تكشفت معلومات جديدة عن التضليل الذي مارسه البيت الأبيض وكبار المسئولين الأميركيين استنادا إلى معلومات استخبارية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة في وقت بدأت فيه لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأربعاء الماضي ولمدة يومين عقد جلسات استماع مغلقة لمراجعة معلومات المخابرات الأميركية وسط رفض من الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونغرس لإجراء تحقيق شامل.
وكانت مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي كوندليزا رايس اعترفت بأن المعلومات التي تلقاها الرئيس جورج بوش عن سعي العراق للحصول على «اليورانيوم» من النيجر «غير موثوق بها» إلا أنها أصرت على أن البيت الأبيض لم يتحقق من ذلك إلا بعد أن ذكرها بوش في خطابه عن حال الاتحاد في يناير/ كانون الثاني الماضي.
وكشف مسئول في البيت الأبيض عن أن مكتب نائب الرئيس الأميركي تشيني علم بذلك للمرة الأولى حين قرأ ما كتبته الصحافة الأميركية في 6 مايو/ أيار الماضي بشأن صفقة «يورانيوم النيجر» الملفقة.
وتقول مصادر مطلعة إن قصة الصفقة الملفقة تبدأ في نهاية العام 2001 عندما ظهرت وثائق مزورة من الدرجة الثالثة في غرب افريقيا تظهر أن النيجر باعت العراق 300 طن من اليورانيوم يطلق عليه «الكعكة الصفراء» وحصلت المخابرات الإيطالية على الوثائق المزورة وأطلعت عليها البريطانيين الذين مرروها إلى واشنطن.
وعلم مكتب تشيني بذلك وطلب من وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) التحقيق في الأمر. واختار مدير الوكالة جورج تينيت، سفيرا أميركيا سابقا لدى إحدى الدول الافريقية للقيام بهذه المهمة إذ سافر إلى عاصمة النيجر، (نيامي) في الأسبوع الأخير من فبراير/ شباط 2002 وأمضى أسبوعا هناك مقيما في فندق «سوفيتيل» وبحث ما توصل إليه مع السفير الأميركي لدى النيجر ثم طار إلى واشنطن عن طريق باريس.
وفور عودته في مطلع مارس/ اذار 2002 قام بتقديم تقرير إلى الـ (سي آي إيه) ووزارة الخارجية الأميركية ذكر فيه أن تلك الوثائق مزورة لسببين: أولا لأن وزير الطاقة والمناجم في النيجر الذي وقعها ترك منصبه قبل سنوات. وثانيا فإن فحصا لصناعة اليورانيوم في النيجر أظهر أن كونسورتيوم دولي يسيطر على «الكعكة الصفراء» عن كثب، ولذلك فإنه ليس لدى حكومة النيجر أية «كعكات صفراء» لتبيعها.
ويدعي المسئولون الأميركيون الآن أن الـ (سي آي إيه) لم تقدم - وبصورة غير قابلة للتفسير - تقريرا للبيت الأبيض عما توصل إليه السفير الأميركي السابق ورأيه في ذلك، بأن المعلومات كاذبة.
غير أن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت في 13 من الشهر الجاري أنه في الوقت الذي ربما لم يبلغ فيه تينيت الرئيس بوش بأن «وثائق النيجر» مزورة إلا أن مسئولين على مستوى أدنى في الـ (سي آي إيه) أبلغوا مكتب تشيني وأعضاء في هيئة الأمن القومي في البيت الأبيض بذلك. كما أن مركز العمليات ومكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات المركزية قام بتحقيقاته في الوثائق «المزورة» في إيطاليا وافريقيا وتوصل أيضا إلى الاستنتاج بأنها مزورة. وقال المسئول السابق في وزارة الخارجية غريغ ثيلمان إن مكتب المخابرات والأبحاث في الوزارة توصل بصورة مستقلة أيضا إلى النتيجة نفسها. وأضاف انه واثق تماما من أن النتيجة أرسلت إلى كبار المسئولين في الخارجية.
وقال المحلل السابق في الـ (سي آي إيه)، ميلفين غودمان الذي يعمل حاليا في مركز السياسة الدولية في واشنطن، إنه «من المعروف تماما في أجهزة المخابرات (الأميركية) أن الوثائق مزورة».
ومع ذلك فإن تينيت ووكالات الاستخبارات كانت خاضعة لضغط شديد للخروج بدليل ضد العراق يؤكد امتلاكه لأسلحة دمار شامل لكي يستخدم مبررا لغزوه واحتلاله بعد الإطاحة بنظام صدام حسين.
وتقول مصادر مطلعة إن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وكبار مساعديه الايديولوجيين ممن ينتمون إلى «المحافظين الجدد» الذين قاموا في سياق تحريضهم على غزو العراق بحملة تضليل متعمدة للرأي العام، كانوا تقلوا تقريرا من تينيت يفيد بزيف وثائق «يورانيوم النيجر» وبدلا من تقديم تقرير تينيت إلى الرئيس بوش تم إعداد ملخص قصير وضع على مكتب بوش مرفقا بالتقرير الاستخباري الذي تقدمه الـ (سي آي إيه) إلى الرئيس الأميركي صباح كل يوم ويتضمن المخلص «وثائق يورانيوم النيجر» من دون إشارة إلى أنها مزورة. واستخدمها بوش في خطابه كدليل على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، كما استخدمها وزير الخارجية كولن باول في خطابه أمام مجلس الأمن في 5 فبراير 2003.
ونقلت «نيويورك تايمز» عن ضابط سابق في المخابرات العسكرية لم تفصح عن هويته قوله «إنه استنتاج مفروغ منه بأن كل صورة لشاحنة كبيرة ستكون مختبرا متنقلا للأسلحة البيولوجية وإن كل صهريج للنقل سيكون مليئا بالانثراكس المعد كسلاح». وأضاف انه «ما من أحد من المحللين العسكريين يمتلك الخيار لمناقشة نائب الرئيس ووزير الدفاع ووزير الخارجية».
من جهة أخرى قال العضو الديمقراطي البارز في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كارل ليفين إن لديه أدلة على أن الـ (سي آي إيه) تعمدت حجب معلومات عن مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في العراق، وقال لو أن الشعب كان يعرف أن واشنطن لا تشرك المفتشين في المعلومات المتعلقة بمواقع تسلح بارزة مزعومة لكانت هناك «مطالبة شعبية أكبر بمواصلة عمل التفتيش». وتساءل ليفين الذي سبق له الإعراب عن اعتقاده بأن المعلومات الاستخبارية أسيء استخدامها لتقديم مبرر لغزو العراق، «لماذا قالت الـ (سي آي إيه) بإنها زودت الأمم المتحدة بمعلومات مفصلة بشأن كل المواقع البارزة والمتوسطة في حين أنهم لم يزودوها بها؟ هل تصرفت الـ (سي آي إيه) بهذه الطريقة من أجل تقويض سياسة الإدارة (الأميركية) هل كان هناك تفسير آخر لهذا الأمر؟
العدد 287 - الخميس 19 يونيو 2003م الموافق 18 ربيع الثاني 1424هـ