قدم وزير المالية البريطاني غوردون بروان أخيرا تقييمه للتجارب الخمس المتعلقة بانضمام بريطانيا إلى منطقة اليورو، ووصفها بأنها «أحدثت تقدما ولكنه ليس مكتملا بعد». وأضاف انه في العام المقبل سيجري بعض التغييرات في الترتيبات المؤسساتية البريطانية التي ربما تسهل الطريق للدخول في اليورو، ولكنه تطرق عرضا لبعض التجارب التي تحتاج منطقة اليورو إلى اجرائها. وكان المغزى انه مثلما يطلب من بريطانيا اجراء بعض التغييرات، فإن على دول اليورو اجراء اصلاحات أيضا.
وكان مفتاح المشكلة يكمن في المقدرة على تطبيق التجربتين الأوليتين في بريطانيا (التقارب والمرونة) كما اعترف بذلك وزير المالية البريطاني. أما التجارب الأخرى (الاستثمار، المدينة والعمل) فجميعها مستمدة من التجربتين الأوليتين.
فإذا أنجز تقارب اقتصادي ومالي وتوافق مع التغييرات في البيئة الاقتصادية بطريقة مرنة، عندئذ سيحدث استثمار أجنبي داخلي اكبر، وسيزدهر حي الاعمال المالية بلندن وسيخلق الاقتصاد مزيدا من فرص العمل. وأشار الوزير بشكل صحيح إلى انه حدث تقارب في معدلات الفائدة على المدى الطويل. ولكنه لم يضف أن الفجوة بين الولايات المتحدة والمعدلات طويلة المدى لليورو قد تقلصت ايضا، كجزء من الحركة التنازلية العامة للمعدلات الطويلة المدى، وهي خطوة مقترنة بتراجع التضخم في كل مكان. وقد تقاربت المعدلات قصيرة المدى إلى حد ما ولكن تعتبر هذه ايضا من وظائف قوى عالمية، وخصوصا المخاوف من الركود في جميع انحاء العالم.
لقد اتسعت حديثا الفجوة بين معدلات الفائدة الأوروبية والمملكة المتحدة، ولكن هذا بسبب تقارب النمو بين منطقة اليورو، التي هي على حافة ركود والمملكة المتحدة.
هناك ايضا تقدم في تقارب العملات مع الجنيه الاسترليني - كما ألمح وزير المالية البريطاني - في مستوى يمكن أن يتم دعمه على المدى الطويل. ولكن الوصول إلى معدل دخول ملائم في اتحاد العملة يعتبر أمرا معقدا: فهناك الآن قبول عام بأن المانيا دخلت اليورو عندما كان المارك في معدل عال للغاية. ولكن لم يثر ذلك الاعتراض في حينها. في الواقع هناك مخاوف بأن الدول الأخرى المعروفة بتاريخ ضعف في عملتها ربما لن تصمد امام المارك.
إذا ارادت بريطانيا الانضمام إلى اليورو فيجب أن تجري تقاربا في تمويل الاسكان ما يعطي معنى عمليا. في هذه المرحلة من المفيد أن تصبح الدولة قادرة على إحداث اقتصاد يتلاءم مع التغيرات في معدلات الفائدة. اذ ان التخفيضات في معدلات الفائدة تخفض تكاليف الرهن ومن ثم تضخ النقد مباشرة في الاقتصاد. اما اذا كانت هناك مرحلة أخرى للركود العالمي فمن المفيد أن يضخم ذلك الطلب بهذه الطريقة. ولكن على المدى الطويل، سيكون من الأفضل للناس تمويل شراء المنازل، وهو التزام بعيد المدى بمعدلات ثابتة طويلة المدى.
ومن الواضح أن سوق العقار البريطاني متقلب، مع ذلك فإنه من غير المعلوم، ما اذا كانت التغييرات المقترحة بواسطة وزير المالية البريطاني سيكون لها تأثير حقيقي واضح أم لا.
أخيرا، هناك تقارب بشأن التضخم، جزء من الاتجاه العام بعيد عن التضخم الذي اجتاح العالم. هنا سيكون للتحول نحو طريقة الحساب الأوروبية مغزى، لأن سعر الفائدة في بريطانيا يتضمن تغييرات في سعر الأصول الرئيسي للعقارات. هناك كثير من الاسباب المعقولة لماذا سلطات المصارف المركزية يجب أن تهتم بالتغييرات في اسعار الأصول. فإذا كانت الاحتياطات الفيدرالية الاميركية اهتمت كثيرا بالزيادة المفاجئة في اسعار الأسهم في العام 1998 والعالم 1999 فإنها ربما ثقبت الفقاعة مبكرا وانقذت الولايات المتحدة - في الواقع - العالم من بؤس تدهور أسواق حقوق المساهمين. ولكن اذا افترض أن مؤشر اسعار المستهلكين سيضبط الاسعار الحالية، فإن الاسكان يحب ألا يكون متضمنا فيه.
من جانب آخر، بما أنه من المؤكد أن المعاشات، والفوائد، ومدفوعات الاسهم المضمونة المرتبطة بالمؤشر ستحسب كما هي الآن، يبدو أن التحول إلى معيار التضحم لليورو الودي سيكون ذو أهمية نظرية اكثر منها عملية. قانونا من الصعوبة بمكان تغيير العقودات المرتبطة بالمؤشر، وسياسيا سيكون من الصعب خفض المعاشات والفوائد لتناسب مستوى تضخم منطقة اليورو.
اذا لم يكتمل التقارب بعد فإن المرونة أيضا لن تتحقق على رغم أن المشكلة تبدو كامنة في مرونة أوروبا وليس بريطانيا. ولاحظ بروان مجموعة مجالات فيها أوروبا القارية مرنة على نحو غير كاف. وتتضمن هذه المجالات اصلاح معاهدة الاستقرار والنمو، اصلاح البنك المركزي الأوروبي، الشكوك بشأن الاتفاق الأوروبي والحاجة لمنافسة ضريبية وليس الانسجام الضريبي.
حقا، هناك بعض المجالات تحتاج فيها بريطانيا لمزيد من المرونة. وتشمل هذه أجور القطاع العام. لم يتطرق وزير المالية لذلك، ولكن تشير بعض التقارير الرسمية إلى أن أجور القطاع العام هي اكثر من 40 في المئة فوق مستويات السوق في بعض الأقاليم وتشمل شمال شرق وايرلندا الشمالية، بينما 10 - 15 في المئة تحت مستويات السوق في حي الاعمال المالية بلندن وجنوب شرق. يسبب هذا تشويهات ضخمة، ويشجع فعلا على انتقال اعمال القطاع الخاص خارج هذه الاقاليم، اذ لا يستطيع القطاع الخاص المنافسة من أجل الاشخاص الطيبيبن مقابل مستويات أجور القطاع العام.
ولكن إحداث مرونة اكبر في اجور القطاع العام لن يكون سهلا، وخصوصا اذا لم تلتزم أوروبا بذلك.
وتعتبر التغييرات الاساسية هي ما يطلبه وزير المالية البريطاني من أوروبا وتتمثل في خمس تجارب يجب على أوروبا اجراؤها قبل أن تتأهل للاستراليين ليصبح عضوا. هذه التجارب هي أولا، اصلاح معاهدة الاستقرار والنمو التي تأخذ في الحسبان الدورة الاقتصادية، استمراية الدين والاستثمار العام - أي تصبح اكثر من الاطار المالي الجديد الذي اعلنه الوزير البريطاني.
التجربة الثانية هي اصلاح البنك المركزي الأوروبي، ربما بهدف تضخم متماثل تكون فيه القيود على الهبوط قوية مثلما هي على تجاوز حد الاعتدال، مع مسئولية تتحيز الى النمو.
التجربة الثالثة قبول التنافس الضريبي بدلا عن التوافق الضريبي. وتذهب هذه إلى ابعد من فكرة الحق الوطني في التغييرات الضريبية، انها تحتوي المبدأ وهو أن من مصلحة الدول التنافس ضد بعضها بعضا لتطوير نظام ضريبي جذاب اكثر.
التجربة الرابعة اصلاح السياسة الزراعية العامة التي يعتقد وزير المالية البريطاني انها احدى العوائق الاساسية لمزيد من التحرر التجاري وتؤذي تحديدا الدول الأقل تقدما التي تغلق في وجه منتجاتها الاسواق الأوروبية. واخيرا اصلاح اسواق العمل الأوروبية والتي يعتقد الوزير البريطاني أنها السبب الرئيسي في أن منطقة اليورو تقريبا لديها ضعف في مستوى البطالة في المملكة المتحدة.
في الواقع ذلك سيكون «برنامج الاصلاح الاقتصادي الأوروبي» الذي اشار اليه وزير المالية البريطاني في ختام كلمته. ويساعد أيضا في تمهيد الطريق «لشركة اقتصادية عبر الأطلسي فعالة بالكامل بين اوروبا والولايات المتحدة» التي دعا إليها الوزير.
ستكون هذه الشراكة راديكالية - منطقة تجارة حرة تضم اتفاق اميركا الشمالية للتجارة الحرة (نافتا) والاتحاد الأوروبي - اكثر راديكالية من مسألة ما اذا كان الوقت قد حان لبريطانيا كي تتبنى اليورو.
خدمة الاندبندنت خاص بـ «الوسط
العدد 280 - الخميس 12 يونيو 2003م الموافق 11 ربيع الثاني 1424هـ