كثيرٌ من طلابنا الأعزاء رفرفوا عاليا بشهادات تفوقهم وبانت بينات الإنجاز على محيّاهم، حلقوا عاليا وابتسمت ثغورهم كثيرا لمّا رأوا حصاد الأيام والتعب والسهر يتجلى بأبهى صور النجاح.
كل هذا جميل ورائع من أناسٍ جدّوا واجتهدوا لتحصيل مبتغاهم، فالواحد منهم لما يتمدد على فراش الراحة تراه مغمض العينين وأفكاره وأحلامه تجوبان عالم الغد، ماذا سيقدم في ذلك الغد ليتجاوز امتحانه، وأخرى ترى منديلها وقد اغرورق وصار خصبا من العبرات إذا ما رأت إحدى زميلاتها وقد تفوقت عليها ولو بربع درجة.
قصصٌ كثيرة وحكايات مثيرة نسمعها عن تلك الطالبة أو ذلك الطالب قبل الامتحانات وأثنائها وفي يوم الحصاد، من تلك القصص الطريفة أن إحدى الطالبات الجامعيات ولما أن فرغت من واجبها الجامعي، ذهبت إلى أستاذها بغية إعطائه فكرة أولية عن طريقة إعدادها لواجبها قبل أن تقدمه إليه بشكله الرسمي، أخذ الأستاذ عمل تلك الطالبة لنقده، وما إن سكب حبر قلمه الأحمر على ورقتها ليبدي لها ما توارى عنها من أخطاء، حتى ثارت ثائرة تلك الطالبة وصاحت في وجه أستاذها بنبرة غاضبة «لا لا لا»! فما كان من ذلك الأستاذ المسكين إلا وأعاد إليها عملها قائلا: «إذا كنت تُقدسين عملك بهذا الشكل فلا أستطيع إضافة أي شيء عليه».
انتهى تقييم الأستاذ لطالبته بهكذا رد. ورد ذلك الأستاذ أسال حبر ريشتي على ورقة هذا الموضوع، هل الدراسة مقدسة فعلا؟ وإذا كانت كذلك فهل هذا التقديس يفنى مع فناء آخر مرحلة دراسية للإنسان؟!
مع الأسف، أن كثيرا من أولئك الطلاب الذين تحدثنا عنهم بادي ذي بدء، الذين هللوا لما حققوه، كثيرا منهم تجف منابع الإبداع لديهم مع نقطة نهاية سطر آخر امتحان يمتحنونه، فإذا ابتدأت الإجازة ابتدأ معها كثرة النوم نهارا وكثرة السهر ليلا وكأن ديدن الجد والتفوق قد ولى إلى حين! فوقت نهارهم الذي كانوا يقضونه في حضرة الدراسة أصبح محصورا ما بين مخدة الأحلام ولحاف الكسل، وأصواتهم التي كانت تلعلع بالأسئلة والأجوبة والضحكات بين ثنايا فصولهم علا مكانها ضجيج الشخير! كل هذا مع الأسف واقع يعيشه الطلاب، حتى المتفوقين منهم، وتعيشه معهم عوائلهم، فما السبب؟! هل هي فترة راحة لابد من قضائها بهكذا أسلوب؟ أم هي ردة فعل جاءت كنتيجة عكسية للمجهود الذي بذلوه طيلة عام دراسيّ طويل؟
في إحصاء نُشر مسبقا في مجلة عربية جاءت نتائجه كارثية على شباب إحدى الدول العربية، فتنوعت إجاباتهم على أسئلة استبانة ذلك الإحصاء بتنوعات ظريفة، فالشيخ أحمد يس - رحمه الله - غدا عندهم شقيق الممثل الكوميدي إسماعيل يس!والمستشار الألماني السابق هيلمت كول صار مصارعا! ويا لسخرية بقية الأجوبة، رجلٌ صادق الوعد والعهد بكت الدنيا لفراقه صار في وعيهم شقيقا للكوميديا، وربما لهم العذر في المستشار الألماني على اعتبار أن الله قد زاده في الخلق بسطة!
لاشك في أن من أولئك الشباب من كان متفوقا دراسيا لو سألته عن حاصل ضرب كتبه الدراسية في واجباته لتكفل محصوله الراقي بالإجابة عنه، هذا فخرٌ لم أنله والحمد والحب لله، لكن المشكلة كل المشكلة هي تلك الاستبانة ذات النتائج المضحكة للبعض والمبكية للآخر، والمشكلة الأخرى أنك لو عدت وسألت أولئك المتفوقين عن حاصل ضرب أو جمع أو طرح أو قسمة أي عدد في وقت راحتهم لعاد أكثرهم وفي يده آلته الحاسبة لتنوب عنه!
مربط فرس هذه المشكلة في رأيي هو تقديس الدراسة على حساب العلم، وهو المفهوم الذي فهمه الناس مقلوبا، وأقول (الناس) عوضا عن (الطلاب) لأن الآباء أيضا معنيون بالأمر، على اعتبار أن شهادة تعج بعلامات التفوق يأتي بها الولد لأبيه كفيلة بأن تجعل هذا الأب يعيش في قصرٍ من عاج.
لما قيل لنا «اطلبوا العلم ولو في الصين» لم يكن المقصود هو ملاحقة الشهادات أينما انبلجت وكيفما صيغت، إذ هي شاهدٌ لمرحلة دراسية إن انتهت وجب البدء في ميادين تحصيلية أخرى.
قديما لما كنت أسمع عن جماعة المتصوفة كنت دائما أعد ديفيد بيكهام وغيره من هم على شاكلته من تلك الجماعة، ليس استنقاصا من تلك الجماعة ولا استعلاء للابسي الصوف، ولكن لجهلي التام بتلك الجماعة أولا، ولمنطقية التسمية على من صنفتهم ثانيا، هكذا كان منطقي الذي لا يختلف عن منطق أن الشيخ أحمد يس شقيق الممثل إسماعيل يس!
كل تلك النتائج وربما غيرها الكثير جاء نتيجة طبيعية لإهمالنا لمفهوم العلم، فصار ذلك العلم كمن لا هوية له تائها بيننا، فترانا إن نبغنا في شيء ما، فاتتنا أشياء وأشياء.
هي رسالة يجب أن يوجهها كل أب إلى أبنائه، أن ليس بريق الشهادات هو الذي يزين العقل، ولكن العلم متى شع شعت لبريق ضيائه العقول.
عمار عباس
العدد 2007 - الثلثاء 04 مارس 2008م الموافق 25 صفر 1429هـ