العدد 2082 - الأحد 18 مايو 2008م الموافق 12 جمادى الأولى 1429هـ

توطين الأموال الخليجية ... هدف أساسي للسوق المشتركة

دخلت دول مجلس التعاون الخليجي اعتبارا من مطلع العام 2008 مرحلة جديدة في تاريخها السياسي والاقتصادي مع دخول السوق المشتركة حيز التنفيذ لتتحول المنطقة التي يقطنها حوالي 41 مليون نسمة مع ناتج محلي يفوق 710 مليارات دولار إلى كيان اقتصادي واحد سيكتمل بإطلاق العملة الموحدة.

ولا شك في أن هذه الخطوة لن تؤثر على منطقة جغرافية محددة فقط بل ستمتد تأثيراتها الإيجابية على العالم أجمع إذ يعد مجلس التعاون الخليجي أحد أكبر المجموعات الاقتصادية تأثيرا على الاقتصاد العالمي لما لهذا التجمع من وزن قوي في أسواق العالم الدولية وخصوصا ما يتعلق بالاستثمارات المالية والطاقة.

وتعتمد السوق الخليجية المشتركة على المبدأ الذي نصت عليه المادة الثالثة من الاتفاقيات الاقتصادية بأن يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها من دون تفريق أو تمييز في المجالات الاقتصادية كافة.

ويشمل ذلك على خصوصا تنقل رؤوس الأموال والمعاملة الضريبية والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والتنقل والإقامة إلى جانب مزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية وممارسة المهن والحرف وتداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية و التأمين الاجتماعي والتقاعد وتملك العقار.

ضمن هذا الإطار حققت تجربة مجلس التعاون الخليجي الكثير من الانجازات في العديد من مجالات التعاون أبرزها ما يتعلق بحرية انتقال الأفراد والأموال وممارسة النشاط الاقتصادي إذ اتخذ مجلس التعاون قرارات مهمة بهدف إزالة القيود على انتقال الأفراد ورؤوس الأموال ما يؤدى إلى تعميق المواطنة الاقتصادية لمواطني الدول الأعضاء، فيما اتفقت الدول الأعضاء على الضوابط الخاصة بمزاولة الأنشطة الاقتصادية وتملك الأسهم وممارسة المهن والحرف المختلفة.

وعلى رغم أنه ليست هناك أية قيود على تنقل رؤوس الأموال بين دول المجلس التي تسمح بنظام حرية وخروج رؤوس الأموال كما تسمح بالاستثمار والتملك لأبناء دول المجلس في ظل وجود حركة متنامية لرؤوس الأموال بين دول المجلس إلا أن زيادة وتشجيع هذه الحركة تتطلب استكمال بقية متطلبات السوق الخليجية المشتركة بإزالة القيود على ممارسة مواطني دول المجلس للنشاط الاقتصادي إذ تتعاظم تطلعات المواطن الخليجي بمستقبل التعاون الاقتصادي بين دول المجلس مع إقرار السوق الخليجية المشتركة وهي تطلعات مشروعة استنادا إلى المزايا التي توفرها «السوق الخليجية المشتركة» ومنها ما تؤدي إليه من تعميق للأسواق الخليجية من خلال تعزيز المجال التمويلي والاستثماري عبر السماح بتدفق السيولة بانسيابية ويسر بين دول المجلس والمساهمة في توطين الأموال الخليجية المهاجرة وإيجاد سوق مالية خليجية ضخمة تتسع لـ

631 شركة تتجاوز قيمتها الرأسمالية التريليون دولار يتداول فيها ما يقارب عشرة ملايين مواطن ومستثمر في دول الخليج وهو الأمر الذي يفتح خيارات أوسع أمام المستثمرين الخليجيين ويؤدي إلى إيجاد مزيد من فرص عمل لمواطني دول المجلس ومنها ما تؤدي إليه «السوق الخليجية المشتركة» من توفير فرص كبيرة لتبادل المزايا النسبية لكل دولة فيمكن لمواطنين خليجيين الاستفادة من تطور الخدمات وخصوصا في مجالات التعليم والصحة الموجودة ببعض دول «مجلس التعاون» .

