يعتبر أن المجتمعات السلطوية هي العدو الأول لتأسيس مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، ويرى أنه لا يمكن على الإطلاق الحديث عن ديمقراطية في بلد ما من دون وجود مجتمع مدني قوي وفاعل. وفي الوقت الذي يعترف فيه بأن عددا كبيرا من مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية ومنها البحرين تعاني من مشكلة التشبيك مع بعضها بعضا وتكوين اتحادات فاعلة، شكل بنفسه شبكة مستقلة لتضم هذه المؤسسات على نطاق عربي، انضمت إليها 6 منظمات أهلية من البحرين على رأسها الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وجمعيتا أوال ونهضة فتاة البحرين النسائيتان.
إنه المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية زياد عبدالصمد، الذي حاضر في ورشة «المعرفة الإحصائية لأهداف الألفية» التي نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية الأسبوع الماضي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
«الوسط» التقت بعبدالصمد في حوار عن مأزق مؤسسات المجتمع المدني والمعوقات التي تواجهه، وطبيعة مواجهة تحديات العولمة وتحقيق أهداف الألفية بالنسبة لهذه المؤسسات.
السلطة هي التحدي الأبرز أمام مؤسسات المجتمع المدني
يؤكد عبدالصمد أن أبرز المآزق التي تواجه المجتمع المدني في المنطقة العربية تتمثل في تحديات المنطقة المرتبطة بالأمن والسلام، وخصوصا في هذه المنطقة التي تواجه أوضاعا غير مستتبة. مشيرا إلى أن البعد الموضوعي يتعلق بالفسحة المتاحة لعمل منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية وتحديدا الفئات الحاكمة التي تدير الدفة السياسية في البلاد، علاوة على البيئة القانونية التي خلقتها التي غالبا ما تقيد مؤسسات المجتمع المدني. مؤكدا أن هذه البيئة تؤثر على الأداء الديمقراطي لها وعلى قدرتها على التجمع، علاوة على تحملها مسئولياتها الاجتماعية. وأضاف عبدالصمد أن هناك بعداَ آخر يتعلق بالرؤية والمفاهيم لدور مؤسسات المجتمع المدني، إذ إن رؤية السلطة لمفهوم التنمية والديمقراطية يدخل في تفسيرها لدور مؤسسات المجتمع المدني. ويضيف أن مهمة هذه المؤسسات الرئيسية هي بناء قدرات المجتمع وتقديم الخدمات، إلى جانب التعبير عن آراء الفئات الاجتماعية واحتياجاتها، وبالتالي التفاوض مع الحكومة أو الضغط لاعتماد سياسات نحو عدالة اجتماعية. وعن مشكلة التشبيك بين مؤسسات المجتمع المدني التي يعاني منها قطاع مؤسسات المجتمع المدني وخصوصا في البحرين بين عبدالصمد أنه أحد المشكلات التي تواجه هذه المؤسسات، إذ إنها غالبا ما تعاني من أزمة في التشبيك مع بعضها بعضا كمؤسسات. ويوضح أن المؤسسات التي تقوم بتقديم خدمات أو مساعدات خيرية للمجتمع يمكن أن تقوم بمهمة التشبيك بشكل أسهل من المنظمات الأخرى التخصصية. إذ يحتاج هذا التشبيك برأيه إلى قدرات بشرية كبيرة وإمكانية الوصول إلى الاستماع إلى صوت المجتمع بقوة، والضغط على المؤسسات الحكومية.
ويضيف «التحدي الذاتي الذي يواجه مؤسسات المجتمع المدني يرتبط بالقدرات، فعندما تصبح هذه المؤسسات قادرة وقوية يمكنها أن تشتبك بين بعضها بعضا، لأن مهماتها عندئذ تكون أكبر وبحاجة إلى توحيد جهود كبيرة. وعندما تصل هذه المؤسسات إلى موقع قيادة حملات المدافعة والمناصرة وإقامة شراكات بين الأطراف المتوازية تتضح هناك حاجة ماسة لتنسيق الجهود بينها، وهو التشبيك الذي ينمي قدرات المجتمع المدني».
التشبيك موجود في تقديم الخدمات وليس تقوية القطاع
ويؤكد عبدالصمد أن التشبيك في تقديم الخدمات بين مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية موجود فعلا لتلافي التضارب والازدواجية، ومحاولة التكامل. وعلى رغم أهميته فإن التشبيك الأهم هو ما يهدف إلى بناء قوة في المجتمع قادرة على أن تصبح شريكا فاعلا في العملية الديمقراطية، وهو مرتبط أساسا بحسب قوله بتحديات مؤسسات المجتمع المدني وقناعاتها.
ويوضح أن التشبيك في بعض البلدان صعب للغاية بسبب النظام السائد والوعي بأهمية التعاون في العمل، فيما من السهل أن تقوم شبكات تربط هذه المؤسسات في مجتمعات عربية أخرى كلبنان أو فلسطين أو المغرب.
لا ديمقراطية دون مجتمع مدني قوي
عن علاقة المجتمع المدني بالسلطة يقول عبدالصمد: «توجد على المستوى العربي ظاهرة نشوء شبكات متخصصة لمؤسسات المجتمع المدني، غير أن وجود شبكة عامة متخصصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية نادر وقليل، فهو مرتبط بقدرات المجتمع المدني والإمكانيات المتاحة لتسهيل عمله».
وفيما أكد عبدالصمد أن تسلط الحكومة يمنع بالضرورة مؤسسات المجتمع المدني من التطور أو الاتحاد، أوضح أن هذا الوضع منتشر بكثرة في الدول العربية والذي اعتبره أحد الإعاقات الرئيسية لعمل مؤسسات المجتمع المدني. مؤكدا أنه «لا يمكن الحديث عن ديمقراطية من دون وجود مجتمع مدني قوي وفاعل».
«الغونغو» و «البونغو»... وغيرهما
يؤكد عبدالصمد أنه توجد في المجتمعات العربية حركات عمالية واجتماعية. غير أن المشكلة تكمن في أن سلطوية الدولة أدت إلى وضع يدها على أكثر مؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها اتحادات النقابات العمالية، أو وسائل الإعلام التي تعبر عن وجهة النظر الرسمية.
وفي المقابل توجد ظاهرة الخدمات أو العمل الخيري التي تقدمها مؤسسات المجتمع المدني، والتي أصبح الحاكم أو زوجته أو أفراد عائلته يدخلون فيها، عبر تشكيل مؤسسات بأسمائهم تهدف لتقديم المساعدات الخيرية لتحسين صورتهم أمام الشعب، وتفشت هذه الظاهرة بكثرة وخصوصا في المجتمعات العربية.
وتعليقا على هذه الظاهرة يقول عبدالصمد: «ليست هي بالظاهرة السيئة أو الجيدة، إذ يحق لأي فرد أو جهة أن يقوم بالعمل الخيري والتطوعي، غير أن الأداء في النهاية هو المعيار الرئيسي، فلو كانت الجمعية تهدف إلى مآرب شخصية سيتعرى الأمر في النهاية وينقلب السحر على الساحر، فحكم الناس غالبا ما يكون صائبا حتى لو كان غير موضوعي... ولكن في النهاية لا يجب التعاطي مع هذا النوع من المؤسسات بالرفض التام فليس من حق جهة ما أن تصدر حكما عليها».
