في العام 2000 وقّع قادة 189 بلدا في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وثيقة حددت ما أسمته «الأهداف التنموية» ووضعت خطة زمنية لإنجازها تنتهي في العام 2015.
الأهداف كانت عامة وشملت ست نقاط، كالقضاء على الفقر الشديد (الجوع)، ونشر التعليم الأساسي، وتمكين المرأة، وتقليل عدد الأموات وقت الولادة (تحسين الصحة أثناء الحمل)، ومكافحة الإيدز والأمراض الخطيرة (الملاريا مثلا)، والمحافظة على البيئة، وتطوير المشاركة من أجل التنمية (أنظمة التجارة والمال، معالجة الديون، وتطوير المجتمع المعرفي).
مضت حتى الآن سبع سنوات على توقيع الوثيقة. وتشير الإحصاءات إلى أن الفقر في العالم اتسع نطاقه، وتوزيع الثروة أسوأ، والأغنياء تزداد ثرواتهم، والبيئة في حال تدهور (قطع الأشجار والاحتباس الحراري). كذلك الوضع الصحي لم يتحسن ولا مستوى التربية والتعليم. وهناك مؤشرات تدل على نمو الأمية وتقلص الفرص وارتفاع البطالة.
بقي أمام «الوثيقة» ثماني سنوات لتحقيق أهدافها البسيطة والعادلة والمتواضعة. وترجح مختلف التوقعات على أن وضع العالم في العام 2015 لن يكون أفضل من العام 2000 وتحديدا في النقاط التي أجمع قادة الدول على تحقيقها. فالكل يتوقع أن التقنيات ستتقدم والتجارة العالمية ستتوسع والثروات ستتضخم والاتصالات ستتحسن على مختلف المستويات وفي حقول شتى. والكل أيضا يرجح أن يبقى التفاوت بين الدول على حاله وكذلك سيبقى توزيع الثروات بين الأمم من دون تعديل، والأمر نفسه سيستمر على حاله في داخل الدولة (الأمة) الواحدة من حيث التمييز في دخل الفرد أو الطبقات الاجتماعية أو الفئات التي يتكوّن منها مجتمع البلد الواحد.
هذا التقدير لا ينطبق على جغرافية العالم الثالث (أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا) ولا على مناطقَ محددة من دول الإفروآسيوية وإنما أيضا على أجزاء من أوروبا الشرقية والجنوبية وبعض دول أوروبا الغربية والشمالية وصولا إلى كندا والولايات المتحدة. فالتفاوت بين البشر ينشطر على درجات ويتراوح نسبيا بين دولة وأخرى وبالمقارنة مع اقتصادات تتفاوت في مستويات تقدمها أو تراجعها.
إذا الفقر الشديد (الجوع) سيبقى إلى أمد طويل. والتعليم الأساسي لن ينتشر بقوة في السنوات العشر المقبلة. والمرأة لن تنجح في انجاز المطلوب في أساسيات التمكين. كذلك تقليل عدد الأموات وقت الولادة لن يحقق مراده. والايدز وتفرعاته من أمراض خطيرة لن يتراجع الا بحدود ضيقة ونسبية. والأمر نفسه ينطبق على المحافظة على البيئة أو المشاركة في التنمية وما تفرضه من متطلبات بشرية وقانونية وهيكلية تضمن التقدم للبشر.
كل الكوارث ستواصل مسارها المتعرج في وقت واحد مع نمو الثروات والتقدم العلمي واتساع الرفاهية وما تعنيه من زيادة في الاستهلاك والاكتشافات والاختراعات وغيرها من حلقات تتصل بالطب والهندسة والتقنيات وغزو الفضاء.
الحق والباطل، الخير والشر، العدل والظلم، العدالة والتمييز... وغيرها من ثنائيات ستبقى تسير مع بعضها بعضا جنبا إلى جنب كالسمنة والضعف، الطول والقصر، التخمة والجوع، العمل والبطالة، الغنى والفقر.
هذه الثنائيات الاجتماعية بين البشر موجودة في كل بلدان العالم من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها ووسطها. ولكن الثنائيات متفاوتة نسبيا وتختلف في الدرجات. فالفقير في الولايات المتحدة دخله اليومي (السنوي) أعلى من دخل فرد يصنف من متوسطي الحال في موريتانيا أو الصومال أو اليمن. المسألة نسبية ولكنها متشابهة حين تعقد المقارنة أو حين يطرح السؤال: لماذا؟ لماذا؟ لماذا هذه الفروقات؟ أو لماذا هذا التمييز بين البشر؟
سؤال «لماذا» يطرح بقسوة أو بقوة من منظمات حقوق الإنسان أو جمعيات الرفق بالحيوان. والأجوبة دائما تغلب عليها القراءات الوجدانية والإنسانية وتطغى عليها لغة الإنشاء التي تجيد التعامل مع اللغة ولا تدرك تعقيدات التعامل مع الواقع وطمع الدول واستبداد الأنظمة واحتكار الشركات.
أهداف الألفية الثالثة، التي طرحت في نيويورك وتوافق على تحقيقها قادة الدول خلال 15 سنة، بسيطة ومتواضعة وعادلة. فالوثيقة لم تبالغ في التفاؤل وهي لم تطالب مثلا بالقضاء على الفقر وانما اكتفت بالقضاء على الفقر الشديد (الجوع والمجاعات)، وهي لم تطالب بنشر التعليم وانما تواضعت وتمنت نشر «التعليم الأساسي». والأمر نفسه ينطبق على ما تبقى من أهداف بسيطة وعادية.
السؤال إذا «لماذا» ترجح التوقعات ألا تحقق أهداف الوثيقة وغاياتها وربما أصبح وضع العالم بعد 15 سنة أسوأ في الدرجات النسبية مما هو عليه اليوم؟
الجواب بكل بساطة يمكن اختصاره بنقطة واحدة وهي أن الوثيقة البسيطة والمتواضعة والعادلة حددت الأهداف المرجوة ولكنها لم تضع الآليات.
«كيف نصل؟». هذا هو المطلوب توضيحه. «كيف» يحدد الطرف، ومن هي القوة القادرة على تحقيق أو فرض أو تسهيل الأمور؟ و «كيف» يرسم معالم الطريق والعقبات والحواجز والموانع؟ و «كيف» يقر موازنة دولية (عالمية) للمساعدة على بلوغ أهداف الوثيقة.
الوثيقة ذكرت المشكلات وتصورت ذهنيا إمكانات معالجتها. ولكن القادة الذين وقعوا الوثيقة تناسوا تحديد الآليات (الموازنة، الوسائل، القوى، الأدوات، الهياكل، إلى آخر العناصر الكفيلة بتحقيق الغايات النبيلة). تغاضي الوثيقة عن الإجابة عن سؤال «كيف نصل إلى تحقيق أهداف الألفية؟» يشكل نقطة ضعف بنيوية؛ لأنها تركت الغايات العامة مفتوحة على الاجتهادات والتصورات والتخيلات بينما المشكلات موضوعية وموضعية وواقعية. فالوثيقة تتحدث عن مظاهر موجودة وليست متخيلة، وهي تقرأ نتائجَ وتتهرب من تحديد الأسباب.
هذا النوع من التهرب يقلل كثيرا من مسئوليات الدول الكبرى، والشركات الكبرى، وتسلط الاقوياء على الضعفاء، واكتناز الثروات وتكديسها أو تهريبها وحرمان الشعوب من ابسط الحقوق والواجبات.
المسألة إذا ليست ذاتية تتصل بالإرادة فقط وإنما أيضا تتصل بالقدرات الموضوعية وموقع الدولة في إدارة الإنتاج ودور السلطة في تحفيز الطاقات وتوليد الفرص وهيكلة العلاقة مع الناس. وكل هذه الأمور تحتاج إلى آليات بشرية وموازنات وترتيب الانتقال من مشكلة أهم إلى مشكلة أقل أهمية.
كل المطالب التي حددتها الوثيقة أجمعت عليها الدول. ولا يوجد أي طرف في العالم يرفضها أو لا يريد تحقيقها أو لا يتمنى التوصل إليها في أسرع وقت وقبل العام 2015. ولكن المسألة ليست هنا وإنما «كيف؟». وما الوسائل المرجوة والمطلوبة لتحقيق هذا التطور أو كما كان يسميه رجال «النهضة» العربية الإسلامية قبل نحو 200 سنة «التقدم»؟
سؤال «التقدم» ليس جديدا على المنطقة العربية الإسلامية. فهناك الكثير من الكتب صدرت منذ القرن التاسع عشر تناولت هذا الموضوع. وفي القرن العشرين تضخم السؤال وتحوّل عند بعض قادة الفكر العربي الإسلامي إلى هاجس مرضي يؤرق ذاك الجيل الذي اكتشف ان أوروبا تقدمت وسبقت العالم العربي/ الإسلامي في معركة التاريخ.
حتى الآن لايزال السؤال يتردد بصيغ مختلفة. كيف نتقدم؟ لماذا لا نتقدم؟ ما شروط التقدم؟ هل نحن بحاجة إلى الغرب لمساعدتنا أم نستطيع أن ندخل العصر اعتمادا على الذات؟
الأسئلة هذه بدأت عربية/ إسلامية ولكنها انتقلت لاحقا إلى مدارس الغرب وتحولت إلى مادة نقاش بين علماء الاجتماع والفلاسفة. وظهرت في ضوء الخلافات وجهات نظر متباينة تراوحت بين آراء عنصرية (عرقية) ترى أن لا فائدة مرجوة من توقع التقدم من شعوب اتكالية وتفتقد قدرات عقلية وضعفا بنيويا ونقصا في تكوينها البيولوجي، وبين تحليلات اجتماعية قرأت المسألة من زاوية زمنية وحددت مجموعة أسباب موضوعية عطلت إمكانات التقدم.
الآراء العنصرية تراجعت ولكنها لم تنهزم ولاتزال تظهر بين فينة وأخرى على الشاشة فتثير النقاش وتطرح أسئلة عرقية أو لونية بشأن المسألة بينما شهدت المدارس الاجتماعية ذاك الرقي في معالجة مسألة تتصل بحق الشعوب في الحصول على فرصة للتقدم من دون اللجوء إلى قوة لفرض التنمية.
المدارس الاجتماعية نجحت في تطوير مناهجها وتحسين برامجها النظرية ولكنها أيضا اختلفت في وضع التصورات العملية وتلك الآليات الواجب اعتمادها لكسر الجمود والانتقال من موقع الطرف الذي يستقبل إلى موقع الطرف الفاعل (المنتج) في ميدان التنافس.
حتى الآن لم يحسم النقاش. والسبب أن موضوع التقدم (النمو والتنمية) مسألة تتجاوز النظرية وهي تحتاج إلى مجموعة عوامل تشترك في تفعيل حركة الإنتاج ودفعها من طور أدنى إلى أعلى. وهذه الحركة الاجتماعية يصنعها في النهاية البشر ولا تكفي النظريات الجاهزة لتوليد نشاطها. وهذا الفارق بين الأهداف والوسائل يوضح من دون التباس ذاك الفارق بين الشروط الموضوعية والرغبة الذاتية في بلوغ التنمية وتحقيق تلك النقاط البسيطة والمتواضعة التي حددتها وثيقة الألفية.
العدد 1885 - السبت 03 نوفمبر 2007م الموافق 22 شوال 1428هـ