كان الجو حارا يبعث على الخمول والكسل، وينتشر في الساحة الخارجية طلبة يسارعون إلى دخول المبنى الأكاديمي المكيف لتقديم امتحاناتهم النهائية وخوفا من الاحتراق بألسنة نيران الشمس الملتهبة التي تنعكس على رمال الصحراء خلفي، وأمامي مشوار لبلوغ المباني الأكاديمية.
مواقف السيارات فسيحة، ويتشكى الطلبة من أنها بعيدة عن الفصول الدراسية. المواقف منظمة وواسعة ولا أظن أن طالبا واحدا لن يسعفه أن يجد موقفا لسيارته الفارهة الشبح أو المتهالكة القديمة التي تتمايل يمينا وشمالا، وكثيرا من الطلبة لا يحتاج إلى هذه المواقف؛ لأنه سيستخدم المواصلات العتيقة غير المكيفة التي توفرها الجامعة (غالبيتها صناعة شركة تاتا). وأخيرا اشترطت الادارة الجامعية لتكييف الباصات تعاون الحكومة وبموازنة خيالية تتعدى قيمتها ملايين الدنانير.
كنت أسير على عجل في أحد ممرات جامعة البحرين متوجها إلى مقابلة أحد الأساتذة الجامعيين الذي سينهي مراقبة على احدى قاعات الامتحان؛ وذلك من أجل الاعداد لتقرير صحافي للصفحة عن الحياة الجامعية في أثناء الامتحانات.
حين هممت بدخول أحد المباني، لفتني وجود موظفات أنيقات يجلسن بأدب عند طاولات متفرقات وتبرز أمامهن لافتة صغيرة مكتوب عليها (الارشاد والتوجيه)، ويقمن بتوجيه الطلبة إلى قاعات الامتحانات، وخلفهن لوائح ارشادية ترشد الطالب إلى أن يتناول في وجبة الفطور بيضة مقلية مع الجبن والعسل ويشرب كوب حليب قبل مجيئه إلى الجامعة، وألا يستخدم الموبايل في قاعة الامتحانات أو يحاول الغش فإن العاقبة ستكون وخيمة... حينها عرفت الدور الذي تقوم به دائرة الارشاد والتوجيه في عمادة شئون الطلبة.
يخبرني أحد الطلبة وهو يمسك بمجموعة من الكتب الدراسية ويستعد لدخول قاعة الامتحان أنه استفاد كثيرا من ارشاد الموظفة لقاعة الامتحان لكنه كان يأمل دورا أكبر لهذا القسم في هذه الفترة الحساسة من الفصل الدراسي. يقول لي: «هل الارشاد يعني التوجيه المباشر لسلوكنا؟ أليس من الأفضل أن تنشط هذه الدائرة طيلة أيام الدراسة وتكثف من وعيها وارشادها للطالب بأهمية الدراسة والنشاط الطلابي وليس الاقتصار على لوحات جميلة ووردية».
ويدخل فوج من الطلبة احدى قاعات الامتحان... أخذني الفضول ودخلت احداها. الطلبة يتزاحمون للجلوس في مواقع محددة وبجانب الطلبة «الشطار» كما أسموهم. بعض الطلبة كان محصنا بمجموعة من الأوراق الصغيرة (البراشيم) خبأها في سترته، والبعض الآخر كان يكتب على لوحة الطاولة.
يخبرني أحد هؤلاء الطلبة الذين لا يرتدعون عن فكرة الغش بأنه سيستمر في هذا النهج مادامت قاعات الامتحانات غير مجهزة بكاميرات رقمية للمراقبة، وتساهل بعض الأساتذة لحدوث عمليات الغش. ويقول: «لم أجهد نفسي طيلة الفصل الدراسي، ومن الصعب الالمام بالكم الهائل من المعلومات». ويبرر أنه لا يعتمد على جميع القصاصات بشكل رئيسي، وانما سيلجأ اليها اذا اقتضت الحاجة.
طالب آخر برر أن الطالب قد يتجه أو يفكر بالغش اذا وجد أن استاذه يعتمد على حفظ المادة، ولا يدع مجالا للطلبة للابداع والتفكير والاجابة بطريقتهم الخاصة. ولا يعتبر هذا الطالب أن هناك مسوغا للغش مهما تعددت الأعذار فـ «الغش حرام في الإسلام».
وحين دخل المراقب انسحبت من القاعة وخرجت لأواصل مسيري إلى الشأن الذي قدمت من أجله.
لاحظت وجودا محمودا لرجال الأمن الذين يتعاملون هذه المرة بلطافة ولباقة ويساهمون في ارشاد الطلبة إلى قاعات الامتحان ويهدئون من روعهم.
قال لي أحد رجال الأمن وشدد على ألا ينشر اسمه خصوصا بعد معرفته أنني صحافي: «تعلم أنه بعد اقالة ضابط الأمن واستبدال رجل مدني آخر مكانه تغير الوضع للأحسن في الجامعة كثيرا، وصرنا أكثر ليونة في التعامل مع الطلبة».
وحتى عند دخولي الجامعة لاحظت تخفيف الاجراءات الأمنية، وهذا ما سيوفر للطلبة والأكاديميين حضورا وفاعلية في أدائهم وعطائهم ويقلل من الأجواء التي اصطبغت بها الجامعة أثناء فترة التسعينات.
بلغت غرفة صديقي الأستاذ الجامعي (ع.ح) وتفاجأت بوجود عشرات من الطلبة ينتظرونه ويودون مقابلته. واستغرق الأمر طويلا حتى يتفرق هؤلاء الطلبة. سألت أحدهم: «ماذا تفعلون هنا؟». أجابني: «نسلم مشروعاتنا ونناقش الأستاذ ويقيم هذه الأعمال...». لم أستغرب مقولة هذا الطالب والكشوفات لدي تقول إن هناك فصولا دراسية يبلغ فيها مجموع الطلبة حوالي 35 إلى 40 طالبا، ويشتد الأمر سوءا حين يصطدم المدرس بهذا العدد المرتفع في مقرر عملي.
بعد أن اعتذر لي صديقي (ع.ح) - الذي امتنع عن نشر اسمه بسبب ما اسماه قيودا جامعية - عن تأخره وانشغاله مع طلبته، يخبرني: «يعيش الأستاذ الجامعي تحديا ورهانا في تغيير مفهوم ونظرة الطالب الجامعي إلى الدراسة الجامعية إذ كثير منهم يدرس من أجل الامتحان فقط وليس لبناء ذاته». ويوضح لي أن ذلك يسبب ما أطلق عليه «هوة» بين الطالب والعلم، ويلاقي الطلبة صعوبات في هذا الجانب أثناء الامتحانات وعدم قدرتهم على التكيف مع معلومات تتجدد وليست جامدة كما يتصورون.
وينصح (ع.ح) طلبة الجامعة بأن يبتعدوا عن الغش نهائيا؛ «لأنه يقلل من شأن الطالب، وليس من صفات طالب العلم، ووسيلة ضعف لا قوة».
الطالب سلمان الحداد التقيت به في احدى الاستراحات وهو يستعد لدخول امتحان اللغة الانجليزية يقول: «الامتحانات تسير بشكل منتظم، ولم أجد أية صعوبة تذكر في تقديمها».
ويأمل الحداد في أن يعي الطلبة أهمية هذه المرحلة ويستثمروا وقتهم جيدا في المذاكرة ليقضوا بعد ذلك «عطلة ينعموا فيها براحة البال».
وبعض الطلبة يقضي وقت المذاكرة قبل دخوله الامتحان في الكافتيريا. ولا توجد حتى الآن مطاعم جيدة للطلبة بمستوى ما هو موجود خارج الجامعة. بعضهم يفرش كتبه الدراسية وبجانبه «الساندويتش» والعصير، ويتشاور مع زملائه الطلبة في مسائل دراسية. يقول الطالب محمد عبدالله: «نحاول الاستفادة من وقتنا قدر الامكان والاطلاع ولو بشكل سريع على مذكرات مركزة كتبناها مسبقا». ولا أعلم اذا كان الجو في الكفتيريا يساعد حقا على المذاكرة فالضجيج يملأ المكان. والمكتبة - الاستراحة العلمية للطلبة - كانت هي الأخرى غير مشجعة على الدراسة وعكس ما توقعت. فالمكان غير هادئ ولا يلتزم بعض الطلبة باللوحة المعدنية الحمراء الكبيرة والمكتوب عليها: «الرجاء الهدوء».
وتوفر المكتبة عشرات الطاولات المغلقة (الديسك) التي توفر للطالب فضاء خاصا للمذاكرة، وغرفا خاصة للدراسة الجماعية.
وتشاهد في المكتبة في بعض الأوقات رجال الأمن وهم يأمرون الطلبة بالتزام الهدوء وعدم احداث فوضى. ويوضح أحد الطلبة أن المكتبة لم تعد المكان المناسب والمفضل لديه للمذاكرة، وأنه يزورها فقط في حال رجوعه إلى مرجع علمي أو كتاب متعلق بالدراسة. وبعض الطلبة لا يتردد في استخدام الموبايل وازعاج جيرانه الآخرين من الطلبة.
خرجت من المكتبة، وفي طريقي إلى مواقف السيارات لمغادرة الجامعة وتحرير هذا التقرير الصحافي، شاهدت بعض الطلبة وهم يلقون مذكراتهم الدراسية، وتصعد الريح بأوراق علمية متطايرة لم يكن يتصور مؤلفوها أنها ستكون بهذا الشكل يوما ما
العدد 276 - الأحد 08 يونيو 2003م الموافق 07 ربيع الثاني 1424هـ