تقارير الظل الموازية
وفي الوقت الذي يؤكد فيه عبدالصمد أنه ليس من حق أي شخص أن «يصنف» مؤسسات المجتمع المدني معتبرا أن هذا الحق محتكر لمرجعيتها الشعبية وحدها، يشير إلى أهمية التقارير الموازية التي تقدمها منظمات المجتمع المدني لهيئات الأمم المتحدة على اعتبار أنها يجب أن تخدم في النهاية مرجعيتها، ويضيف «يجب على القطاع الأهلي أن يقدم تقريره مستخدما كل الأدوات المتاحة للدفاع عن الحقوق التي تطلبها مرجعيته، حتى لو وصفته الجهة الرسمية بالسلبية أو انتقدته، فهو واجبه بالنهاية». ويؤكد عبدالصمد أيضا أن أهداف الألفية لا تعبر عن طموحات المجتمع المدني في الشعوب العربية، ويجب أن تتم ترجمتها عبر أهداف وطنية بمراحل زمنية يحددها كل بلد بمحدداته الخاصة. في الوقت الذي لم يغفل فيه أهمية وضع هذه الأهداف بالأساس لأنها اشتملت على عاملين رئيسيين هما كونها أهداف قابلة للتطبيق تم رفدها بمؤشرات محددة، وثانيها أن جميع الدول تعهدت بتطبيق هذه الأهداف عبر التزام دولي. ويشدد عبدالصمد على أن كتابة التقارير الموازية أو تقارير الظل ليست بالعملية السهلة بالنسبة للقطاع الأهلي، مشيرا إلى ضرورة ألا يستسهل أي مجتمع مدني في أية دولة عربية بهذه العملية، حتى لا يأتي تقريرها ضعيفا بالمقارنة مع التقرير الرسمي للدولة الذي يمتلك عادة كل الإمكانيات العلمية والبشرية لكي يكون قويا.
أهداف الألفية في مواجهة العولمة
أما بخصوص أهداف الألفية وارتباطها بالعولمة فيقول عبدالصمد: «إن العولمة ظاهرة بعيدة المدى أسست نظاما اقتصاديا مبنيا على فهم يدعو إلى تحرير الاقتصاد وفتح الأسواق، ثم سادت نظرية لمواجهة تحديات التنمية التي تتم من خلال الانفتاح الاقتصادي، وروجت بعض المؤسسات الدولية على أساسها لمساعدة البلدان النامية من أجل خصخصة القطاع العام، وعرضت منظمة التجارة اتفاقيتها لتحرير الأسواق. وفي النهاية تبين أن انعكاس ذلك كله كان سلبيا على النواحي الاجتماعية إذ تضاعفت على إثره الهوة بين الأغنياء والفقراء، وبدأت الطبقة الوسطى في التلاشي، وأصبح هناك فارق كبير بين الشمال والجنوب، إذ صارت بلدان الجنوب غير قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، هنا أطلقت الأمم المتحدة سلسلة من المؤتمرات لمعالجة الموضوع وتحدثت فيه عن تحديات الفقر وأجمعت على أن النظام المعولم لا يحقق العدالة المنشودة، وهنا برزت أهداف الألفية السبعة التي تعتبر خلاصة لمؤتمرات الأمم المتحدة، فيما أضيف لها لاحقا هدف ثامن يصل إلى ضرورة الشراكة العالمية من أجل تحقيق الأهداف. وهو الهدف الذي يلخص إعادة النظر في سياسة العولمة بالكامل. ويركز هذا الهدف في الحديث عن المساعدات، التجارة، والديون. إذ يرى أنه يجب مضاعفة المساعدات وتحسين نوعيتها وليس التوجه نحو زيادة كميتها. كما يهدف إلى تحقيق نوع من فرص التجارة العادلة لأن النظام التجاري القائم يدعو لخصخصة الخدمات والتي تعتبر سياسة تضرب عددا من القطاعات منها القطاعات الزراعية التي تعتمد عليها بلدان العالم الثالث بالأساس. فيما يتجه الهدف أيضا إلى إعادة النظر في نظام الديون، إذ تعاني البلدان النامية كثيرا من وطأة الديون الخارجية، والتي تعتبر نتاج عملية طويلة المدى، وهو ما تمت التوصية بمعالجته عبر سياسات التنمية.
العدد 2086 - الخميس 22 مايو 2008م الموافق 16 جمادى الأولى 1429هـ