قالت دراسة أعدتها «بوز أند كومباني”، بمناسبة مرور عام على الأزمة المالية العالمية التي اجتاحت العالم في سبتمبر/ أيلول العام 2008، إن دول مجلس التعاون الخليجي استطاعت أن تتفادى الانعكاسات الجسيمةِ للأزمة المالية العالمية إلى حدّ كبير، إلاّ أنّ الأزمة أدركت مواطن الضعف في القطاع المالي. وتزامنا مع تعافي الاقتصاد العالمي، يمكن أن يتخذ المسئولون في دول مجلس التعاون خطوات وإجراءات لتسريع عجلة التعافي وحماية اقتصاداتهم من أيّة اضطرابات مستقبلية.
وعلى رغم تمكّن دول مجلس التعاون من النأي بنفسها إلى حدّ كبير عن تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، إلاّ أنّها لم تكن محصّنة بالكامل ضد الانعكاسات السلبية للأزمة. ومع بدء الاقتصاد العالمي بالتعافي من الاضطرابات المالية التي نجمت عن تداعيات انهيار مصرف ليمان براذرز في سبتمبر 2008، يمكن للمسئولين في دول مجلس التعاون اتخاذ خطوات خاصة بالمنطقة لتسريع وتيرة التعافي، وحماية اقتصاداتها من أزمات مستقبلية محتملة، بحسب الدراسة.
ويعتبر نبيه مارون، وهو شريك في «بوز أند كومباني« أنّ»الأزمة المالية العالمية أبرزت الحاجة إلى مزيد من التنويع في اقتصادات دول مجلس التعاون، كما سلّطت الضوء على مكامن الضعف في النظام المالي، التي تتأتى بشكل رئيسي من معدّلات الاستدانة المرتفعة»، لذا سيتعيّن على دول مجلس التعاون النظر في مجموعة من الإصلاحات الأساسية تعيد تصميم إدارة وحوكمة الشئون المالية والاقتصادية، وذلك للاستفادة من ظاهرة التعافي العالمية وبناء أسس متينة للنمو المستدام.
ولمواجهة الركود الاقتصادي العالمي الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية، اتخذت الحكومات، بما فيها حكومات دول مجلس التعاون، مجموعة من الخطوات والإجراءات غير المسبوقة للتصدي للأزمة وتداعياتها. ويشير ريتشارد شدياق وهو شريك أيضا في «بوز أند كومباني» إلى إنّ «المنطقة بدت في مطلع الأزمة وكأنّها بمنأى عن تأثيراتها، إلاّ أنّه بحلول نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، ظهرت بوادر التأثّر وتبيّن أنّها لن تخرج من العاصفة من دون أيّة خسائر». وقد شهدت الأسواق المالية في دول مجلس التعاون تراجعا متسارعا، كما انخفضت أسعار النفط من نحو 110 دولارات للبرميل الواحد في نهاية الفصل الثالث إلى ما يقارب 40 دولارا للبرميل الواحد، في وقت تقلّصت عمليات التمويل للقطاع الخاص بشكل كبير.
ونتيجة لذلك، تأثّرت بعض الاقتصادات بما فيها دبي والكويت والبحرين بالأزمة بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى بعض القطاعات غير النفطية، وخاصة الخدمات المالية والعقارية والسياحة. ويعتبر جهاد أزعور وهو مستشار تنفيذي أوّل في «بوز أند كومباني” أنّ «المنطقة برمّتها عانت من تداعيات الانكماش الاقتصاد العالمي وتباطؤ حركة التجارة الدولية وانخفاض التدفقات الرأسمالية إلى المنطقة والتراجع الحاد لأسعار النفط، فضلا عن الخسائر الجسيمة التي تكبّدتها الصناديق السيادية.
ومن هذا المنطلق، عمدت دول مجلس التعاون إلى وضع خطط عمل لمواجهة الأزمة، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت عن مجموعة من الإجراءات المالية، وقد اعتبرت الخطة السعودية من الأكبر في العالم نسبة إلى الناتج المحلي القائم، إذ شكّلت 10.3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للمملكة للعام 2008. في المقابل، وضعت دولة الإمارات خطتين بقيمة 120 مليار درهم إمارتي، ما يتجاوز 12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للعام 2008. كما وضعت دولة الكويت تسهيلات بقيمة 5.2 مليارات دولار أميركي صُمّمت للسماح للمصارف بإقراض نحو 13 مليار دولار أميركي خلال سنتين. من ناحية أخرى، اتخذت السلطات النقدية في دول مجلس التعاون خطوات لضخ السيولة في المصارف وخفض تكاليف التمويل وتعزيز الثقة والتخفيف من شروط الإقراض الصارمة.
يمكن قياس وقع الأزمة العالمية على اقتصادات دول مجلس التعاون من خلال ثلاثة أبعاد: الأداء الاقتصادي، استقرار القطاع المالي، والتأثير على القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
في ضوء الانكماش العالمي المرتقب في العام 2009، يتوقّع أن تنخفض معدلات النمو في منطقة مجلس التعاون إلى ما دون 3 في المئة بالمقارنة مع نسب تجاوزت 6 في المئة سنويا خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2008. ولوضع حدّ لهذا المنحى السلبي، عمدت حكومات دول مجلس التعاون إلى رفع مستوى الإنفاق العام لتحفيز الطلب المحلي والحفاظ على مستويات إيجابية للنمو الاقتصادي. كما سحبت الحكومات مساهمات من احتياطاتها ومن صناديق سيادية للحفاظ على الاستقرار المالي وتمويل بعض المشاريع الاستراتيجية.
وأدّى التضخم الهائل الذي ساد خلال السنوات التي سبقت الأزمة إلى إضعاف الأداء الاقتصادي؛ إذ شكّل الخطر الاقتصادي الرئيسي الذي كانت تواجهه دول مجلس التعاون خلال تلك الحقبة. إلاّ أنّ هذا المنحى التضخمي بدأ بالانحسار خلال العام 2009، ما سمح بتخفيف بعض الضغوط التي تواجهها الحكومات في سعيها للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
وعلى رغم تراجع قيم الصادرات النفطية ومشتقاتها، تمكّنت اقتصادات دول مجلس التعاون من الحفاظ على فوائض محدودة في الميزان التجاري والحساب الجاري. في المقابل، سجّلت بعض دول مجلس التعاون انخفاضا في الاحتياطات الخارجية بفعل تراجع التدفقات الرأسمالية التي بدأت بالانحسار منذ مطلع العام 2008. ومن المتوقّع أن يسمح التعافي الجزئي لأسعار النفط في الفصل الثاني من العام 2009 بتحسين الميزان الخارجي لدول مجلس التعاون.
وشكّل التراجع الحاد في الإيرادات النفطية عبئا على المالية العامة؛ إذ أدّى إلى تقليص كبير للفوائض في الموازنات العامة. وتواجه بعض الدول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين إمكانية تحقيق عجز في الموازنة لهذا العام. ويشير مارون إلى أنّ «الزيادة الهائلة في الإنفاق في مرحلة ما قبل الأزمة وبرامج الاستثمار العام التي أطلقت، قلّصت من مرونة موازنات الحكومات وحدّت من قدرة معظم دول مجلس التعاون على لجم الإنفاق”.
أظهرت الأزمة المالية مواطن الخلل في النظام المصرفي في دول الخليج. ففي الكويت والإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، شكّلت الشركات المالية غير المصرفية نقطة الضعف الرئيسية في النظام المالي بسبب نسبة الاستدانة المرتفعة. أما النظم المصرفية الأخرى الأكثر محافظة كالمملكة العربية السعودية، فقد أثبتت قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، سيّما وأنّ الانكماش قيّد النمو الائتماني وحدّ من قدرة المصارف على الإقراض.
وشهدت الأسواق المالية في دول مجلس التعاون تراجعا ملحوظا خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر 2008 وسبتمبر 2009؛ إذ انخفض مؤشر سوق دبي والكويت بأكثر من 50 في المئة. غير أنّ الحكومات، بحسب شدياق، «تدخلت بأشكال عدّة لتلافي الانهيار؛ إذ وضعت قيودا على التداول في الأسواق، وعلّقت البيع بلا ضمان وخفّضت هامش تقلّب الأسعار”. وقد ساهمت هذه التدابير والعودة التدريجية للثقة عند المستثمرين في تعافي الأسواق نسبيا. وانعكس الركود الاقتصادي سلبا على الاستثمارات الجديدة بما فيها تلك في قطاع النفط والغاز. فباستثناء الاستثمارات المبرمجة في المشاريع النفطية ما بعد الإنتاج، تمّ إرجاء بعض المشاريع الكبرى أو حتى إلغاؤها. أما مشاريع ما قبل الإنتاج فيجري إعادة جدولتها للاستفادة من انخفاض تكاليف المدخلات وانحسار الضغوط الناجمة عن التضخم والوفرة في عرض خدمات الطاقة والمواد المطلوبة لتنفيذ هذه المشاريع. وعانت الاستثمارات الخاصة من انعكاسات الأزمة وتداعياتها؛ إذ من المتوقّع أن تنخفض نسبتها من إجمالي الناتج المحلي في العام 2009. فضلا عن ذلك، تأثّرت التكتلات العائلية سلبا بفعل استثماراتها في الأسواق الأجنبية واتساع نطاق عملياتها. ويشير أزعور في هذا السياق إلى أنّ «العديد من الشركات العائلية الكبرى قد يواجه صعوبات مالية بفعل تراجع جودة الأصول المالية وزيادة المخاطر الائتمانية وغياب التركيز على الاختصاصات الرئيسية لهذه الشركات، فضلا عن التوسّع في قطاعات تأثّرت بشدة جراء الأزمة، بالإضافة إلى مستويات المديونية المرتفعة”.
شهدت الشركات العاملة في القطاعات غير النفطية كالعقارات والسياحة - ارتفاعا في الحجم والقدرة قبل الأزمة؛ إذ كانت تعتمد في تمويلها على الاستدانة المفرطة. وقد تأثّر القطاع العقاري في دول مجلس التعاون بشدّة نتيجة انخفاض الطلب وتراجع الأسعار. أما بالنسبة إلى قطاع السياحة، فتشير آخر توقعات منظمة السياحة الدولية إلى انخفاض عدد السياح الدوليين القادمين إلى منطقة الشرق الأوسط بنسبة 18.1 في المئة في العام 2009. كما سجلّت حركة الفنادق في منطقة مجلس التعاون تراجعا في الإيرادات وانخفاضا في معدلات الإشغال.
ويتوقّع أن تشهد دول مجلس التعاون تعافيا اقتصاديا ميسّرا مع التحسّن التدريجي للاقتصاد العالمي واستقرار أسعار النفط بين 60 دولارا و95 دولارا للبرميل الواحد في العام 2010. ويقول مارون إنّ «تحسّن مستوى الطلب على النفط سيسمح لدول مجلس التعاون بتعزيز ميزانها المالي والخارجي وإعادة بناء احتياطاتها الخارجية.
وما زالت التوقعات الاقتصادية الإيجابية للمنطقة تواجه مجموعة من التحديات، ما يتطلّب من المسئولين في دول الخليج إرساء توازن صحيح بين النمو والاستقرار الاقتصادي الكلي.
وفي الأمد المنظور، ستعتمد المنطقة على بعض المعطيات لضمان استدامة نموّها: تطوّر أسواق النفط وأسعاره وتعافي الطلب العالمي والنتائج الإيجابية لبرامج الدعم وخطط تفعيل الاقتصاد. فضلا عن ذلك، سيبقى تعافي اقتصادات دول مجلس التعاون الخاصة مرهونا بعودة الأسواق المالية في المنطقة إلى طبيعتها. ويبقى الأهم من ذلك كلّه الحاجة إلى إصلاحات هيكلية في السياسات العامة لاستعادة معدلات النمو التي سجلّت في السنوات الماضية ولحماية اقتصادات الخليج من أيّة اضطرابات مالية مستقبلية. وسيتعيّن على صانعي القرار توسيع وتسريع جهودهم الرامية إلى تحقيق مستوى أكبر من التنوّع الاقتصادي. ويقول أزعور: «بالإضافة إلى ذلك، ستحتاج دول الخليج إلى إعادة تفعيل الأجندة الإصلاحية واعتماد ممارسات حديثة للإدارة المالية والسعي إلى تنفيذ المشاريع الاستثمارية الملحة في مجال الإصلاحات الاجتماعية”.
للاستفادة من التعافي الاقتصادي المرتقب، يجب أن تعيد دول مجلس التعاون تصميم نموذج جديد للنمو بموازاة العمل على المحافظة على الاستقرار المالي.
ويتعيّن على صانعي القرار إعادة تحديد موقع اقتصاداتهم للاستفادة من التعافي الاقتصادي العالمي عبر اجتذاب استثمارات جديدة إلى القطاعات الاقتصادية غير النفطية والصناعية وقطاعات الخدمات ذات القيمة المضافة العالية. كما يتوجّب عليهم تحسين مناخ الاستثمار من خلال تطبيق الأنظمة والتشريعات الملائمة والمحفّزة للشركات ووضع أجندة التنافسية على المستوى الوطني لتحديد القطاعات الاقتصادية الأكثر ملاءمة من ضمن إستراتيجيات اقتصادية شاملة. كما يجب العمل على تقليص احتمال ظهور جديد للتضخم الداخلي وكذلك تحديث إدارة المالية العامة للمحافظة على الاستقرار المالي. وهذا يتطلّب إطارا أكثر فعالية للحكومة والإدارة المالية بالإضافة إلى نظام الموازنة وتعزيز حوكمة المؤسسات العامة والشركات المملوكة من الدولة وإصلاح نظام المناقصات العامة. كما يمكن للحكومات تحسين إجراءات تنسيق السياسات للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ويشرح شدياق أنّه «يجب تسريع تنفيذ الوحدة النقدية المقترحة لحماية اقتصادات دول مجلس التعاون من تقلبات العملة والحفاظ بشكل أفضل على الاستقرار المالي للدول الأعضاء وضمان عمق الأسواق المالية وتوفّر السيولة. ويتعيّن على صانعي القرار في دول مجلس التعاون إدخال مجموعة شاملة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز إطار حوكمة القطاعات المصرفية والمالية وتعزيز التنسيق بين الجهات الناظمة والمسئولة عن هذه القطاعات. كما يسعهم في الأمد المتوسط توسيع الأسواق المالية من خلال إدخال تدريجي لأدوات جديدة بهدف توسيع خيارات التمويل وتعميق السيولة في الأسواق، فضلا عن تفعيل قطاع التأمين من خلال تحديث إطاره التنظيمي، وبالتالي توفير مصادر إضافية لتمويل التنمية الاقتصادية.
وفي ظلّ المرحلة الراهنة التي تتسّم بشحّ في السيولة، يمكن لدول مجلس التعاون إرساء بيئة تنافسية تسمح لهم بالنهوض مجددا من خلال الاستثمار في قطاعات واعدة تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة بالإضافة إلى القطاعات الابتكارية التي تساهم في تعزيز المزايا التنافسية. فضلا عن ذلك، تتّسم صياغة مجموعة جديدة من السياسات ووضع إطار مؤسسي وتوفير البنية التحتية اللازمة للاقتصاد بأهمية كبيرة لدعم تنمية المؤسسات المتوسطة والصغيرة التي تشكّل محركا مهما للنمو ومصدرا واعدا للتوظيف. ويضيف مارون «بموازاة ذلك، يجب على صانعي السياسة إعادة النظر في الإطار التشريعي لتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص واستخلاص العبر من الأزمة”.
كما ينبغي أن تسرّع الحكومات عجلة الإصلاحات الهيكلية والاجتماعية الأساسية ومراجعة أولويات الاستثمار العام في ضوء التحديات التي برزت من جرّاء الأزمة. ويتعيّن على صانعي السياسة في الخليج الاستثمار في البنية التحتية الإقليمية على نحو خاص لزيادة الاندماج الاقتصادي بين دول الخليج والاستفادة من الأسواق الجديدة والواعدة. ولابد من إيلاء أهمية خاصة لاستمرار التحرير الاقتصادي وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
على رغم انطلاق مسيرة التعافي، تبقى معظم دول العالم مهدّدة بمواجهة اختلالات اقتصادية وتأثيرات سلبية على نظمها الاجتماعية وأوضاعها المعيشية. بالمقابل، تأثّرت اقتصادات دول مجلس التعاون بشكل محدود جرّاء الأزمة وانعكاساتها، بفعل اندماجها المحدود في النظام المالي العالمي والتعافي السريع لأسعار النفط والإجراءات التي اتخذتها الحكومات لمعالجة آثار الأزمة. غير أنّ مواطن الضعف في الإدارة المالية والاقتصادية التي ظهرت خلال العام الماضي تستلزم صوغ سياسات فاعلة للحد من المخاطر الاقتصادية وحماية دول مجلس التعاون من صدمات اقتصادية معاكسة في المستقبل.
وعلى رغم آفاق النمو الواعدة على الأمد المتوسط والطويل، يتعيّن على حكومات دول مجلس التعاون تسريع عجلة الإصلاحات الهيكلية المتعددة التي أطلقتها خلال السنوات الماضية والتركيز خصوصا على توطيد الاستقرار المالي الكلي.
العدد 2590 - الخميس 08 أكتوبر 2009م الموافق 19 شوال 1430هـ