العدد 2576 - الجمعة 25 سبتمبر 2009م الموافق 06 شوال 1430هـ

استراتيجيات الأنظمة السياسية في التعامل مع الإسلاميين (2 - 2)

رشيد مقتدر - باحث مغربي في العلوم السياسية والجماعات الإسلامية 

25 سبتمبر 2009

إن وجود أربع استراتيجيات تشكل طريقة تعامل السلطة مع مختلف القوى السياسية، لا ينفي إمكانية استعمال جل هذه الاستراتيجيات أو بعضها، حسب طبيعة موازين القوى السياسية ونوعية العلاقات، فيمكن لكل نظام أن يوظف استراتيجية الإدماج أو الاستيعاب تجاه القوى الإسلامية التي تقبل الإدماج، وبالمقابل يمكنه أن يتخذ استراتيجية التضييق والمحاصرة، أو استراتيجية التجاهل واللا مبالاة أو استراتيجية الشدة والردع ضد التيارات التي تبدو متشددة.

بعد رصد مختلف استراتيجيات النظام السياسي اتجاه القوى الإسلامية، سنقوم ببسط مختلف التكتيكات المنتهجة وهي كالآتي:


تكتيكات النظام السياسي

إن وعي الإسلاميين باختلال موازين القوى السياسية لصالح النظام، يعزى إلى عدة أسباب موضوعية وذاتية، فقد تولد على المستوى الموضوعي نتيجة للضربات الأمنية التي تعرضت لها القوى الإسلامية وغيرها مند منتصف السبعينيات، على شكل اعتقالات بتهمة الانتماء إلى تنظيمات سرية غير مشروعة، أو تحت تأثير الضغوطات الممارسة على هذه التيارات، أو التضييق عليها ومتابعة قياديها ومحاكمة رموزها، دورا في دفع الإسلاميين إلى الابتعاد عن العنف كآلية للتغيير والتفكير في بدائل سياسية تمكن من الاندماج.

أما المستويات الذاتية فقد برزت كنتيجة للتأثيرات النفسية والاجتماعية لهذه الضربات التي تمخض عنها نوع من الوعي بعدم جدوى السير في مسار مواجهة الأنظمة السياسية أمام واقع اختلال موازين القوى، وهو ما فسح المجال تلقائيا إرساء مجموعة من المراجعات الفكرية والنقد الذاتي لمسار الإسلاميين الفكري والسياسي والدعوي وغيره، ونظرا لأهمية الآليات المستعملة من طرف النظام السياسي سنشير إلى تكتيكاته الممارسة في شكل ضغوطات مختلفة أخذت عدة أشكال سنبسطها كالآتي:

- الضغوطات السياسية عبر نهج سياسة التهميش والتجاهل، لوجود هذه القوى والتيارات المعارضة وعدم الاكتراث بمواقفها ومبادراتها، وقد تصل المسألة في حالة استمرار الاحتقان وتصلب المواقف إلى إرساء إقصاء سياسي ممنهج.

- الضغوطات القضائية بفتح ملفات خاصة بهذه القوى السياسية والاجتماعية لدى المحاكم المدنية أو العسكرية كما تجسده الحالة المصرية في التعامل مع الإسلاميين، سواء كانت هذه القضايا جنحا أو جنايات أو القضايا المتعلقة بأمن الدولة أو قضايا الإرهاب، وتستند هذه الآلية على الزج بالإسلاميين في معارك قانونية وقضائية تشتت جهودها السياسية والتعبوية وتشغلها، وتسهم في بعثرة جهودها أمام المحاكم، إلى حين صدور حكم يقضي إما بالإدانة أو البراءة، وغالبا ما تكثف هذه التكتيكات عندما لا يفلح مسار المفاوضات السياسية أثناء اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتوظف بهدف الضغط على القوى الإسلامية كي تقلص حجم مشاركتها السياسية وفي حالة الرفض يتم اللجوء إلى اعتقال بعض قياداتها للتقليل من إمكانية فوزها.

- الضغوطات القانونية برفض الاعتراف القانوني بوجود هذه التيارات أو الجمعيات كتنظيمات مدنية أو أحزاب سياسية، على رغم وجودها الفعلي كقوى اجتماعية وسياسية، واعتماد سياسة المراوغة والصرامة الإدارية، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى خلق شروط دستورية أو قانونية تحد من التطلعات السياسية للقوى السياسية المنافسة، أو بوضع إجراءات مسطرية تعجيزية، أو عبر ممارسة التضييق والبيروقراطية، وعدم الاكتراث بالملفات المقدمة وتوليد الإحساس بذلك وربما إهمال بعض وثائقها، أو عبر التماطل في تسليم وصل التأسيس النهائي أو الامتناع عن تسليمه، بمبررات عدم اكتمال الملف أو عدم استيفائه للشروط القانونية أو بوجود بعض الثغرات القانونية أو عدم احترام الإجراءات المسطرية المعتمدة أو المستجدة، كشكل من أشكال الضغط والاستفزاز بغية تليين المواقف أو مراجعتها.

- الضغوطات المادية والردعية من خلال ضرب القوة المادية والاجتماعية للتيارات والحركات، وذلك باعتقال القيادات والرموز والتحقيق معهم أو محاكمتهم، وغلق مقراتهم... مما قد يؤدي إلى خلق نوع من البلبلة والارتباك داخل هذه التيارات في محاولة لعزل القيادات عن قواعدها أو خلق حالة من الفراغ القيادي، الذي ينجم عن هذه الاعتقالات وما يترتب عنه من صعوبة معرفة قرارات القيادة وباقي الخطوات المستقبلية.

- الضغوطات الاستفزازية بالتضييق على الأنشطة والبرامج المزمع عقدها، والتشدد في التعامل معها، ومحاصرتها ومنعها في أحيان أخرى، ومصادرة منشوراتها وكتبها وبعض ممتلكاتها أو التحقيق مع رموزها وقياداتها وعرقلة سفرها بالداخل أو الخارج بحجج أمنية أو وقائية.

- الضغوطات الإعلامية عبر عدم استدعاء هذه التيارات والقوى التي تمثلها للأنشطة الإعلامية التي تنظمها السلطة، ومنعها من الحضور في الإذاعة والتلفزة، للتعبير عن مواقفها وإظهارها بمثابة الفئة المعزولة والمحدودة التأثير، بل يمكن أن تتطور المسألة في حالة الاحتدام والمواجهة إلى منع الصحف والمجلات التي تصدرها، ومحاربة منابرها الرقمية والتشويش على مواقعها الإلكترونية للتصعيب من مهمة تواصلها السياسي وعرقلته، إلا أن تطور وسائل الإعلام السمعية البصرية ووسائل التواصل الرقمي كالفضائيات والمواقع الإلكترونية، إلى جانب التجذر المجتمعي لبعض القوى الإسلامية وبحثها عن التواصل، قد حد نسبيا من فعالية هذه الآليات كوسائل للضغط، إلا أن دورها يبقى فاعلا ومؤثرا في عرقلة إيصال خطاباتها ورسائلها.


أدوات الإسلاميين

وبالمقابل يمكن للقوى الإسلامية أن تستغل مجمل هذه الاستراتيجيات والتكتيكات للضغط على السلطة السياسية والظهور بمظهر المضطهد، وتبرز النظام في صورة الجلاد المتسلط المستغل لموارد شعبه لقمع زعماء تنظيماته، بالاعتماد على الجماهير ووسائل الإعلام الخاصة الداخلية والعربية والدولية، وعلى مناضليها المقيمين بالدول الغربية لحثهم على الاحتجاج والتظاهر سعيا لإحراج النظام والضغط عليه.

ومن نتائج مجموع هذه الاستراتيجيات والتكتيكات ممارسة نوع من التأثير والضغط على القوى السياسية والاجتماعية المعارضة، وحثّها على إعادة النظر في طروحاتها، وجعلها في موقع رد الفعل لسياسات النظام وخططه، وهو ما تجسد في إدماج التيار الإسلامي الإصلاحي داخل اللعبة السياسية (حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية)، وحزب البديل الحضاري الذي حصل على المشروعية القانونية وشارك في الاستحقاقات التشريعية، والحركة من أجل الأمة التي ما زالت تبحث عنها، إلا أن تفكيك شبكة بلعيرج أفضى إلى حل حزب البديل الحضاري من طرف الحكومة وتوقيف هذه التجربة.

وفي المقابل فإن جماعة العدل والإحسان كواحدة من كبرى القوى الإسلامية بالمغرب، على رغم انتهاج السلطة لاستراتيجية التضييق والمحاصرة، واستراتيجية التجاهل واللامبالاة، فإنها ما زالت تتبنى نفس القناعات والمواقف، الرافضة للدخول للعملية السياسية في ظل الشروط السياسية الحالية.

العدد 2576 - الجمعة 25 سبتمبر 2009م الموافق 06 شوال 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً