دعا نائب الأمين العام للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان عبدالله الدرازي الحكومة إلى إعادة الحوار من جديد مع الجمعيات السياسية والنظر إلى المشروعات المقدمة من قبل الجمعيات الحقوقية، وذلك لحلحلة الملفات العالقة، وتعزيز الثقة فيما بين الحكم والناس.
وأكد الدرازي أن الجمعية ضد العنف بكل أشكاله سواء العنف الذي يأتي من الشارع أو من قبل السلطة، داعيا الجميع إلى الرجوع إلى لغة العقل وتغليب الحِكمة، والعمل بمبدأ الموعظة الحسنة، معتقدا أن الحل هو الرجوع إلى لغة العقل، إذ يجب على السلطة أن تبادر بذلك الشيء بدلا من تعقيد الأمور أكثر.
وأكد الدرازي أن الكثير من عامة الناس لا يريدون الرجوع إلى الوراء، ويتطلعون إلى غدٍ أفضل، وذلك لا يأتي إلا من خلال مبادرات من السلطة.
جاء ذلك خلال الندوة التي ألقاها الدرازي مساء أمس الأول (الأحد) في مجلس الشيخ عبد الأمير الجمري في منطقة بني جمرة، بشأن تداعيات الحوادث الأمنية الأخيرة التي شهدتها بعض مناطق المملكة.
وفي بادئ حديثه، عرض الأمين العام للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان عبد الله الدرازي عدة أسئلة على الحضور منها: هل نفهم الحوادث الأخيرة بمعزل عما جرى في الماضي؟ وهل المطالب الحالية تختلف عن سابقتها؟ ولماذا الخروج إلى الشارع؟ وهل وصل الناس إلى حال الإحباط؟
ومن ثم بدأ الدرازي في الإجابة على الأسئلة، بالقول: «لا أعتقد بأن ما حدث في 17 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي بمنأى عن التطورات التي وقعت في الحقبة الماضية من حزمة قوانين منها قانون (56) المزعج الذي يساوي الضحية بالجلاد، وهو من القوانين المجحفة التي تتعارض مع القوانين والمواثيق الدولية».
وأضاف «في العام 2005 كان لجمعية حقوق الإنسان البحرينية تقرير موازٍ لآخر قدمته الحكومة وقُدّم إلى لجنة حقوق الإنسان بجنيف، وخلصت اللجنة في النهاية إلى توصيات عدة بخصوص البحرين، كان من ضمنها إلغاء قانون (56) لتعارضه و حقوق الإنسان، إلا أن الحكومة لم تأخذ بتلك التوصيات».
وأوضح «هناك الكثير من الملفات العالقة التي طالبنا بها -كحقوقيين- منذ بداية المشروع الإصلاحي بحلها وإنهائها، وكان أهم تلك الملفات هو ملف العدالة الانتقالية، إذ أنه ملف مهم لأي دولة تنتقل من حقبة انتهاكات حقوقية إلى أخرى تشهد فيها إصلاحات».
واستشهد الدرازي في ذلك الأمر بتجربة المملكة المغربية، موضحا أن «الشعب المغربي كان يسمي فترة الانتهاكات بسنوات الجمر والرصاص، وراح ضحية في تلك الفترة الزمنية الآلاف من الضحايا»، ومن ثم عاد الدرازي ليؤكد أن «المشروع الإصلاحي في البلاد دُشّن على يد جلالة الملك المفدى في العام 2001، إلا أن أمورا وملفات لا تزال عالقة، ويجب حلحلتها، ومنها ملف العدالة الانتقالية وتعويض الضحايا وجبر الضرر الذي لحق بهم».
وأشار الناشط إلى أن «الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، خطت منذ فترة نحو تأهيل عدد من ضحايا حقبة التسعينات، وذلك في مركز الكرامة لتأهيل ضحايا التعذيب، والذي يوجد به 10 استشاريين متطوعين».
وذكر الدرازي أن «الجمعية طالبت في كثير من الأحيان خلال اجتماعاتها مع السلطة والمسئولين بطرح ملف تعويض ضحايا التعذيب»، معتقدا أنه «حان الأوان لفتح ذلك الملف»، ولافتا إلى أن «المغرب سبقت البحرين في حلحلة ذلك الملف، عبر دعوة وجهها ملك المغرب إلى أهالي وأسر الضحايا في قصره، ومن ثم أمر بتعويضهم، إذ تم تعويض كل ضحية بما يقارب 20 ألف يورو، وأن مجموع التعويضات بلغ 540 مليون يورو»، مشيرا إلى أن «المغرب دولة أفقر من البحرين، إلا أن تجربتها هي الأقرب لنا». وأكد الدرازي أن «حلحلة ملف تعويض ضحايا التعذيب أمر لا يحتاج إلى عصا سحرية»، داعيا إلى «الاستفادة من تجربة المغرب الشقيق، وكل ذلك من أجل طي صفحة الماضي، وجبر الضرر النفسي الذي لحق بأهالي الضحايا».
وقال المتحدث: «كانت هناك العديد من الحوارات مع الجمعيات السياسية بهذا الخصوص، وشُكّل تحالف من أجل الإصلاح والمصالحة، وذلك من قبل 11 جهة، وتم عقد ورشة ومؤتمرا في يونيو/حزيران الماضي، وفي منطقة سترة كانت هناك دعوات انطلقت مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان مطالبة بتنشيط هذا الملف».
كما أكد الدرازي أن «الأحداث الأمنية الأخير ليست بمنأى عن ما حدث سابقا»، مضيفا بأن «الأحداث الأخيرة تحتاج إلى وقفة، فلربما وصل الناس إلى حالة من الشعور بالإحباط، فهناك الكثير من الضغوط الاقتصادية والتضخم في الأسعار وارتفاع أسعار السلع في ظل الدخل المحدود، وهذا جزء من أسباب حالة الإحباط».
ومن ثم تطرق نائب الأمين العام للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، إلى الأحداث الأخيرة بشكلٍ خاص، وإلى تعامل وزارة الداخلية مع عامة الناس، وأشار الدرازي إلى أن «العاملون في وزارة الداخلية -بغض النظر عن وجود إخطارات عن مسيرات من عدمه- خالفوا مدوّنة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، وهي المدونة التي اعتمدت ونُشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمؤرخ في 17 من ديسمبر/ كانون الأول للعام1979»، مشيرا إلى أنه «من المفترض أن تكون البحرين قد صوّتت على هذه المدونة، لتبدأ العمل بها.
وأكد الدرازي أن «رجال الأمن خالفوا في كثير من الأحيان بنود تلك المدونة، خصوصا فيما يتعلق بالحفاظ على كرامة الإنسان وحمايتها وحقوقه، وعدم استخدام القوة إلا في الحالات الاستثنائية القصوى»، مشيرا في ذلك الصدد إلى «الفتاة التي طُلِب منها تقبيل رجل شرطي يعمل في النيابة العامة من أجل السماح لها بمشاهدة والدتها»، موضحا أن «ذلك من أكبر انتهاكات الحقوق في زمن الإصلاح».
وأردف المتحدث «اجتمعنا قبل أسبوع مع مدير الأمن العام بشأن المليشيات المسلحة الملثمة، وسألناه من هم هؤلاء، فرد علينا بأنهم رجال أمن مدنيين».
وفيما يخص الشكاوى التي استملتها الجمعية لفت الدرازي إلى أن «معظم الشكاوى التي استلمناها من الأهالي كانت تتعلق بعدم وجود أو إبراز تصاريح وأذونات النيابة العامة بتفتيش المنازل».
وتساءل الدرازي: لماذا التكسير والتخريب؟ لماذا دخول المنازل عنوة؟
وانتهى «لم تحترم هذه الاتفاقية لعدم وجود رخص وأذونات أبرزت عند تفتيش المنازل، بالإضافة إلى الدخول عنوة إليها، والتعرض إلى الأطفال وكبار السن والنساء، بالإضافة إلى مداهمة المنازل عند ساعات الفجر»، موضحا «وصّلنا كل تلك النقاط إلى مدير الأمن العام».
وذكر الدرازي أن «أكثر انتهاكات حقوق الإنسان تقع عند عملية الاعتقال، بالإضافة إلى انتهاكات أخرى عند التوقيف، فتجد في كل مركز من المراكز لوحة بحقوق المعتقل، ومن ضمنها الحق في مكالمة هاتفية مع أهله، والحق في حضور محامٍ معه جلسات التحقيق، والحق في معرفة أهله أين يكون ابنهم»، مدعيا أن «كل هذه البنود لم تحترم».
إلا أن نائب الأمين العام للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان أشاد «بدور وزارة الداخلية في تعاملها مع المعتصمين عند قرية بني جمرة، إذ فض الاعتصام بعد توجه أحد الضباط المنتسبين إلى الوزارة، وأخبر المعتصمين بعدم قانونية الاعتصام، ليفض بهدوء ومن دون استخدام العنف، وهو الأمر واللغة المطلوبين في هذه الحالات».
وعاد الدرازي ليعتبر «المداهمات الفجرية، واستخدام المسيلات للدموع بكثافة وإمطارها على القرى الآمنة، والحصار على المناطق لمدة 5 أيام، وطلب تقبيل رجال الأمن للسماح لامرأة برؤية أمها، كل ذلك استخدام مفرط للقوة». أما بشأن ما هو مطلوب لتفادي هذه الحالات، قال الدرازي: «كان هناك حوار سابق مع الجمعيات السياسية، أعيدوا هذا الحوار، وانظروا إلى مشروعات الجمعيات الحقوقية، إذ يجب تعزيز الثقة فيما بين السلطة والناس لا هزّها، لذلك نحن بحاجة إلى مبادرات، فالحقيقة تأتي من الناس، والإنصاف يأتي من الحكومة».
وأفاد الدرازي أن «غالبية معتقلي الأحداث الأمنية الأخيرة هم نشطاء في لجان شعبية، وبعضهم معتقلين أثناء فترة التسعينيات».
وأضاف «نحن كجمعية بحرينية لحقوق الإنسان ضد العنف بكل أشكاله، سواء ذلك العنف الذي يأتي من الشارع أو من السلطة، والحل هو الرجوع إلى لغة العقل، ويجب على السلطة أن تبادر ذلك الشيء بدلا من تعقيد الأمور أكثر». واعتبر الدرازي «المعتقلون ليسوا معتقلي حوادث أمنية100 في المئة، معتقدا أنهم معتقلون سياسيون أيضا».
وأكد أن «الكثير من عامة الناس لا يريدون الرجوع إلى الوراء، ويتطلعون إلى غدٍ أفضل، وذلك لا يأتي إلا من خلال مبادرات من السلطة».
وفي رده على سؤال عن الخطوات التي اتخذتها الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان خلال الأحداث الأمنية الأخيرة، أجاب الدرازي: «في 18 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي أصدرنا بيانا وضحنا فيه وجهة نظرنا وطالبنا بلجنة مستقلة للتحقيق في وفاة الشاب على جاسم، وأدنا استخدام العنف والقوة المفرطة في تفريق المتظاهرين، وقبل أسبوع كان هناك اجتماع لأهالي المعتقلين، سجلناهم جميعا، وأخذنا كل التفاصيل بشأن الاعتقال وأمور انتهاك حقوق الإنسان، وهذا الملف حي بالنسبة للجمعية وهو موثق».
وأشار الدرازي إلى أن «البحرين ستكون تحت المسائلة الحقوقية في أبريل/ نيسان المقبل من قبل مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ومطلوب منا من المنظمات الدولية إعداد وإرسال تقارير عن الحقائق، بالإضافة إلى أن البحرين سترشح نفسها إلى عضوية حقوق الإنسان، وهناك 11 التزاما يجب أن تلتزم به البحرين، وفي الأحداث الأخيرة تم انتهاك الكثير من تلك الالتزامات، إلا أننا نرغب في انتخاب البحرين في المجلس، كما أن لنا اجتماعات مع وزارة الداخلية وطرحنا كل الأمور والهواجس بشكلٍ شفاف».
ومن جهته، قال عضو الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان عيسى الغائب في مداخلة له: «تقدمنا كممثلين عن الجمعية بأربعة طلبات إلى النائب العام بخصوص المعتقلين، وهي: تزويدنا بأسماء المتهمين، والتهم الموجهة إليهم، وأماكن احتجازهم، وإمكان زيارتهم من قبل أهاليهم ومحاموهم بالإضافة إلى الأطباء، إلا أننا لم نحصل على رد بخصوص طلباتنا إلى الآن». وأشار الغائب إلى أن «الجمعية سترفع الحقائق إلى النائب العام ورئيس الأمن العام بشأن كل ما حدث إلى الفتاة التي طُلِب منها تقبيل رجل الشرطي وغيرها من عامة الناس الذين تعرضوا إلى انتهاكات لحقوق الإنسان». وأضاف بأن «ظاهرة انتشار المليشيات المسلحة الملثمة، ممن يدعون بأنهم شرطة مدنيين، هي خروقات لمدونة سلوك رجال الأمن، كما أن العقاب الجماعي محرّم دوليا، فقرية السنابس حوصرت ومنع أهلها من الدخول والخروج لمدة أيام، وهو أمر مخالف للمعايير والقوانين الدولية».
أما أحد المتداخلين علّق بالقول: «لا إفراط ولا تفريط، فلا إفراط في استخدام هامش الحرية في حال أن ذلك سيؤدي إلى إلحاق الضرر والأذى بالآخرين، ولا تفريط في الحقوق، فمسألة السب والشتم والشعارات المطروحة هي مسألة غير مجازة ولا يقبلها أحد، والمطلب الحقيقي ليس الإفراج عن المعتقلين، المطلب الحقيقي هو حلحلة كل الملفات العالقة من تجنيس غير قانوني، وبطالة، وتمييز، وغلاء ...إلخ». وأضاف «لا يجوز تجاوز وخرق القوانين وكسرها، بل يجب العمل على التعامل معها والعمل على تغييرها، وهناك قنوات شعبية ديمقراطية لتغيير تلك القوانين بأكملها أو بنودا منها، من دون اللجوء إلى العنف وتحريك الشارع».
أما رئيس هيئة الدفاع عن المتهمين المحامي عبد الله الشملاوي، أفاد في مداخلته أن «كل المواثيق العالمية ودستوري البحرين، لا يجوزون معاملة الإنسان معاملة حاطّة، مبديا استغرابه الشديد من طلب رجل من امرأة تقبيل رجله».
أما نائبا الوفاق محمد جميل الجمري وعبد الجليل خليل، اتفقا على أن «المنتسبين إلى وزارة الداخلية من قوات الأمن استخدموا خلال الفترة الماضية القوة المفرطة»، مشيرين إلى «وجود وسائل إعلام لا تريد توصيل الصورة الحقيقية إلى المسئولين»، موضحين أن هناك «احتقانا جراء الكثير من المشكلات التي لا تزال عالقة، ومنها الطائفية والتوزيع غير العادل للثروة، والتجنيس والبطالة»، معتقدين أن «القضية سياسية، ولها أبعاد سياسية، وأن المخرج الأساسي هو وضع اليد على الجرح ومعالجة الأمور والملفات العالقة، وعدم تصعيد وتعقيد الأمور»، داعين في الوقت ذاته العامة إلى «استخدام لغة العقل وانتهاج القنوات والطرق الصحيحة والمشروعة التي اختارها الشعب في إيصال الاحتجاجات أو التظلمات، وذلك من أجل المزيد من الإصلاح»
العدد 1943 - الإثنين 31 ديسمبر 2007م الموافق 21 ذي الحجة 1428هـ