العدد 2127 - الأربعاء 02 يوليو 2008م الموافق 27 جمادى الآخرة 1429هـ

ذكريات جامعية «4» تقي البحارنة

كنت اتجول في جامعة (السوربون) كلما زرت باريس، واتأمل بناءها التاريخي العريق واتذكر جيل الادباء والمثقفين من الرواد العرب الذين درسوا فيها وبعضهم زاول التدريس فيها من امثال طه حسين وزكي مبارك وغيرهم.

وذات مرة تجرأت ودخلتُ أحد الصفوف، واستمعتُ الى محاضرة البروفيسور عن الفلسفة ... ولكن في مقاعد الصفوف الخلفية ...ولم يتعرض لي أحدٌ والمعروف عن «السوربون» أنها تقبل تعليم طلاب البعثات وخصوصاالإفريقيين مجانا.

12 - جامعة لندن للقانون

طالما تجولت برفقة المحامي الأستاذ بالانتاين في الجامعة، حيث نذهب لنرى (Lincolns inn) الذي يتخرج منه المحامون ولا يسمح لهم بشهادة التخرج الاّ بعد تسجيل حضورهم لواحد وعشرين جلسة عشاء في إحدى قاعات المدرسة حيث يتدربون على أصول وكيفية تناول العشاء من دون ضوضاء وتداول الحديث بأدب واحترام للأساتذة الذين يتناولون العشاء معهم على منصة المسرح وهناك من دارسي القانون الأجانب من لا يستطيع اكمال عدد الوجبات ويعود الى بلاده ويزاول اعماله و لكنه يلتزم بتلك الوجبات فيما بعد خلال عدد من السنوات قد تصل الى عشر سنوات أو أكثر كما فعل الأستاذ المحامي والقاضي وصفي النمر خلال سنين عمله في البحرين.

أمّا السيد بلانتين الذي عمل في البحرين ايضا فكان مكتبه في خان مشهور أيضا يسميgreys inn وكان يحمل دراجته الهوائية (باسيكل) معه الى الدور الرابع في كل مرة يأتي الى مكتبه. ويفعل مثل ذلك عند المغادرة خوفا على دراجته من السرقة. وهو يستعمل سلالم الدرج المتأكله لعدم وجود مصعد كهربائي. لقد كان للسيد بلانتاين دور بارز في قضايا البحرين المهمة ويعرف البحرين وأهلها جيدا.

13 - جامعة بكين

وهي جامعة عريقة تضم كلية لتعليم اللغات والآداب ومنها اللغة العربية زرتها برفقة الملحق التجاري السابق للصين السيد ظافر والتقيت بالطلاب العرب ومعظمهم من اليمن وإفريقيا والدول العربية التي كانت لها صلات قوية سابقا مع النظام الاشتراكي ويلقى تعلم اللغة الانجليزية في الصين أقبالا كبيرا ... مما شجّع حركة انتشار مراكز تعلم اللغات من جانب القطاع الخاص. وقبل ذلك بسنوات قمتُ بزيارة المعهد الإسلامي في بكين في اوائل التسعينيات من القرن الماضي. ولقيت عددا من الأساتذة والطلاب ووجدت عندهم شغفا للتواصل مع العالم الإسلامي وتعلم اللغة العربية. ويقع المعهد في مركز مدينة بكين القديمة وداخل الحي الاسلامي الذي تنتشر فيه المطاعم والمخابز ومحلات الحلاقة، وبيع اللحوم ... على الطريقة الإسلامية كما يصفونها ... وقد لاحظت أن الصينين الذين يمكنهم التكلّم بالعربية، ولو كانت على علآتها .. مع اتقانهم اللغة الإنجليزية، يصرّون على التخاطب بالعربية مع العرب أو على حد تعبير السيد ظافر الذي طالما كان يردد هذه العبارة: (نحن نريد أن نتكلّم مع الأصدقاء العرب بلغتهم الأصلية دون واسطة..)

14 - جامعة «ستوكهولم» بالسويد

في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي كنت واقفا على مدخل فندق «شيراتون» في ستوكهولم ذات مساء، فتقدّم نحوي أحد الداخلين وسألني إن كنت استطيع أن أدله على قاعة فيها اجتماع يريد أن يُشارك فيه، فناديتُ أحد الموظفين في الفندق ورافقته إلى تلك القاعة بدافع المجاملة وحب الاستطلاع فأصرّ على دخولي معه؛ لأنّه اجتماع مفيد كما قال. فدخلتُ واذا بالقاعة الكبيرة مملوءة بالحاضرين. وعرفت منه انه مدرّس (بروفيسور) في الفلسفة في جامعة ستوكهولم وان المتكلم في هذه الحفلة هو الداعية الهندي المشهور (بالمهراشي) رئيس مؤسسة (التأمل - مديتا شن) والتي لها فرع في استوكهولم وفروع في امريكا ودول جنوب شرق آسيا وكثير من دول العالم كما اخبرني انه عضو في فرع الجمعية في ستوكهولم وقد استفاد من ممارسة جلسات التأمل وما تفيضه على النفس من راحة في الأعصاب وصحة عقلية وجسدية في الجلسات الانفرداية. أما الجلسات المشتركة فيتعدى اثرها ليبلغ مرحلة التواصل الروحي مع المشاركين...

وقد قال الداعية « مها راشي» في كلامه كل ذلك ... وأضاف ما معناه: أنه لو امكن اقتناع عدد من رؤساء الدول لا يقل عن 45 رئيسا بالانضمام الى نادى (التامل) فان السلام والامن سوف يسودان العالم وسوف تنقطع الحروب بين البشر. واضاف ان عقل الإنسان اذا استطاع عن طريق التأمّل المستمرأن يجتذب اليه القوى الكهرو ماغناطسية الثلاث في العالم فانه سوف يعمل المعجزات. واذا اجتمعت هذه القوى الثلاث في عقل الإنسان فإن بامكانه أن يتصرف خارج الزمان والمكان ويتحرر من قيوده الجسمانية.

ويؤيد البروفيسور بجانبي هذه النظرية قائلا: انه شاهد بأم عينيه جلسات (المتأملين) المتقدّمين في درجاتهم وهم يرتفعون من اماكنهم إلى أعلا بقوة سيطرة الجاذبية على ابدانهم...

ثم اني سألته عن هذه « المؤسسة الروحية التأملية» والتي لم أسمع بها من قبل وعن موقفه وهو استاذ فلسفة من منطق المهراشي وما يدعيه. فقال ما معناه أنها نوع من فلسفة ما وراء الطبيعة، وما وراء المستقبل لإمكانات العقل البشري وهو مهتم بمتابعة مثل هذه الاتجاهات.. ودعاني قبل الانصراف لزيارته في الجامعة فوافقت.

وقد زرته في اليوم التالي وتجوّل معي في أقسام الجامعة»، ثم أخذني إلى مكتبه لمواصلة الحديث - ومما قاله إن لدى جامعة ستوكهولم اهتماما بالرؤى المستقبلية للعالم من منظور تطوّر الفكر البشري ودور (الإنسان ) في حضارة مادية تعتصر القيم الروحية وتسحق المنجزات الإنسانية تحت عجلاتها الهائلة؛ ليصبح هذا الإنسان كالآلة فاقد الوزن يدور معها بلا إرادة مستقلة نحو مصير مجهول.

وفهمت منه أيضا أنه كوّن مع أساتذة زملاء في السويد وأميركا وسويسرا جمعية صغيرة تحت اسم (التخطيط المستقبلي - فيوتشر ديزاين) وقد دعاني للمشاركة في اجتماع سيعقد في مدينة(انتاليا) في تركيا العام المقبل.

وحضرت ذلك الاجتماع في (انتاليا ) مع ستة أساتذه من السويد وسويسرا وأميركا - أحدهم أستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة.. وقد تم طبع تلك المحاضرات فيما بعد في كتاب صدر باسم تلك الجمعية، تدور ابحاثه حول مصير (الإنسان) في حركة العالم المستقبلية، وكيف يستطيع ان يسيطر على عصر الآلة المتمردة سواء كانت متمثلة في الطفرة الصناعية أو المعلوماتية أو الفضائية أو العولمة أو ما شابه ذلك فيما يتصل باحكام السيطرة على الكائن البشري والتحكم في مدركاته الانسانية الفطرية المستقلة.

وقد عدت من تلك التجربة بسؤال مازلت اسأل نفسي عنه حتى اليوم وهو: هل أبقت لنا المصائب والويلات في عالمنا الإسلامي والعربي وقتا للتأمّل في مصير الإنسان وحياة البشر على هذا الكوكب في المقبل من السنين ... كما تفعل غيرنا من الأمم المتقدمة؟

15 - جامعة (سيئول)

كانت تلك الجامعة تقع على مقربة من فندق (أمبا سادور) الذي نزلت فيه العام 1992.

كنت أتجوّل في أوقات الفراغ حول بنايات تلك الجامعة وحدائقها الجميلة حيث الطلبة والطالبات تستلقى على الحشائش الخضراء تراجع دروسها وتتبادل الحديث والاشارات الغامضة، بمثل ما شاهدته في جامعات آسيوية اخرى مثل جامعة (مانيلا) في الفلبين ... كما كنت اخترق ملاعبها العامرة بالمتبارين والمشاهدين بما يدل على شغف الكوريين بالألعاب الرياضة البدنية. ثم استقر رأيي أن أزورها في اليوم التالي.

ولكنني فوجئت في ذلك اليوم بعد خروجي من باب الفندق أنّ الطريق الواسع الموصل إليها تحوّل بقدرة قادر إلى ميدان صراع بين الطلبة وفريق الشرطة ففي الجانب المحاذى للفندق تصطف الشرطة بدروعهم الواقية ومن حولهم سيارات الاسعاف والضباط.

وعلى الجانب المحاذى للجامعة تقف أمامهم طوابير الطلاب والطالبات حيث تعلو الهتافات وتنتشر اللافتات وتتبادل مكبرات الصوت من الجانيين العبارات الانفعالية التي لا أفهما لولا الحدس في كون الشرطة تدعو إلى الهدوء و إيقاف المسيرة... بينما مكبرات الصوت من جانب الطلبة تتبارى في إطلاق الشعارت والشتائم واستنهاض الجماهير ضد سياسة الحكومة. والمسافة بين الفريقين لا تتعدى المئة متر.

ويتساوى الصف الأوّل من الطلاب أو معظمهم مع الشرطة في لبس الخوذات الواقية وحمل الدروع على نحو ما شاهدته من مظاهرات في اليابان - في مواجهة الشرطة بالحجارة والزجاجات الحارقه (قنابل الملتوف) والتي تسقط بين جموع الشرطة فينتابهم الهرج والمرج في محاولة إطفائها، ولكن الشرطة لم تكن ترد على الطلبة لا بالغاز المسيل للدموع ولا بالرصاص. وقد شاهدت بنفسي شرطيين علقت النار بثيابهما ونقلا الى الأسعاف. ويبدو أن الشرطة رسمت خطا أحمرعلى مقربة منها حيث تهرع لإلقاء القبض على مَنْ يجتاز ذلك الخط أو إبعاده باستعمال خراطيم المياه.

ويتراجع الطلاب الذين تعبوا من المواجهة بالزجاجات الحارقة؛ ليأخذ غيرهم مكانهم في الصفوف الأمامية ويستمرون على هذا المنوال. وقد ذهبت لعملي ورجعتُ بعد ست ساعات والوضع لم يتغير... وكأنّ الجانبين يشاركون في لعبة مواجهة ذات أصول... ولما خرجت من الفندق عند المساء وجدت الساحات خالية إلاّ من آثار الزجاجات والحرائق والدخان والأحجار.

العدد 2127 - الأربعاء 02 يوليو 2008م الموافق 27 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً