تمر السياحة في البحرين بمرحلة بالغة الحرج، إذ تدنت نسبة مساهمتها في الناتج القومي إلى أدنى مستوياتها البالغة خمسة في المئة بالمقارنة مع 11 في المئة في السابق، وأصبحت هذه الصناعة تعاني حالة من الاحتقان الخانق الذي ربما يؤدي بها عاجلا أو آجلا، في بلد كان وحتى عهد قريب يعد أنموذجا للانفتاح والتعددية في محيطه بمنطقة الخليج والوطن العربي، حين كانت البحرين تقارن ببلاد تفوقها في الموقع الجغرافي والقدرات المالية وأيضا في الحجم وكثرة الموارد. والأزمة تتفاقم يوما إثر يوم في حين انخرط المشتغلون في القطاع السياحي والفندقي من جهة والجهات الرسمية ذات الصلة بالشأن السياحي من جهة أخرى في تبادل الاتهامات، وكل يحمل الآخر مسئولية تراجع القطاع الأكثر حيوية وفاعلية وعطاء، والسياحة تمضي إلى موتها البطيء.
وفي هذا السياق أبلغ «الوسط» عدد من المشتغلين في القطاع الفندقي أن نسبة اشغال الغرف في الفنادق والشقق تراجعت بنسبة تتجاوز الـ 70 في المئة، مشيرين إلى أن تراجع السياحة ألقى بظلال سالبة على حركة الأسواق والمصارف وسوق العمل الذي تخنقه البطالة التي تتفاقم يوما بعد يوم، يحدث كل ذلك من دون أية بارقة أمل تلوح في الأفق حاملة بشارات عودة السياحة في البحرين إلى عهدها الزاهر، «الوسط» وضعت قضايا السياحة في البحرين على طاولة الحوار وبحثت مع أصحاب الشأن العلل والمعضلات، الواقع وآفاق المستقبل، المشكلات وأفكار الحلول.
السياحة العائلية
وفي الجانب الرسمي أقر الوكيل المساعد للسياحة بوزارة الإعلام مبارك العطوي بانحسار السياحة في البحرين، غير أنه شن هجوما عنيفا على بعض أصحاب الفنادق، وأصر في حديث أمام عدد من أصحاب الفنادق والمستثمرين في القطاع السياحي، في اللقاء الذي جمعه بهم في غرفة تجارة وصناعة البحرين في السادس عشر من ابريل/نيسان الماضي، على وجود استراتيجية واضحة للسياحة في البحرين تتمثل في تنشيط السياحة العائلية وتعزيزها، وشدد على أهمية صدور قرارات رسمية وموثقة «مكتوبة» من قبل إدارته عند حدوث أية تجاوزات من قبل أصحاب الفنادق عوضا عن القرارات الشفهية التي ظل يتهم المشتغلون في السياحة والقطاع الفندقي إدارة السياحة باعتمادها كآلية راتبة في التعامل معهم.
فقر: البنية التحتية، التشريعات والاستراتيجية
ويرى الكثير من المشتغلين في صناعة السياحة أن البحرين تفتقر الاستراتيجية قصيرة أو طويلة المدى لتأطير هذا القطاع كما أن التشريعات فيها تتخبط بين أخذ ورد ما يضعف القدرة على جذب المستثمرين بتقديم خدمات أكثر تنافسية، فضلا عن جوانب ضعف في البنية التحتية إلى جانب أن آلية القرار طابعها شفهي وذات صبغة أكثر إدارية منها قانونية، وهو ما يثير في نفوس المشتغلين في السياحة ضيقا وتذمرا دائمين.
وقال أحد رواد صناعة السياحة في البحرين ممن اشتغلوا في القطاع الفندقي والسياحي مدة تربو على الأربعين عاما: «مع الأسف الشديد تتم بعض الإملاءات لإرضاء بعض المسئولين على حساب صناعة السياحة الأمر الذي أضر بالصناعة والوطن والمواطن على المديين المتوسط والبعيد، وأفضى بصناعة السياحة إلى نفق مظلم وأضحت الحقيقة مرة»، وأضاف في حديث إلى «الوسط» بشرط عدم ذكر اسمه: «في البحرين لا توجد مدينة ملاهي، ولا حديقة حيوانات، ليست لدينا شواطئ جاذبة تعكس موقع البحرين كجزيرة تتوافر فيها شواطئ ساحرة تستطيع أن تجتذب عشاق سياحة الاستجمام الشاطئية أو الرياضات البحرية، ولا منتجعات، ولا حدائق، ولا فنادق مطلة على البحر».
وتشير «الوسط» إلى أن فندق «الريتز كارلتون» - المريديان سابقا - هو الفندق الوحيد في البحرين الذي يتمتع بوجود شاطئ خاص به على رغم من أن البحرين محاطة بالبحر من الجهات الأربع، أما الشواطئ الأخرى فهي إما مهملة أو ترى من الاهتمام أدناه مثل شاطئ بلاج الجزائر الذي أصبح الغالبية الكبرى لقاصديه من المقيمين والعمال الآسيويين فقط. بينما تملك كثير من الإفراد شواطئ أقاموا على ضفافها بيوتهم الفارهة وصادروا حق الناس بالاستجمام فيها.
أما الحدائق فهي قليلة جدا في البحرين وكثير منها مهمل أو تفتقر إلى عوامل جذب الموطنين والمقيمين إليها ناهيك عن السواح، وذلك لافتقارها إلى وسائل الترفيه والتي بالكاد تجذب بعض إليها البحرينيين، وعلمت «الوسط» أن ثمة خطط لتطوير حديقة عين عذاري في السنوات الخمس المقبلة.
وأضاف الرجل الرائد في حقل الفندقة والسياحة: «نحن ببساطة نفتقر إلى مقومات العملية السياحية التي تنهض على التخطيط متوسط وبعيد المدى، خذ على سبيل المثال لدينا قلاع أثرية منذ عهد الاستعمار البرتغالي: قلعة عراد، وقلعة البحرين، لكن محيطهما لم يشهد أية عمليات ترميم أو تطوير لأي من القلعتين، وإن كنت لا تدري فنحن نفتقر البنية التحتية النموذجية لصناعة السياحة بمعنى المقومات التي تجعل من العملية السياحية صناعة نشطة وفاعلة وقائمة على خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وكمثال واضح لا تخطأه العين خذ «المرشدين السياحيين» أين تدربوا؟ وكيف يتعاملون مع السواح؟ إن كان ثمة سواح يزورون البحرين هذه الأيام!!، وما هي شروط تشغيلهم، ومؤهلاتهم؟، وبصراحة مريرة أقول لكما البحرين تفتقر إلى الكفاءات الإدارية التي تدير صناعة السياحة وتعززها وتطورها، وما لا يعلمه الكثيرون فإننا لا نمتلك قاعدة معلومات سياحية في عصر المعلوماتية والإحصاءات».
وتشير «الوسط» إلى ان تدريب أكثر المشتغلين في القطاع الفندقي في البحرين يتم عن طريق معهد خاص يتبع لأحد الفنادق، ولا يوجد معهد واحد متخصص في هذا المجال في البحرين.
خسارة بعد آمال الأرباح وتابع الرجل: «كان من الممكن ان تكون البحرين جسرا يربط بين الشرق الأقصى وأوروبا، كما يمكن ان تنفرد البحرين بالسياحة العائلية وسياحة الحوافز والسياحة الترفيهية وذلك لتوفير خيارات عديدة للسواح إذ لا يمكنك أن تفرض على السائح النوعية أو المستوى الذي يتعامل معه، لكن هذا الأمر يحتاج إلى مقومات حقيقية وإرادة فاعلة وجرأة فائقة، وفوق ذلك، بل وأهم منه، ضرورة وجود قوانين مرنة ومحفزة تضمن تدفق الاستثمارات الوطنية وتجتذب الاستثمارات الخارجية.
وإن كنتم لا تعلمون، أدخل تبدل القوانين أعدادا كبيرة من العاملين في القطاع السياحي والفندقي في مشكلات لا حصر لها، ذهبت ببعضهم إلى السجون، والكثير منهم يتعرضون لضغوط كبيرة تفوق طاقتهم، والكثير من تلك المشكلات سببها سوء تقدير مقترن بسوء إدارة إذ منح بعض المستثمرين تصاريح بإقامة فنادق في مناطق مأهولة بالسكان الأمر الذي تسبب في تعرض العائلات إلى إزعاج كان من الممكن تفاديه منذ البداية بعدم منح تصريح إقامة منشأة فندقية في منطقة سكنية، لكن مع مرور الوقت تفاقمت المشكلات لتصل إلى طريق يفضي إلى حل واحد هو إغلاق الفندق الأمر الذي تترتب عليه مشكلات لا حصر لها بالنسبة إلى المستثمر الذي أنفق أموالا مقدرة يتوقع استعادتها خلال فترة زمنية محسوبة وهنا يتوقف نشاطه ويبدأ رحلة الخسارة بعد أن منى نفسه بالربح، ومن القرارات التي لا يجد لها المرء تفسيرا ذلك القرار الذي «يسمح بتقديم المشروبات الروحية في المطاعم التي يفترض أن تجتذب العائلات»، في حين «يمنع تقديمها في الملاهي الليلية التي يفترض أن يكون روادها من العزاب والشباب»، وأوضح الرجل أن إدارة القطاع السياحي تفتقد الشفافية والصدقية، مشيرا إلى نشر بعض الإحصاءات والمعلومات غير الصحيحة في الفترة الماضية.
أحد أصحاب الفنادق قال في حديث لـ «الوسط»: «إن مشروع الفورمولا 1 على سبيل المثال يتطلب وجود 20 ألف غرفة في الفنادق في الوقت الذي لا توجد فيه في البحرين في الوقت الحالي أكثر من 11 ألف غرفة»، وتساءل الرجل: «من الذي سيستثمر في بناء فنادق جديدة في ظل الوضع الراهن الذي ميزه هروب المستثمرين في مجال السياحة والفنادق من البحرين واللجؤ إلى بلاد استفادت كثيرا من إخفاقاتنا التي لم نفكر حتى في تدارسها لمعرفة كيفية علاجها»، في حين قال آخر: «أردت بناء فندق على مساحة تبلغ 1400 متر مربع وتطل على شارعين رئيسيين بحيث يحتوي كل على 20 طابقا إلا أن إدارة السياحة صرحت لي ببناء 15 طابقا، في حين تمت الموافقة لمستثمر آخر من «أصحاب النفوذ» - كما وصفه - ببناء فندق من 19 طابقا على ارض لا تتجاوز مساحتها 650 مترا مربعا ولا تطل على شارع رئيسي واحد»، وتابع: «هذا السلوك المنافي لأبسط قواعد وقوانين التجارة والاستثمار دعاني إلى إلغاء المشروع في البحرين والتوجه إلى دبي التي قدمت لي جميع التسهيلات».
ثلاثة ملايين وتجدر الإشارة إلى أن نحو ثلاثة ملايين زائر يفدون إلى البحرين سنويا - حسب الإحصاءات الرسمية - ويأتي غالبية هؤلاء الزوار من دول الخليج العربية عن طريق جسر الملك فهد الذي يربط البحرين بالسعودية وغالبيتهم من الشباب ممن يفضلون السياحة المفتوحة في حين لا تشكل العائلات سوى نسبة ضئيلة جدا من هؤلاء القادمين.
محنة: القرارات الشفهية
وأضاف المستثمر المخضرم في قطاع السياحة: «سائر القرارات التي تصدر عن إدارة السياحة ضد أصحاب الفنادق قرارات شفهية وكما هو معروف فإن القرارات الإدارية تخنق العمل وتحول دون تطوره وفي الغالب تكون غير قانونية، إذ من المفترض الاحتكام إلى القانون لا القرارات الإدارية، وإن تعذر تطبيق القانون يمكن اللجوء إلى القضاء، تلك هي الوسائل القانونية التي تحترم الاستثمار وتؤدي إلى تناميه وتطوره لا القرارات الشفهية التي تخنق الاستثمار وتؤدي إلى فرار الاستثمارات الأجنبية من البلد، وترسخ حال افتقار الأمان والاطمئنان في ساحات الأعمال».
ويذكر أن عدد الفنادق المقامة في البحرين تزايد بشكل ملحوظ بعد إنشاء جسر الملك فهد في منتصف الثمانينات حتى اقترب عددها من المئة فندق، عدا الشقق الفندقية والشقق المفروشة.
الحوار: طريق العودة إلى العهد الزاهر وعن الحلول المقترحة للمساهمة في عودة السياحة في البحرين إلى سابق عهدها يقترح أكثر المشتغلين في السياحة ممن تحدثت إليهم «الوسط» ضرورة إعطاء أصحاب الفنادق التي شيدت في مناطق سكانية مهلة قانونية مناسبة، فضلا عن تقديم التعويض المناسب لتقليل خسائرهم، إذ تواجه بعض من هؤلاء المستثمرين، لاسيما في القطاع الفندقي، إجراءات قضائية سببها الأساسي إغلاق فنادقهم وما ترتب على تلك القرارات من تعثر في الوفاء بالالتزامات المالية تجاه المصارف والعمالة والشركاء وما إلى ذلك، وطالبوا، أيضا، بمراجعة بعض القرارات المتعلقة بتقليص الفنانين وعدد الصالات لاسيما وأن السياح الخليجيين يشكلون ما نسبته 75 في المئة من مجمل السياح القادمين إلى البحرين، ودعا بعض أصحاب الفنادق في أحاديثهم إلى ضرورة أن يبادر وزير الإعلام إلى عقد لقاء مباشر معهم لتدارس الأمر وتداركه مثله مثل اللقاء الذي عقدوه مع رئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين، وقالوا انهم مستعدون لتقديم بعض «التنازلات» من أجل استعادة البحرين لموقعها السياحي المتميز، مشيرين إلى أن تلك التنازلات يتم تقديمها عندما يفتح باب الحوار بين إدارة السياحة وأصحاب الفنادق لتقريب وجهات النظر والخروج بالسياحة من النفق المظلم الذي دخلته أو أدخلت فيه، وأشاروا إلى أن هناك أعدادا كبيرة من المستثمرين في القطاع الفندقي تحديدا نقلوا أعمالهم إلى إمارة دبي «التي استفادت كثيرا من أخطائنا» - كما قالوا، وذكروا أن دولة قطر تدرس حاليا مشروعات استثمارية سياحية مع عدد من المستثمرين البحرينيين، وقدروا أن أشغال الغرف في الفنادق والشقق المفروشة في البحرين تهاوت بنسبة 70 في المئة في الفترة الأخيرة ما يثير كثيرا من القلق.
الرد الرسمي
وكان الوكيل المساعد للسياحة بوزارة الإعلام مبارك العطوي اعترف في وقت سابق من شهر ابريل الماضي بوجود انحسار في قطاع السياحة، لكنه شن هجوما على إدارات بعض الفنادق التي اتهمها بتحويل فنادقها إلى «نايت كلب» وتتجاهل الارتقاء بقطاع السياحة وتحسين أوضاعه.
وقال: «ان الصناعة السياحية في البحرين تمر في الوقت الجاري بمرحلة انتقالية من السياحة المفتوحة إلى السياحة العائلية، وهذه المرحلة تتطلب وضع ضوابط محددة»، وأضاف: «كنا نأمل أن يتم التغيير من داخل المؤسسات الفندقية نفسها»، وتابع: «لا ننكر أن الكثير من الفنادق تضررت لان السياحة في السابق كانت منفتحة أكثر من اللازم»، وأقر بوجود مضايقات لكنه بررها بالإجراءات التي كانت تهدف إلى معالجة المخالفات، وأوضح أن الوضع السياحي في البحرين يجب أن يتم وفقا لموازنة محددة تأخذ في الاعتبار رأي الشارع البحريني والتوجه الحكومي بالإضافة إلى مرئيات أصحاب الفنادق، مقرا أن الأمر ليس سهلا، وقال: «إن إدارة السياحة تعمل حاليا على إعداد قانون السياحة الذي عرض على غرفة تجارة وصناعة البحرين التي تقدمت بدورها بعدد من الملاحظات، كما عرض القانون على جهات أخرى، وتوقع أن يتم الانتهاء من مشروع القانون الذي سيعرض على مجلس النواب نهاية العام الجاري، لكنه شدد على ضرورة وأهمية إصدار القرارات بشكل رسمي ومكتوب عوضا عن الطابع الشفهي الذي ميز القرارات التي اتخذت ضد عدد من أصحاب الفنادق
العدد 281 - الجمعة 13 يونيو 2003م الموافق 12 ربيع الثاني 1424هـ