اكتسبت تحركات الضباط العراقيين السابقين في الجيش العراقي المنحل بعدا جديا، فبعد أن كانت تتخذ شكل مظاهرات احتجاجية في بغداد باتت تنتقل إلى مدن أخرى مثل الرمادي والناصرية والبصرة، ويرجح أن تتسع أكثر لتشمل مدنا أخرى.
وهذه التحركات على ما يبدو لم تعد تكتفي في إطار التظاهر الاحتجاجي السلمي المندد بحل الجيش العراقي والمطالبة بعودة منتسبيه إلى ثكناتهم ودفع رواتبهم وحقوقهم. بل إنها تحولت إلى مظاهرات تحذيرية لا تخلو من التوتر مع الاحتلال. ومشهد المظاهرة التي شهدتها الرمادي - رفعت خلالها صور صدام حسين - يؤكد مثل هذا التحول. وهذا ما جعل القوات الأميركية تتعامل بعنف لتفريق تلك المظاهرة.
وفيما بدت المظاهرة المماثلة للعسكريين في بغداد اقل استفزازا، فانها في واقع الحال لم تكن أقل في مغزاها المعبر عن البعد المتطور في تحركات منتسبي الجيش العراقي المنحل.
فالتحذيرات التي أطلقها المتظاهرون من استعدادهم إلى اعتماد الخيار العسكري ما لم يستجب إلى مطالبهم، إنما في جوهرها لا تشكل فورة عابرة تعبر عن مجرد الاحباط والسخط. ويكفي النظر إلى المطالب التي حملها المتظاهرون ليتأكد المرء من ذلك الجوهر. فالمطالب تجاوزت إعادتهم إلى ثكناتهم العسكرية والدفع الفوري لرواتبهم لتتجه نحو المطالبة بالاسراع بتشكيل حكومة عراقية انتقالية والتوقف عن منح العقود النفطية والتجارية واعتبارها غير شرعية... ووصلت إلى تحذير الشركات العالمية من التعامل مع سلطة الاحتلال.
وواضح أن القرار الذي أعلنه الحاكم الإداري بول بريمر بخصوص تشكيل جيش عراقي جديد لا يبدو انه سيقلل من سخط هؤلاء الضباط ونوابهم وجنودهم الغاضبين، وذلك إداركا منهم أن الجيش الذي وعد بريمر بتشكيله خلال الشهر الجاري لن يستوعب معظم أفراد الجيش السابق. فبريمر نفسه قال إن عدد ذلك الجيش لن يكون قوامه أكثر من أربعين ألف عنصر وهذا يمثل 10 في المئة من تعداد الجيش السابق الذي كان قائما قبل سقوط بغداد في 9 أبريل/ نيسان. واكثر من ذلك ان هذا الجيش الجديد لن يكون سوى اداة طيعة بيد القوات الأميركية. وهناك شكوك أصلا في تشكيل هذا الجيش وفي الموعد المحدد.
وما يؤكد ان قرار بريمر الاخير لن يشكل مانعا دون تطور الأمور باتجاه معاكس إلى رغبة الأميركيين هو محاولة بعض منتسبي الجيش السابق تنظيم قواهم والانتقال إلى تحدي الاحتلال، فقد تم الثلثاء الماضي توزيع منشور وعلى نطاق واسع في بغداد حمل توقيع جيش تحرير العراق (جيش محمد)، دعا العراقيين إلى الابتعاد عن جنود العدو ومعداته تجنبا للضربات.
وطلب المنشور من العراقيين توفير غطاء للمجاهدين. ابتدأ المنشور بقسم بالله العظيم بجعل حرب تحرير العراق «حربا جهنمية يشيب من هولها الاميركان». وخاطب المنشور الذي حصلت «الوسط» على نسخة منه العراقيين «أنه كل يوم يمر هو ليس في صالحكم ولكنه في صالح العدو الأميركي البريطاني الصهيوني والخونة الذين جلبهم معه لكي يستعبدوهم من جديد».
وعلى رغم أن معظم التقييمات عزلت بين المظاهرات الاحتجاجية لمنتسبي الجيش العراقي السابق وهذا المنشور، فإنه مع ذلك يعتقد على نطاق واسع أن مثل هذه المنشورات تأتي لتستثمر اجواء السخط وتحاول أن تنظم جهود الساخطين ومحاولة توظيف طاقاتهم من قبل النظام السابق الذي على ما يبدو لايزال ينازع من اجل محاولة إثبات وجوده.
اثار هذا المنشور ردود فعل متباينة من جانب العراقيين واعتبره البعض أنه من كتابة عناصر النظام السابق
العدد 273 - الخميس 05 يونيو 2003م الموافق 04 ربيع الثاني 1424هـ