سنحاول البحث عن العوامل المؤثرة على تحديد متى تنتقل الجماعة من المرحلة الأولى الاجتماعية، إلى المرحلة الثانية السياسية، من خلال معيار يدور حول مدى تحقق الهدف من المرحلة الاجتماعية، إذ نرى إذا كانت الجماعة ستنتقل للمرحلة السياسية في الوقت المناسب، أم إنها ستدخلها قبل الأوان، أو بعده بكثير لدرجة تفوت على الجماعة فرصة البناء على ما حققته في المرحلة الاجتماعية، وتضيع فرصة إصلاح النظام السياسي، ونلخص تلك العوامل فيما يلي:
- من العوامل المهمة أن تصل جماعة الإخوان للتعبير عن الفكرة الحضارية الإسلامية السائدة في المجتمع، والتي تمثل التيار الشائع. وتلك العملية تحتاج إلى توعية المجتمع بهويته الحضارية، حتى يستعيد ما فقده من وعي بالهوية وبالذات. وهو ما تحقق بقدر ملحوظ بفعل دور جماعة الإخوان وغيرها من رموز الصحوة الدينية والحضارية.
- يلي ذلك القدرة على وقف أي توسع يحدث في مساحة التفريط والإفراط، فمشروع الجماعة يتمثل في الوسطية الإسلامية، كما أن التيار السائد في المجتمعات العربية والإسلامية، أو الذي يسود في النهاية، يتمثل في الوسطية الحضارية الإسلامية؛ ولهذا عندما تتحدد المساحة التي تشغلها الاتجاهات الأكثر إفراطا، والأكثر تفريطا، في نطاق على هامش مساحة التيار الوسطي السائد، تكون الوسطية الحضارية الإسلامية قد استعيدت بوصفها التوجه العام لدى المجتمع.
والحقيقة أن المجتمع صد اتجاهات التفريط نسبيا، وعزلها في موضع هامشي من المجتمع، كما أن مساحة الإفراط قد حجمت نسبيا، بفعل دور الجماعة، وبفعل المراجعات التي قامت بها الجماعات المسلحة، وخاصة الجماعة الإسلامية؛ لهذا نقول إن المجتمع فعلا بدأ يأخذ مساره التاريخي، إذ تسود الوسطية الحضارية الإسلامية، بوصفها القيمة المركزية السائدة في المجتمع.
- بهذا نقول إن المجتمع في بداية مرحلة تأهله للقيام بمشروع النهضة الحضارية، ولكن تواجهه تحديات مؤثرة تحتاج لمواجهة وعلاج، إذ إن المجتمعات العربية والإسلامية تعرضت للكثير من الأزمات، وخصوصا المجتمع المصري، والذي يمثل المجتمع النواة لمشروع جماعة الإخوان المسلمين، على رغم انتشارها في كل البلاد العربية والإسلامية.
والأزمات التي تعرض لها المجتمع أدت إلى كثرة أمراضه أو ضعفه. وهنا لا يمكن القول إن على الجماعة المشاركة في علاج ضعف المجتمع حتى يقوى، قبل الدخول في المرحلة السياسية، لأن حال الضعف الراهنة ناتجة من تردي النظام السياسي، وتفشي الاستبداد والفساد، واستمرار هذه الحال يؤدي إلى تعميق ضعف المجتمع.
ومعنى هذا أن الجماعة عليها المشاركة في تحسين حالة المجتمع نسبيا، حتى يمكنه القيام بمساندة مشروع الإصلاح والتغيير، وحمل مسئولية النهضة.
ولكن هذا التحسين سيظل نسبيا؛ لأن علاج أمراض وضعف المجتمع لن يتم إلا بعد إصلاح النظام السياسي؛ لأنه المتسبب الأول في حال تدهور مستوى المعيشة.
- يتدخل الوضع الإقليمي والدولي في قرارات جماعة الإخوان المسلمين، ليس فقط لوجودها في معظم البلاد العربية والإسلامية، وليس فقط لأن مشروعها يخص كل العالم العربي والإسلامي، ولكن لأن مشروعها يواجه في الأساس مشاريع الهيمنة الخارجية، كما يواجه الأنظمة السياسية المحلية المتحالفة مع تلك المشروعات. لهذا نتوقع أن تحرك الجماعة في المجال السياسي، وانتقالها لمرحلة إصلاح وتغيير النظام السياسي، سيواجه بحرب على المستوى الإقليمي والدولي.
ولا يمكن القول إن على الجماعة انتظار انهيار النظام الإقليمي والدولي؛ لأن هذا لن يحدث إلا بفعل حركة إصلاح حضاري. فالأوضاع الإقليمية والدولية لن تتغير بالكلية ثم تقوم الجماعة بدورها في بناء نظام سياسي جديد، بل المتوقع هو أن تضعف الحال الإقليمية والدولية المسيطرة على المنطقة، وفي هذه الحال يكون على الجماعة بدء مسيرة النضال السياسي، مع غيرها من القوى، لتغيير النظم السياسية القائمة.
- في اللحظة التي يحدث فيها التغيير، تكون لدى الجماهير رؤية ما عن مستقبل آخر منشود، وهنا يكون على الجماعة الوصول إلى مستوى مناسب من نشر رؤيتها بين الناس، ودعوة الناس إلى تبني الرؤية الحضارية الإسلامية، بوصفها طريق الخلاص من الأوضاع القائمة.
العدد 2541 - الخميس 20 أغسطس 2009م الموافق 28 شعبان 1430هـ