وعليه يمكن النظر للمراحل الزمنية المتعاقبة لنرى صورة تلك التوجهات فيها، من خلال تصور افتراضي يطرح صورة المجتمع من خلال صورة الحركات الإسلامية النشطة والفاعلة، وسنضع تصورا لعدد من المراحل، وهي كالتالي:
1. مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، وتميزت بظهور حماسي لحركة الصحوة الإسلامية، وانتشار ملحوظ للأفكار الأكثر تشددا، ولهذا نتوقع نسب توزيع للحركات الإسلامية والحركات السياسية الأخرى على المقياس السابق كالآتي: 5 في المئة في الفئة الأولى، 35 في المئة في الفئة الثانية، 20 في المئة في الفئة الثالثة، والفئات الثلاث تمثل الحركة الإسلامية، ثم الفئة الرابعة بنسبة 35 في المئة والخامسة بنسبة 5 في المئة، وهي تمثل الحركات السياسية الأخرى.
2. مرحلة الثمانينيات من القرن العشرين ونتصور فيها توزيعا على المقياس بنسب: 5 في المئة للأولى، 30 في المئة للثانية، 30 في المئة للثالثة، 30 في المئة للرابعة، 5 في المئة للخامسة؛ مما يعني بداية نمو الفئة الوسطى.
3. في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين سنلاحظ نموا يؤدي إلى بروز الفئة الثالثة على غيرها من الفئات، ونفترض أن ذلك حدث بنسبة 45 في المئة للفئة الثالثة، 25 في المئة للفئة الثانية والرابعة، و2,5 في المئة للفئة الأولى والخامسة.
وبني هذا التصور على أن عقد التسعينيات والذي شهد المواجهات المسلحة، وشهد بداية المراجعات، شهد بداية تقلص الفئات الأكثر تطرفا على المقياس، لتصبح في معدلها الطبيعي، مع استمرار الارتفاع النسبي للفئات المحيطة بالفئة الوسطى.
4. في القرن الحادي والعشرين وفي عقده الأول نشهد مرحلة التحدي والمواجهة بين الفئات الثلاث الوسطى؛ فنجد تزايدا في الفئة الثالثة يقربها من معدلها الإحصائي الطبيعي، ثم تراجعا لها لصالح الفئة الثانية والثالثة؛ مما يشير ضمنا إلى وجود عوامل تدفع المجتمع نحو توازنه الطبيعي طبقا للتصورات الإحصائية، وعوامل أخرى تدفع المجتمع بعيدا عن توازنه الطبيعي.
في كل الأحوال يفترض أن يكون في المجتمع عدد من التيارات، كما يفترض أن يكون هناك توجه عام سائد يشكل مسار المجتمع ككل، ويضع له ملامح نظامه الاجتماعي والسياسي، وتتشكل منه هوية المجتمع ونمط حياته.
وفي كل الأحوال ستوجد تيارات أخرى تختلف مع التيار السائد في جانب أو آخر. وتلك الصورة توجد بالفعل في معظم المجتمعات؛ وهذا ما جعلها تمثل الافتراض الإحصائي عن التوزيع الطبيعي.
قصدنا من ذلك أن وجود الأكثر تشددا والأكثر تحررا أمر طبيعي، بل إن وجوده لازم لحركة التفاعل والتدافع في المجتمع، بل نقول إن وجود تيار غالب يمثل المجتمع، ويغلب عليه التوسط في المواقف يمثل نتاجا لوجود الغلو في التشدد والغلو في التحرر؛ لأن تلك الاتجاهات هي التي تدفع المجتمع في اتجاهات متعارضة؛ مما يجعل المجتمع يتوافق على وضعه المتوسط الطبيعي، وبالتالي تأتي قوة تماسك الفئة الوسطى من وجود الفئات الأخرى.
وسط الحركة الإسلامية
وفي الحالة الإسلامية يمثل تيار الوسطية الإصلاحية الفئة الثالثة، وهو التيار الذي يواجه تحديات متنوعة؛ بسبب ما يلقاه من ضغوط من التيارات المحيطة به، تحد من قدرته على الوصول إلى أن يكون التيار الغالب لدرجة تجعلنا في كثير من الأحيان نميز هذا التيار بسبب ما يلقاه من اتهامات بالتشدد من المنتمين للفئة الرابعة، وما يلقاه من اتهامات بالتهاون من المنتمين للفئة الثانية.
فالفكرة المعتدلة تعاني عادة من صعوبة تعريف نفسها؛ إذ إن الأفكار الأكثر تشددا أو الأكثر تحررا تكون في الغالب أكثر وضوحا، لذلك نتصور أن تبلور الرؤية الشائعة يتحقق، ولكنه يواجه تحديات حقيقية.
ومن الضروري التأكيد أن مسميات التيارات وتحديد خصائصها ليس أمرا بسيطا، بل إنه جزء من الحالة السابقة على تبلور التيارات في المجتمع واستقرارها، فعندما تستقر الرؤى الأساسية في المجتمع عندئذ يصبح التمييز بينها متاحا، خاصة من قبل المنتمين لها.
العدد 2562 - الخميس 10 سبتمبر 2009م الموافق 20 رمضان 1430هـ