ميزة أخرى لخطاب رسول الإسلام (ص) هي العدالة. ولقد كان للعدالة تعريف خاص في ذلك العصر، إذ كانت تتجسد في بعض الأمور على أرض الواقع. فعندما كان الظلم يظهر كان نبي الإسلام (ص) يأمر بالنهي عن أمور يتجسد فيها الظلم في المجتمع، كما أنه لم يطرح (ص) أبدا أمورا للناس غير قابلة للفهم. فكانت دعوته (ص) تتسم بالعدول عن ظلم ذلك العصر والتوجه نحو عدله، وكان الناس يفهمون معنى الظلم والعدل في ظل ذلك الزمان. فمثلاعندما نهى الرسول (ص) الناس عن إلحاق الظلم بالعبيد وأسرى الحرب، فهم الناس جيدا معنى هذا النهي. كذلك حدّد الرسول (ص) واجبات للناس تجاه أزواجهم وفق ما كان يفهم ويستوعب الناس معنى العدل في ذلك العصر والزمان.
وقد حدد نبي الإسلام (ص) هذه الواجبات بما يتناسب وتجسيد العدل في ذلك العصر والزمان. فالناس فهموا جميع هذه الأمور وعرفوا أن النبي (ص) يدعو إلى العدالة. وقد نقل عن نبي الإسلام (ص) قوله: «خياركم خياركم في الجاهلية وشراركم شراركم في الجاهلية»، بمعنى أني أدعوكم إلى الأمور الحسنة نفسها التي لا يفهمها الناس العقلاء قبل أن اظهر بينكم وكانت متروكة لا يبحث عنها عموم الناس ولم تكن من القيم المفضلة لديكم، أما الآن وبعد أن بعثت أُعلن أنها قيم مفضلة، وفي الواقع إني رفعت من مستوى أخلاق الزمان وعملت الشيء نفسه بالنسبة إلى العدالة.
كما قال رسول الإسلام (ص): «بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، أي لم أُبعث حتى أمنحكم البدع بل مكارم الأخلاق التي يعرفها الناس فأُكمّلها. أي أنه (ص) يدعو إلى تلك العدالة نفسها التي كانت موجودة قبله وإتمام تلك العدالة وإكمالها.
هذا البحث لا يمكن فهمه إلا بالانتباه لأسلوب التحري والتحقيق من خلال دراسة ومتابعة العمل والجهد الذي كان يبذله نبي الإسلام (ص) في الظروف التاريخية والاجتماعية للعصر الذي كان يعيش فيه. إن هذه الموضوعات لا تتعرض لمثل هذا الأسلوب من البحث والدراسة. فالكلام يطرح غالبا بطريقة توحي أن رسول الإسلام (ص) كان «إنسانا غير عادي»، وأنه (ص) عمل في ظروف اجتماعية وتاريخية غير عادية، وتحدث بلغة غير عادية.
هذه التصورات باطلة؛ إذ إن النبي (ص) كان في الواقع إنسانا وعمل في ظروف تاريخية واجتماعية معينة وذات إمكانات محدودة، وإن الأعمال الحسنة التي كان يدعو الناس إليها كانت ذات إمكانات محدودة، فكان يعمل وفق متطلبات الظروف. فإذا كانت الإمكانات اللغوية محدودة، فإنه لا يمكن لأي أحد كان - حتى شخص الرسول (ص) - أن يطرح كل ما هو ممكن طرحه في جميع العصور خلال عصر واحد فقط، أي لا يمكن أن يكون لدينا مصلح لجميع العصور وللتاريخ كله. لذلك يجب دراسة حياة رسول الإسلام (ص) ورسالته ضمن إطار ظروفه التاريخية والاجتماعية.
إذا، إحدى خصائص خطاب النبي (ص) هي دعوته إلى العدالة. فأحاديثه التي كان يطرحها، وسلوكه في مجتمعه، كلها كانت تدعو إلى العدالة. فهو قد سعى إلى محو ظلم الزمان والدعوة إلى عدل الزمان بشكله الأكثر تكاملا. ولكن في عصرنا الحالي يجب أن نفهم العدالة بمعنى آخرَ ونتساءل بشأن كيفية تفسيرها. فتفسير الإنسان الحالي للعدالة تفسير متعدد ومختلف؛ لذلك يجب أن يتم اختيار تفسير واحد من هذه التفاسير ومن ثم ربط هذا التفسير برسالة الدين.
فخطاب الدين ورسالته لا يمكن أن يكونا غير عادلين. فمثلا لو كانت مسألة حقوق الإنسان في عالم اليوم تعرف أنها «مظهر للعدالة»، فإن رسالة الدين لا يمكن أن تكون بعيدة عنها. إننا بصفتنا مسلمين نستطيع بل يجب علينا أن نقبل بحقوق الإنسان على أنها أساس لتنظيماتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فعندما نقوم بدراسة السنّة والسيرة النبوية في ظروفها الاجتماعية فسنرى كيف تزول أمام أعيننا تلك الموانع التي يُعتقد أنها تحول دون قبولنا حقوق الإنسان، وعندها ستعبر أذهاننا السنن والسير النبوية فتتوجه نحو طبيعة الكرامة الإنسانية في الرسالة النبوية، وسنرى الرابطة التي تقام بين كرامة الإنسان وحقوق إنسان هذا العصر.
إن البعض يريد أن يستخرج جميع بنود المفهوم لحقوق الإنسان من كتب السنة. إننا لا نعتقد بصواب هذا الأسلوب. فالنظريات اللغوية لا تسمح بزج المعاني والتعابير المعينة والمختصة بعصرنا الحاضر في الترتيب اللغوي الذي كان سائدا في العصر الماضي، ولهذا السبب إننا يجب أن نتحدث عن رسالة الخطاب والسلوك النبويين لهذا العصر وليس من منطلق ما يستند إليه هؤلاء.
نقول: لو نزيل الموانع فإن الرسالة ستظهر نفسها. لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: ماذا لو كان رسول الرحمة (ص) - الذي كان يحذّر من ظلم الزمان وهو في تلك الظروف التاريخية والاجتماعية وكان يدعو إلى عدل الزمان - يعيش في هذا العصر؟ هل كان سيوافق على المفهوم الحالي لحقوق الإنسان أم يعارضه؟
إن السؤال السابق ليس له إلا جواب واحد وهو أن: الرسول (ص) كان يوافق على ذلك. إن الجواب يكون بالإيجاب عندما تكون معالم حقوق الإنسان واضحة تماما وإذا عرفنا أن مفهوم حقوق الإنسان ينظّم علاقات الناس فيما بينهم وليس علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
إن الحريات المطروحة في مبادئ حقوق الإنسان تعكس حرية الإنسان أمام الإنسان الآخر، ولا تعني أن إقرار الرب أو تخليه عن إنسانية الإنسان لهما عند الله نتيجة متساوية.
إن شكل أي عصر من العصور سيذهب إلى مزبلة التاريخ! ولكن الخطب الخالدة لا ترمى في مزبلة التاريخ أبدا. فالرسائل تتشعشع من على أفق التاريخ دوما، ورسائل الأنبياء (ع) والأولياء هي كذلك أيضا
الواقعية
الميزة الثالثة لخطاب رسول الإسلام (والأنبياء) هي الواقعية، فخطبهم عادة ما تتصف بالواقعية. بمعنى أنها غير خيالية. فتلك الخطب كانت تنظر إلى الوقائع الموجودة في ذلك العصر. وما قام به رسول الإسلام (ص) طيلة 22 عاما كان عملا يستند إلى الواقعية، ولهذا السبب فإنه كان موفقا في عمله. ففي اليوم الأول لدعوته وافق عليها عدد بسيط من الناس مثل زوجته خديجة وابن عمه علي، ولكن في اليوم الآخر الذي ارتحل خلاله عن الدنيا كان قد نشأ واقع اجتماعي عظيم ومغاير. كانت الجزيرة العربية قد اعتنقت الوحدانية، وتشكّلت حكومة مركزية. ونحن إذ نمر بكل بساطة من أمام هذا الموضوع ولكن هذا الموضوع يعد مهما، فكيف يتمكن مغيّرو التاريخ من إنجاز مثل هذا العمل؟ إن ما لا شك فيه أن الشخصيات المتميزة التي تبني السنن تستفيد من سلوك معيّن من أجل أن تقوم بإنجاز مثل هذا العمل الجبّار.
فرسول الإسلام (ص) قاوم لفترة 13 عاما في مكة أنواع الاعتراضات والإيذاءات وصبر على ذلك ومن ثم هاجر إلى المدينة، وعندما كانت الظروف هناك مناسبة شكّل الحكومة وقادها بكل دراية. في ذلك العصر لم يكن الدين والدولة منفصلين عن بعضهما.
إن العمل الذي يتسم بالواقعية هو أن النبي (ص) ولتعزيز دعوته الدينية وافق على اقتراح تشكيل هذه الحكومة، وقام في إطار ذلك بترسيخ دينه وتثبيته. إن انفصال الدين عن الدولة قد تحقق عقب ظهور التطورات الثقافية والاجتماعية الهائلة وظهور المجتمعات والدول الجديدة، أي أن واقع الحال اليوم يتطلب فصل هذين عن بعضهما، ولكن في عصر نبي الإسلام (ص) كان واقع الحال يدعو إلى قيام النبي (ص) بتشكيل الحكومة. كما أن نظرة الرسول (ص) الواقعية كانت تدعو إلى النظر للإنسان باعتباره كائنا شموليا من خلال تشريعاته المختلفة إذ تكون لهذا الإنسان أبعاد مادية وروحية، بمعنى أن الإنسان من شأنه أن يكون «فردا» وفي الوقت نفسه يكون «كائنا اجتماعيا». فقد تم الاعتراف في تشريعات الرسول (ص) بغرائز ورغبات الإنسان في ظل منع الرهبانية والاعتزال عن الدنيا. كما أن الحروب واستخدام العنف أجيزت بصورة استثنائية مع رفض أي نوع من الإفراط والإسراف. ويمكن الإشارة إلى أمثلة كثيرة بشأن نظرة الرسول (ص) الواقعية للأمور.
يتبع
*مفكر إسلامي إيراني
العدد 1897 - الخميس 15 نوفمبر 2007م الموافق 05 ذي القعدة 1428هـ