ويبشر الواقع الاقتصادي بمزيد من التفاؤل في هذا الاتجاه وخصوصا إذا علمنا أن أعداد الشركات المساهمة الخليجية ازدادت بشكل كبير خلال العقدين الماضيين من 170 شركة العام 1985 إلى 608 شركات العام 2006 فيما ازداد عدد الشركات المساهمة المسموح تداول أسهمها من 42 شركة مساهمة العام 1985 بلغت رؤوس أموالها 22 مليار دولار إلى 524 شركة مساهمة وصلت رؤوس أموالها 93,4 مليار دولار الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام مزيد من الاستثمارات الخليجية في هذه الشركات الخليجية وخصوصا بعد إزالة العقبات والمعوقات القانونية والاقتصادية التي تحد من انتقال رؤوس الأموال بين دول المجلس.

ويحمل تكتل الدول الخليجية في سوق مشتركة مزايا أبعد بكثير من التي يمكن أن يتم تصورها عند الحديث عن مجرد اندماج اقتصادي، فالحديث هنا عن دول تشترك في اللغة والدين والثقافة والتاريخ، كما تلتقي مع بعضها في حدود مشتركة أو على الأقل قريبة جدا.

ومن أهم المميزات التي ستقدمها السوق المشتركة أنها ستسمح للاقتصادات الخليجية بالاستفادة من حرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال وتأسيس الشركات والتملك بكل ما يعنيه ذلك من وجود سوق كبيرة تستطيع أن تدعم إقامة شركات ضخمة قادرة على المنافسة عالميا منطلقة من السوق الإقليمية الجديدة.

ومن المنتظر أن تصبح المنطقة أكثر جذبا الآن للاستثمارات الأجنبية للاستفادة من مزايا هذه السوق الكبيرة، ويمكن أن تؤدي هذا السوق إلى توطين المليارات من الأموال الخليجية الموجودة بالخارج داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، كما ستؤدي إلى خلق مزيد من فرص عمل لمواطني دول المجلس.

وستساهم ظروف السيولة العالمية إضافة إلى تسهيل التشريعات الاقتصادية بدول الخليج في تنشيط سوق الإصدارات العامة الأولية في المنطقة، وأن نفاذ السوق الخليجية المشتركة منذ بداية العام الجاري ستسهل أيضا من انتقال رؤوس الأموال الخليجية بين دول الخليج من دون حدود أو قيود ما سيساهم في دفع جديد لسوق الإصدارات الأولية التي بلغ حجمها العام الماضي وفق بعض التقديرات حوالي 19 مليار دولار بلغت حصة الإمارات منها 11,1 مليار دولار بزيادة 27 في المئة عن العام 2006.

كما إن التعامل مع أسواق دول الخليج العربية كسوق واحدة سيساهم من دون شك في اتخاذ المؤسسات الاستثمارية الخليجية التي تبلغ استثماراتها عدة تريليونات من الدولار المنطقة مركزا رئيسيا لنشاطها نتيجة الفرص الاستثمارية الغنية القائمة فيها وفي ظل تذبذب المخاطر الاستثمارية في الأسواق العالمية بالإضافة إلى أنه سيساهم في عودة الأموال والأرصدة والاستثمارات الخليجية العامة والخاصة في الخارج إلى المنطقة وإعادة توظيفها في مشروعات استثمارية وإنتاجية والتي تقدر بحوالي 1,4 تريليون دولار، فيما الثروة الشخصية التي يملكها 185 ألف ثري خليجي لا تقل عن 718 مليار دولار وهو ما يقترب إلى حد كبير عن الدخل القومي الإجمالي لدول مجلس التعاون، وهو ما يستدعي تقديم الحوافز الاستثمارية وتطوير الأنظمة والتشريعات لتشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي الخاص وخصوصا لجهة أن سياسة الإصلاح الاقتصادي عليها أن تأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية العليا ومصلحة المواطن الخليجي.

العدد 2082 - الأحد 18 مايو 2008م الموافق 12 جمادى الأولى 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً