العدد 273 - الخميس 05 يونيو 2003م الموافق 04 ربيع الثاني 1424هـ

كيف نساعد ضحايا التعذيب؟

لقد اكتشف المتخصصون أنه بالإمكان مساعدة ضحايا التعذيب من خلال طرق معينة وذلك منذ منتصف السبعينات. وطورت قواعد معينة بواسطة المنظمات المعنية بمساعدة ضحايا التعذيب، وذلك من أجل معالجة مشكلات عدة يعانيها ضحايا التعذيب. وأهم هذه القواعد أنه ينبغي أن تدرس حالة الضحية كاملة أي أن تغطى المشكلات الجسدية، والنفسية، والاجتماعية، والقانونية والروحية لدى الضحية.

عمل بعض المساعدين

الاستشاريين في الدول موطن الضحايا

بعضهم عمل بمفرده وآخرون في فرق صغيرة وتختلف الوسائل أيضا، ويتأثر العمل عادة بقضايا الاضطهاد السياسي التي يصعب حلها، وهي تعرض الضحية بالإضافة إلى المساعدة للتهديد. في بعض المناطق من العالم، هناك منظمات صغيرة غير حكومية، لديها عدد قليل من العاملين المتطوعين المخلصين الذين يساعدون ضحايا التعذيب.

الأزمة

يشهد جميع الناس أزمة في حياتهم. لذلك فالضغط والأزمة ليست أمورا يتعرض لها العاملون فحسب ولكن يشهدها جميع البشر. انها جزء من التطور الصحي العادي أن يمر الإنسان من خلال حوادث مضطربة معينة، ربما تكون هذه إيجابية لأنها جزء من النضج للتغلب على الضغوطات. انها تجعل المرء فخورا بالتغلب على العقبات، وتمنحه شخصية إيجابية واحتراما ذاتيا. إذا الأزمة، حادثة حياتية مهمة، تمنح تطورا إيجابيا أو سلبيا محتملا إما نمو أو ركود وارتداد.

أثناء الأزمة يحاول الشخص أن يتأقلم مع وضع جديد وصعب، وأثناء القيام بذلك يتفاعل بطريقة مختلفة عن سلوكه الاعتيادي. فهناك عدد من الأوضاع ربما تثير أزمة. بعضها جزء من التطور في الحياة الانسانية العادية مثل فقدان محبوبين للفرد، فقدان أو تغيير عمل، تهديد للشخص أو أسرته، تغيير في الدور الاجتماعي أو الدخول في مرحلة حياة جديدة مثل الدخول في سن البلوغ أو الزواج أو أن يصبح المرء أبا. بعض الحالات مؤلمة مثل فقدان شريك الحياة في حادثة.

وكما أن هناك اختلافات في الأمور التي تسبب أزمة هناك درجة في حدة الآلام التي تثير أزمة. إذ ان هناك اختلافا نوعيا بين ألم فقدان زوج في حادث سيارة وألم الاجبار على مشاهدته يعذب حتى الموت.

عندما تصبح الأزمة المؤلمة شاملة وحادة خارج توقعات الإنسان عندها يمكن للمرء أن يشهد تفاعلات طويلة المدى وقاسية، وهي المصنفة بأنها اضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة.

اضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة

هي فترة نفسية تغطي تفاعلات ضغط حاد مشهود باستمرار لدى أشخاص تعرضوا لآلام غير عادية وغير متوقعة. ويغطي مبحث الأعراض سلسلة أعراض مثل الميول لاستعادة الحدث المؤلم بطرق متعددة مثل الهواجس والكوابيس أو التفكير باستمرار في الحدث، وتجنب الإثارة التي ربما ترتبط بالألم مثل تجنب الأماكن، الأشخاص أو الأفكار التي تذكر الضحية بالحدث أو الإثارة الزائدة، والذي يعني تطورا وتفاعلا فسيولوجيا ونفسيا ربما يجعل من الصعب على الشخص مقاومته.

ويمكن أن يتطور مبحث الأعراض لاضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة عندما تفشل جهود التأقلم مع سلوك عادي. ويمكن أن تكون الأعراض ملطفة أو حادة. وربما تستمر فترة قصيرة أو طويلة، أحيانا تظهر الأعراض بعد مدة طويلة من الحادثة. الأمثلة النموذجية لهذه الحالات، أسرى الحرب السابقين أو ضحايا معسكرات التعذيب الذين يطورون أعراضا مثل الهواجس والقلق لفترة طويلة بعد اطلاقهم من السجن. هذه الأعراض يمكن أن تتفاقم بواسطة حوادث كثيرة مثل ذكريات المناسبات، بواسطة المشاهدة أو الشم التي تذكر الضحية بالتجارب السيئة. ويمكن أن ترتفع تلك الأعراض في ارتباطها مع أزمة الحياة الاعتيادية والتي تجعل المرء أكثر عرضة ومن ثم ربما يتأثر بذكريات الآلام القاسية تلك.

الأفراد الذين يشهدون أعراضا معتدلة أو متوسطة يمكن مساعدتهم من خلال الاستشارة والنصح، ولكن ربما تكون الأعراض أحيانا حادة ويصبح الضحية مريضا يحتاج علاجا بواسطة خبير.

في حالة بدر (25 عاما) من دولة شرق أوسطية الذي يعاني من أعراض حادة لاضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة، مع درجة عالية من الاثارة، ومشكلات في النوم، وكوابيس خوف متكرر. عندما جاء أولا إلى عيادة طبية للمساعدة، كان يتصرف بقلق وغضب. إذ يصرخ في موظفي الاستقبال وأيضا في الشخص الذي يريد مساعدته، غير راض عن أي شيء، في الوقت نفسه تجده متعبا للغاية ولا يستطيع التحدث مع الطبيب. أعطي بدر علاجا طبيا ما جعل من الممكن مساعدته بالتخاطب. التشخيص، للاضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة، محاولة حديثة لتصنيف العواقب النفسية بعد آلام حادة. قبل ذلك كثير من الأعراض الأخرى معتادة مثل «صدمة القذائف»، «العصاب المؤلم» أو «عصاب الحرب».

التعرف على ضحية التعذيب

يجب على المساعد الاستشاري التعرف على من يريد مساعدته، فليس كل أولئك الذين يحتاجون مساعدة يطلبونها. كما أن أولئك الذين يطلبون المساعدة يشتكون فقط من المشكلات الجسدية، ربما لا يصفون آلامهم أو مشكلاتهم النفسية أو الاجتماعية. إذ الأعراض، التغيرات أو المشكلات السلوكية تكون فجائية.

إذا عرف المساعد الاستشاري الشخص قبل الحادثة سيلاحظ تغييرات دراماتيكية في مظهره، سلوكه وشكاويه. إذا لاحظ المساعد الاستشاري هذه التغيرات، عليه أن يستمع بعناية إلى الشكاوى وأن يسأل أيضا فعليا عنها. إذا أعطى الشخص تلقائيا أو بناء على طلب، شكاوى عدة فإن الفرص ستكون واضحة لتصنيفه على أنه ضحية تعذيب في حاجة إلى مساعدة.

يكون مظهر الضحية عادة معلما بوضع «سيئ» مع كتفين إلى أعلى ورأس إلى تحت وكأنه يقوم باعتذار لوجوده. يظهر الضحية حزينا وفي حالات كثيرة هناك قليل من الاتصال بالعين. تحدث هذه التغيرات في المظهر بواسطة تدني احترام الذات، انعدام الثقة في الآخرين والألم الجسدي. ويستطيع مساعد الضحية ملاحظة آثار أو جروح التعذيب أو علامات واضحة أخرى لمشكلات جسدية مثل فقدان أطراف أو إعاقة.

يعتبر الضحية في حالات كثيرة متطوعا سهلا في وصف المشكلات الجسدية مثل الألم وخصوصا الصداع، وجع في القلب، ألم في الفكين، آلام بطن، وآلام معينة أخرى. ربما تكون هناك شكاوى توتر في أجزاء متعددة من الجسم.

كثير من الضحايا الذين في حاجة إلى مساعدة ليسوا متطوعين تلقائيين للأخبار عن تجربتهم أو مشكلاتهم النفسية أو الاجتماعية. المساعد الاستشاري الماهر يتعرف على ضحية التعذيب من خلال ملاحظة السلوك، الاستماع إلى الشكاوى وبطرح أسئلة عن مشكلات نفسية واجتماعية. عندما يتم التعرف على ضحية التعذيب عندئذ يمكن أن يمنح المساعدة الملائمة.

يعتمد نوع المساعدة النفسية التي يحتاجها مثل هؤلاء الأشخاص على حدة المشكلات. فإذا كانت قاسية للغاية عندئذ يجب أن يعرض الضحايا على الأطباء النفسيين أو أطباء الأمراض العقلية. لذلك يحتاج المساعد الاستشاري أيضا أن يعرف أوجه القصور للمساعدة من خلال دراسة الحالات والاستشارة.

عندما يكون النصح غير كافٍ

أحيانا يكون تقديم النصح والاستشارة غير كاف، لأن التفاعلات تكون حادة وتستمر فترة طويلة للغاية.

عندما تستمر علامات وأعراض الاضطرابات ما بعد الأزمة المؤلمة لفترة طويلة أو تصبح حادة إلى درجة لا يستطيع الضحية أن يعمل بشكل سليم. هنا يكون النصح والاستشارة غير كافيان إذا أحس المرء بحزن عميق لفترة طويلة ولم يساعد التحدث معه.

عندما يرى الضحية أشياء ليست واقعية (الهلوسة)، يصبح قلقا ويفعل أشياء غريبة. وعندما يسمع الضحية أصواتا ليست موجودة فإن ذلك يجعله يفعل أشياء غريبة وخطيرة. الشعور بالخوف من أشياء غير حقيقية مثل الاحساس بأن كل شخص ضده أو يريد أن يقتله. الحركة المفرطة والتحدث الدائم أيضا يصعب أن يوقف.

النوبات الصرعية

ربما يسبب جرح في الرأس نوبة صرعية. الشرب المفرط للكحول من أجل نسيان المشكلات يمكن أن يكون صعبا على المساعد الاستشاري أن يقدم معه حلا مفيدا من دون مساعدة طبيب أو شبكة داعمة. ادمان المخدرات يمكن كشفه بواسطة العلامات الآتية: القلق، الكلام المتمتم وأحيانا الافراط في انفاق النقود. إن الإنسان الذي يستخدم المخدرات من أجل نسيان الشعور المؤلم تصعب مساعدته بواسطة الاستشاري.

يعرف مساعد الضحية الاستشاري عندما يصل إلى حدود مقدرته، وعندما تكون مهارات نصه غير كافية لمساعدة الضحية. لا يعني هذا أنه يجب أن يحول ضحية التعذيب إلى شخص آخر مثل خبير، لأن هذا الخبير ربما يكون غير متاح، أو ربما يفزع الضحية ولن يذهب للمساعدة. لذلك يكون للمساعد الاستشاري عدة احتمالات. إذ يمكن أن يذهب إلى زملاء ويناقش معهم المشكلة من أجل فهم أفضل لضحية التعذيب. في بعض الحالات يمكن أيضا أن يغير أهداف دراسته من أجل السعي إلى أهداف مكتسبة واقعيا. مثلا، ضحية التعذيب اليائس الذي يعزل نفسه يمكن أن يخرج عن عزلته بواسطة زيارات منزلية وتدريب على الاتصال والتواصل مع الآخرين من خلال مهارة التدريب. مثل هذا الفعل لا يوجه نحو تجارب التعذيب ولكن يمكن إجراؤه في وقت لاحق عندما يشعر الشخص بالتحسن.

نظام المساعدة

سواء يعمل مساعد ضحية التعذيب وحده أو في فريق عمل، فإنه عادة يكون جزءا من نظام مساعدة على نحو واسع. في المناطق المضطربة بالحروب والعنف الآخر تكون هناك حاجة إلى شبكة من أشكال المساعدة المختلفة. فالحروب وأعمال العنف تعرقل حياة ملايين البشر في جميع أنحاء العالم. فالبنيات الأساسية في المجتمع تتدهور مثل الحكومات، المصانع، المدارس والمنازل وغالبا يكون هناك انعدام غذاء، ومأوى وصحة. وتكون المشكلات النفسية التي تحل بمثل هذا المجتمع كثيرة ومتعددة.

وكما أن هناك درجات في حدة الأذى، هناك مستويات متعددة أو طرق مساعدة. ومن ثم يكون المساعد الاستشاري جزءا من نظام مساعدة كبير يمكن أن يمنح مساعدة بمستويات مختلفة، مستوى المجتمع يهتم باحتياجات أساسية مثل الغذاء والمأوى والرعاية الطبية، مساعدة من أجل انشاء بنيات المجتمع بالإضافة إلى تقديم نصح لأفراد، وأسر ومجموعات من ذوي المشكلات النفسية والاجتماعية.

دور المساعد الاستشاري في النظام

مقدرة الأفراد على التأقلم مع التجارب المماثلة ليست متساوية، فالبعض يعالجون بمساعدة جيرانهم والأسرة، أو بأنفسهم بينما آخرون يحتاجون النصح والاستشارة وفي بعض الحالات يحتاجون علاجا بواسطة خبراء.

عندما تكون الآلام قاسية، مثل التعذيب، عندئذ يتفاعل كثير من الأفراد مع الأعراض ويكونون في حاجة إلى المساعدة من الآخرين من أجل أن يستطيعوا استعادة معنى لحياتهم. لذلك ينتمي ضحايا التعذيب وأطفالهم إلى مجموعات أشخاص في خطر شديد لتطوير مشكلات خطيرة طويلة المدى إذا لم يمنحوا اهتماما خاصا، وتتضمن المساعدة المطلوبة جميع مستويات نظام المساعدة وتوسطات نفسية.

- مشكلات القلق: يمكن علاجها بواسطة التشجيع والتسلية والتفاعل الاجتماعي روتيني مع شبكة الأسرة والأصدقاء والمجتمع المحلي، ويكون الألم غير حاد.

- مشكلات الاضطراب: تلك تحتاج إلى تدخل أكبر من ذلك الممنوح بواسطة الأسرة والأصدقاء. نوع المساعدة يمكن أن يكون تقديم النصح والاستشارة، والآلام غالبا حادة. تفاعلات الاضطراب مثل الأعراض الملطفة والمتوسطة للاضطراب ما بعد الأزمة المؤلمة، وتتضمن الهواجس واضطرابات النوم، انعدام التركيز والذي يؤثر في الحياة اليومية للفرد.

- مشكلات الإعاقة: هي المشكلات الحادة وطويلة المدى التي تحتاج مساعدة خبير.

ما يمكن القيام به:

مستويات التدخل النفسي:

مشكلات القلق بواسطة المواساة.

مشكلات الاضطراب: الدراسة وتقديم النصح.

مشكلات الإعاقة: مساعدة خبير.

خصائص المساعد الاستشاري:

- التعاطف: التعامل مع جذور المشكلة ودراسة حياة الضحية وتجاربه بعمق وتعاطف.

- الاستبطان: فحص أفكاره ودوافعه ومشاعره.

- المعرفة الذاتية: أن يعرف معرفة كاملة بمصادره ونقاط الضعف في عمله.

- الاحترام: احترام الضحية مهم وفي الغالبية من خلال الأفعال وليس الأقوال.

- المثابرة: أن يقدم مساعدته في وقت محدد.

- احتواء الألم: كمساعد استشاري، يجب أن يكون غير مرهق ومتوتر على نحو مفرط من أجل الحماية الذاتية.

- السرية: يجب أن يحترم مقدم المساعدة السرية لأسباب كثيرة، أولها من أجل أمن ضحية التعذيب الذي تعرض لعنف غير عادي ومن أجل تقديم نصح فعال، ولأن احترام السرية يخلق الثقة بين المساعد وضحية التعذيب.

ما المساعدة الاستشارية؟

هي علاج بالتحدث والنصح وتقديم الاستشارة، انها مساعدة داعمة تدريجية وبناءة للغاية. تعتبر كل خطوة مادة داعمة مخططة ومكتوبة في شكل كتيبات يمكن استخدامها عندما ينصح المساعد الاستشاري الضحية بما يفعله عن مشكلات عامة بعد التعذيب أو أنواع العنف الأخرى. تطبق المساعدة وفقا للموارد المتاحة أي وفقا للحالة النفسية والطبيعية لضحية التعذيب ومعرفة ومهارات المساعد الاستشاري

العدد 273 - الخميس 05 يونيو 2003م الموافق 04 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً