العدد 2072 - الخميس 08 مايو 2008م الموافق 02 جمادى الأولى 1429هـ

مستويات الخطاب الإسلامي (4)

يدرك الخطاب الاسلامي الجديد المكون الحضاري في الظواهر؛ فالخطاب القديم يقف عند حدود التمييز بين الحلال والحرام، فالسيارة والهامبورغر لا شك حلال، واللحم المُعلَّب إن كان لا يحتوي على مكونات الخنزير حلال… وهكذا، أما البعد الحضاري الكامن في السيارة، وأنها وما حولها هي رؤية كاملة للكون، فهذا ما لم يدركه الرواد (وهذا ما لم يكن يدركه الإنسان الغربي نفسه آنذاك). انظر السيارة على سبيل المثال، حينما يدير المرء مفتاح سيارته، فهو لا يتعامل مع مجرد آلة توصله من مكان لآخر، بل يتعامل مع رؤية كاملة للكون يتطلب تسييرها البحث عن النفط، وشق بطن الأرض وحمل النفط عبر البحار، الأمر الذي يتسبب عنه تلويث الجو والبر والبحر، ثم تؤسس مدن على أساس ضرورة تعظيم سرعة السيارة، فتهدم الأحياء التقليدية والمباني التراثية، وتصبح السرعة هي المعيار الوحيد للحكم على مدى صلاحية المدينة أو فسادها… وهكذا، وقل الشيء نفسه عن «ساندوتش الهامبورغر» و «التيك آواي». فالمكون الحضاري الكامن في هذه السلع - التي تبدو بريئة تماما، وحلالا بشكل قاطع، ولا غبار عليها من الناحية الدينية المباشرة - مرتبط برؤية للكون تقف على طرف النقيض من رؤية الكون الإسلامية، وهذا ما يدركه دعاة الخطاب الإسلامي الجديد.

- يتضح إدراك الخطاب الإسلامي الجديد لأهمية المكون الحضاري في تقبله لفكر القومية، فحملة هذا الخطاب لا يجدون أي مبرر للمواجهة مع الحركات القومية ذات التوجه العلماني، فالخطاب الإسلامي الجديد يقبل التنوع الحضاري داخل إطار الوحدة الإسلامية العالمية، كما أنه يدرك أهمية التحالف مع العناصر القومية في المواجهة العامة مع الإمبريالية العالمية والنظام العالمي الجديد.

تأسيس رؤية إسلامية مستقلة في التنمية

- الخطاب الإسلامي الجديد مدرك تماما لمشكلة البيئة وأن مفاهيم مثل التقدم الدائم وغير المتناهي (وهي مفاهيم محورية في الحداثة الغربية) معادية للطبيعة والإنسان وللحدود، وفي نهاية الأمر لله، فهي مفاهيم كافرة. ومن هنا بحث الخطاب الجديد الدائب عن مناهج جديدة في الإدارة ونماذج جديدة في تطوير الدولة (وهي تعبير عن اهتمام الخطاب الجديد بالخصوصية)، ولعل من أهم القضايا التي تشغل الخطاب الجديد هي نظرية التنمية، فالخطاب الجديد يرى أن نظريات التنمية الإسلامية لابد أن تكون مختلفة جذريا عن نظريات التنمية الغربية التي تروج لها المنظمات التي يقال لها دولية، والتي أثبتت فشلها في الممارسة، والتي أدت إلى الأزمة البيئية، ويرتبط بهذا نقد الخطاب الجديد للدعوة المستمرة إلى الاستهلاك المتصاعد، (ثورة التوقعات المتزايدة) وإدراكه لمدى خطورته على البيئة والمصادر الطبيعية وكيان الإنسان النفسي.

طرح النسبية الإسلامية كبديل عن النسبية المطلقة

- الخطاب الإسلامي الجديد مدرك للقضية الفلسفية الأساسية في العالم الحديث، وهي قضية النسبية المعرفية التي تؤدي إلى العدمية، وهو يطرح في مقابلها ما أسماه (النسبية الإسلامية) التي تذهب إلى أن ثمة مطلقا واحدا وهو الله سبحانه وتعالى، ولكن بسبب وجود الإله المطلق خارج الزمان والمكان والبشر، يصبح مركز الكون الذي يمنحه الهدف والغاية والمعنى، وهو ما يعني أن العالم لا يسقط في النسبية المطلقة ومن ثم اللامعنى، فالنسبية الإسلامية وهي نسبية نسبية - انطلاقا من هذا - ثمة إدراك لتركيبتها الحقيقة ونسبية كثير من جوانبها وتغيرها وحركيتها، وثمة إدراك لما يوجد من تداخل بين المطلق والنسبي، وأن الخطاب الإنساني هو أولاَ وأخيرا اجتهادات يقوم بها بشر داخل الزمان والمكان في محاولة دائبة لفهم كلام الله.

يتبع

*باحث ومفكر مصري

العدد 2072 - الخميس 08 مايو 2008م الموافق 02 جمادى الأولى 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً