم 56 أكبر العقبات أمام «العدالة الانتقالية»

أكد أن الخطوة الأولى للحل هي اعتراف الدولة بمسئوليتها عن الضحايا

30 عاما من عمر الناشط الحقوقي عبدالنبي العكري قضاها بعيدا عن تراب وطنه البحرين، لا لشيء سوى حب هذا الوطن والسعي في سبيل أن ينال شعبه الحرية التي يستحقها... ثلاثة عقود قضاها العكري مجبرا وليس مخيرا بين اليمن والعراق ولبنان وسورية التي قضى معظم فترة هجرته القسرية فيها... يحن فيها إلى تراب الوطن ولكن الخيار الصعب كان يحتم عليه التهجير.

العكري الذي اجتاز الستين من عمره مازال هو العكري في شبابه... يعمل ليل نهار من أجل حصول المواطن على حقوقه، لم تنهكه سنين الهجرة الصعبة الطويلة التي كانت من أجل البحرين كل البحرين وأهلها، كما أنه يبدو في حديثه مصرا كل الإصرار على السير قدما في طريق تطبيق العدالة الانتقالية التي تكفل حصول جميع الضحايا الذين بلغوا بحسبه «عشرات الآلاف» على امتداد ثمانين عاما من تاريخ البحرين التليد (من العام 1922 حتى 2001) على تعويض عادل يضفي شيئا من البلسم على الجروح.

وأكد العكري في حديث إلى «الوسط» أن «الكثير من الضحايا يريدون حلا ولا يريدون الصدام مع الدولة، ولكنهم يريدون الإنصاف والتعويض، ولدي أمل في جلالة الملك في أن يقود مبادرة للإنصاف»، مشيرا إلى أن «المشكلة تكمن في عدم وجود حوار بين الدولة وبين ممثلي الضحايا (...) وإذا كانت الدولة غير مطمئنة لهؤلاء فعليها أن تبادر بتشكيل لجان تابعة للضحايا وهناك أكثر من أسلوب لذلك».

واعتبر العكري أن «أكبر العقبات في طريق تطبيق العدالة الانتقالية هي عدم اعتراف الدولة بمسئوليتها وهذا واضح في المرسوم رقم 10 لسنة 2001 وفيه ايجابيات العفو الشامل والتوجيه إلى إعادة الضحايا إلى وظائفهم وهذه نقاط إيجابية ولكن فيه نقطة تقول إنه لا تقبل أي دعاوى في محاكم البحرين ضد أي شخص كان يعمل في أمن الدولة (...) وجاء مرسوم 56 ليؤكد أنه لا يمكن محاكمة أي موظف عمومي بما له علاقة بأمن الدولة وأغلق بذلك الطريق أمام أية مقاضاة». وإليكم نص حوار «الوسط» مع الناشط الحقوقي عبدالنبي العكري:

ما هي أبرز العقبات أمام تحقيق العدالة الانتقالية في البحرين؟

- تتكون العدالة الانتقالية من 3 مراحل، وهي أولا إظهار الحقيقة، وإنصاف الضحايا، والمصالحة الوطنية، وهي تتم خارج القضاء الرسمي، فمثلا في تشيلي تحققت فيها العدالة الانتقالية ولكن الآن يتم النظر في قضايا أمام المحاكم ضد بونشيه، لذلك من الممكن أن تأتي المحاكمة بعد تطبيق العدالة. وأهم العوائق أمام تطبيق العدالة الانتقالية أن الدولة للآن لم تقر بمسئوليتها القانونية والأدبية والسياسية تجاه الظلم الذي لحق بأعداد كبيرة من شعب البحرين وأيضا بمناطق في البحرين، وتطور الأمر إلى الانصاف ليس للبشر بل للمناطق لأن هناك تعمد لمعاقبة مناطق.

وعدم اعتراف الدولة بمسئوليتها واضح في المرسوم رقم 10 لسنة 2001 وفيه إيجابيات العفو الشامل و التوجيه إلى إعادة الضحايا إلى وظائفهم وهذه نقاط إيجابية، ولكن فيه نقطة تقول انه لا تقبل أي دعاوى في محاكم البحرين ضد أي شخص أمن الدولة، و جاء مرسوم 56 ليؤكد انه لا يمكن محاكمة أي موظف عمومي بما له علاقة بأمن الدولة وأغلق بذلك الطريق امام أية مقاضاة، إذ لا تستطيع الضحية مقاضاة الدولة أو مقاضاة الموظف إذا إنها لا تستطيع الحصول على الانصاف.

في المقابل اتخذت خطوات لحل بعض مشكلات الضحايا ومنها الأوامر الأميرية والملكية بإرجاع كل من عزل أو فصل من الحكومة أو الشركات التي تمتلك فيها الحكومة حصة وإعطاء درجات واحتساب مدة الخدمة والتوجيه إلى الإسكان ومن اسقطت طلباتهم يعاد تثبيتها، وأصبحت للمواطنين حقوقهم الطبيعية إذ دخل بعضهم وأصبحوا وزراء وبعضهم أصبحوا نوابا ومرشحين في الانتخابات وكبار مسئولين في الدولة، ومن خلال الديوان الملكي و رئاسة الوزراء أعطيت بعض المساعدات على المستوى الفردي لأشخاص وذلك بالحصول على عمل أو أشياء اخرى، كما أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية استوعب أعدادا كبيرة من العائدين من رجال الدين.

ولكن هذا ليس ضمن مشروع متكامل لكشف الحقيقة ولا للإنصاف ولا للمصالحة، إذ إن كشف الحقيقة يجب أن تكون من خلال تحقيق مستقل، والتحقيق الذي جرى كان من قبل الصحافة الوطنية ولكن ليس هناك تحقيق رسمي، في المغرب مثلا بث التلفزيون أقوال الضحايا واللجنة استدعت المسئولين لأخذ المعلومات وهذا كشف الكثير من الأمور، إذ تم اكتشاف سجون خاصة ومقابر مخفية، ولكن في البحرين للآن لم تشكل لجنة تحقيق، والإنصاف ليس معناه العدالة الكاملة، إذ إن الإنصاف له جانب معنوي وهو إقرار الدولة بمسئوليتها تجاه الضحايا، وهذا ما فعله ملك المغرب الملك محمد السادس عندما أقر بمسئولية الدولة عما جرى وطلب منهم طي صفحة الماضي، والجانب الآخر للإنصاف هو تعويض الضحايا ولا يعني ذلك تعويض عن دم شهيد أو تعذيب، ولكن هذا هو تعويض جزئي وهذا ما اتبع في الكثير من الدول، و المغرب طبقها وتم تعويض 22 ألف شخص في المغرب حتى ولو سجن يوم واحد وتم احتساب جميع فترة انقطاع الضحايا عن العمل وتم دفع رواتبهم بالإضافة إلى احتساب السنوات في عملية التأمين، كما قامت الدولة بمساعدتهم في الإسكان. وصحيح أن في التجربة المغربية لم تشهد محاكمة من قام بعمليات التعذيب، ولكن معظم هؤلاء عزلوا من منصبهم وذلك ابتداء من وزير الداخلية إلى الموظفين الصغار.

أما بخصوص المصالحة فعندما يلتقي الملك الضحايا ويعبر لهم عن أسفه فهذا يؤسس لجزء مهم، ولكن المهم هي المصالحة السياسية بمعنى فتح الطريق أمام المعارضين للمشاركة في الحكم ونحن نعرف أن معظم الضحايا ينتمون إلى تنظيمات سياسية، ولكن إلى الآن يتم النظر للمعارضة بوصفها عدوا، في حين يجب النظر إليها باعتبارها شريكا، ولابد من تغيير طريقة النظر إلى الشهداء وعوائلهم. جلالة الملك ذكر أنه ستتم إعادة الاعتبار إلى كل من ناضل من أجل الوطن، ونشير هنا إلى مجموعة قيادات 1922 وعلى رأسهم الزياني وحركة المجلس الاستشاري 1938 وعلى رأسها سعد الشملان وجميعهم تم نفيهم أيضا، ونشير إلى قيادة هيئة الاتحاد الوطني 1956 الذين نفي بعضهم وسجن البعض الآخر في انتفاضة مارس/ آذار 1965 والانتفاضة العمالية في 1972 وانتفاضة التسعينات وما قبلها، وبذلك نقول انه منذ بداية القرن حتى العام 2001 تعرض شعب البحرين لاضطهاد وقمع لمدة 80 عاما وكانت هناك عشرات الآلاف من الضحايا.

والمغرب مثلا تم احتساب الضحايا منذ الاستقلال في العام 1956، ونحن في الوقت الذي لا نقول فيه إنه لم يتم شيء، ولكن ما تم لا يرقى إلى أن يكون مشروعا متكاملا لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا والمصالحة الوطنية ولذلك هناك أكثر من طرف يبذل جهودا ويجب على الدولة ألا تنظر إلى الأمر بالريبة، والورشة المقبلة هي الأكبر، لكنها ليست الأولى وهذا الملف مهم ويقلق جميع المخلصين ومن دون حلها لا نستطيع أن نمضي قدما في الإصلاح وهي مسألة واضحة جدا وهي من ضمن معوقات تقدم الإصلاح في البحرين.

برأيك هل هناك تسييس لقضية العدالة الانتقالية في البحرين؟

- التسييس الإيجابي غير مرفوض وهو أن تتبنى القوى السياسية مسألة الانصاف وعلينا ألا ننسى أن الكثير من الضحايا ظلموا من أجل قضايا سياسية وأن الكثير منهم في تلك الجمعيات السياسية، والحل من دون التفاف الجميع حول الأمر لن يتم، والجانب السلبي هو استنكاف البعض وتخريبهم واعتبارهم الضحايا مجرمين، والدولة يجب أن تحاور مع اللجان المنبثقة عن العائدين والسجناء وضحايا التعذيب، وعلى الدولة أن تساعد على وجود ممثلين لهؤلاء من أجل تحاورهم، فالمغرب مثلا قام بدمج لجان الضحايا في لجنة الانصاف التابعة للدولة.

إذا أين تكمن المشكلة؟

- المشكلة تكمن في عدم وجود حوار بين الدولة وممثلي الضحايا. وإذا كانت الدولة غير مطمئنة لهؤلاء فعليها أن تبادر بتشكيل لجان تابعة للضحايا، وهناك أكثر من أسلوب لذلك، والصيغة المغربية هي الصيغة الصحيحة، إذ تم تشكيل لجنة رئيسها من الضحايا وفيها شخصيات حكومية وشخصيات تمثل الضحايا والهيئات الحقوقية واستشاريين ومنحت صلاحيات للتقرير بشأن أية ضحية، كما أن أجهزة الدولة تنفذ قراراتها.

برأيك هل الأفق مغلق أمام حل هذه القضية في البحرين؟

- لا أستطيع أن أقول إن الأفق مغلق ولا أستطيع أن اقول إن الحل قريب وأنا لدي أمل في الملك والكثير من الضحايا يريدون حلا ولا يريدون الصدام مع الدولة، بل يريدون الإصاف والتعويض نتيجة تضررهم.

ماذا عن تعويض المتضررين من الجانب الآخر؟

- أي حوادث حتى في احتفالات رأس السنة يصاحبها تكسير، وبعض الأضرار تعود لاستخدمات قوات الشغب القوة المفرطة. حتى اليوم هناك أضرار ترجع أسبابها إلى استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الشغب، وهناك حوادث لم يجرِ التحقيق فيها لكي يتم كشف الحقيقة بشأنها، ومثال ذلك قضية المطعم في سترة، إذ إن هناك شكوكا كبيرة بشأن ما جرى، والدولة مسئولة عن تعويض الجميع.

العدد 1748 - الثلثاء 19 يونيو 2007م الموافق 03 جمادى الآخرة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً