العدد 292 - الثلثاء 24 يونيو 2003م الموافق 23 ربيع الثاني 1424هـ

ايرباص والتنافس العالمي في صناعة الطيران

بمناسبة بدء الأسبوع الفرنسي (26 يونيو- 3 يوليو)

لقد توجب انتظار مطلع القرن العشرين لتحقيق حلم إيكاروس بالتحليق الذي يعود إلى آلاف السنين. وقد احتل رواد وطيارون ومهندسون فرنسيون مكانة مرموقة في تحقيق هذا الحلم. وبالتطور السريع للعصر الصناعي تمكن الصناع الفرنسيون من تسليم حوالي 40 ألف طائرة أثناء الحرب العالمية الأولى، إلا أن التوصل إلى تقييم هذه الصناعة لم يتم إلا بعد الحرب الثانية ونمو الطيران التجاري.

صناعة فريدة

يشمل دور صناعات الطيران الفضائي الحالي تصميم وصناعة جميع أنواع المركبات في سماء الكرة الأرضية، كالطائرات والمروحيات والصواريخ والأقمار الصناعية، بمختلف أهدافها من رحلات الركاب أو تسليم البضائع أو الأسلحة أو وضع أنظمة الاتصالات أو المراقبة أو الملاحة.

ويعتبر مستوى الأداء العالي عاملا أساسيا للنجاح في هذه الصناعة، خصوصاص في ظل المنافسة التي تدفع إلى الإبداع، مدنية كانت أو عسكرية. (وإذا أضفنا قصر سلاسل الإنتاج نسبيا فإن نسبة البحث والتطوير مقارنة بالإنتاج تبدو مرتفعة في هذه الصناعات إذ تبلغ 20 في المئة في المتوسط). وتعتبر المخاطر المالية في هذا المجال جد مرتفعة وتتقاسمها الدول والشركات في ميدان الدفاع. وهذا يتضح جليا في الانقلاب التام في استراتيجيات الحروب، إذ لم يعد من الممكن ضمان التفوق في ساحة المعركة من دون امتلاك سلاح جوي وفضائي من الطراز الأول. ومن هنا فإن أكثر من ثلث موازنات المعدات العسكرية موجه إلى هذه الأسلحة، وهذا يفسر سعي الدول إلى إنشاء صناعة طيران وطنية قادرة تحقق طموحاتها. كما يفسر العلاقة الوثيقة بين السلطات العامة وصناعة الطيران تتجلى أساسا في تمويل البحث والتطوير.

الإمكانات العالمية

تزامن تطوير صناعة الطيران مع وقوع النزاعات والأزمات السياسية ومراحل النمو الاقتصادي أيضا. فلا عجب أن تحتل صناعة الطيران الأميركية المرتبة الأولى برقم مبيعات يبلغ 145 مليار دولار، بما يقارب نصف الإنتاج العالمي. ويأتي الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية بإنتاج يمثل 40 في المئة من مثيله في الولايات المتحدة، وتحتل فرنسا موقعا مركزيا في هذه المنافسة بفضل إمكاناتها التكنولوجية والإدارية التي تجعل منها محورا للمشروعات المشتركة مثل طائرات الإيرباص Airbus أو معدات الإطلاق Ariane. أما بالنسبة إلى روسيا فقد ورثت عن الاتحاد السوفياتي مستوى عاليا من التكنولوجيا، إلا أن قدراتها تدهورت بسبب مشكلاتها الاقتصادية، وعلى رغم هذا فإن طموحها يدفعها إلى بذل مجهود كبير للتطوير، وهي تصدر طائرات القتال وخصوصا إلى الصين والهند. خلف هذه القوى المسيطرة تظهر قدرات صاعدة من الدول كالصين واليابان والهند ذات أهداف جيوستراتيجية مختلفة وطموح في امتلاك صناعة طيران للدخول إلى ملعب الكبار. ولكنها غائبة كلية تقريبا عن مجال الطيران التجاري بينما وصل تقدمها إلى مرحلة متطورة في المجال الفضائي. وتبذل كل واحدة منها مجهودا جبارا بالاعتماد على التعاون مع الدول الأكثر تقدما بهدف امتلاك المهارات تدريجيا. كندا والبرازيل أصبحتا من المنتجين العالميين للطائرات المحلية، ومن ناحيتها أصبحت «إسرائيل» متحكمة في مجال تطوير وبناء الصواريخ التكتيكية والباليستية. أيضا فإن قدرات إنتاج الصواريخ أصبحت في حيازة دول مثل باكستان وكوريا الشمالية وعلى الأرجح إيران. ويمكننا أيضا أن نذكر أن بلادا كانت تدور في فلك الإمبراطورية السوفياتية مثل أوكرانيا وبولونيا ورومانيا قد احتفظت بتخصصات معينة. وأخيرا فإن هناك بلدانا تتبع أهدافا اقتصادية وعسكرية في آن واحد لتطوير سياستها في مجال الطيران الفضائي. وفي هذا الصدد يمكننا ذكر إندونيسيا وتايوان وكوريا الجنوبية واستراليا وتركيا.

التعاون وإعادة الهيكلة الصناعية

الوصف السابق يظهر أن بنى هذه الصناعة تتبع اتجاهين متناقضين. الاتجاه الأول يؤيد منحى التشتت طبقا لاعتبارات وطنية تمس الدفاع أساسا، أما الثاني فمبني على نظرة اقتصادية يتجه إلى تجميع البرامج والإمكانات الصناعية. ويشهد تاريخ صناعة الطيران منذ الحرب العالمية على تطبيق هذه السياسات.

وقد بدأت الاندماجات على المستوى الوطني، فقد قامت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا بعمليات إعادة هيكلة مهمة خلال السبعينات وذلك بتخفيض عدد الشركات المتخصصة. ففي فرنسا تم دمج شركة داسو مع شركة بريجيه على سبيل المثال . أما الولايات المتحدة فقد انتظرت نهاية الحرب الباردة لتقوم بعملية تجميع واسعة النطاق، وهكذا تم دمج شركة بوينج مع ماكدونيل دوغلاس . وظهر أخيرا اتجاه جديد لقيام جبهة موحدة للقيام بتحالفات دولية. مبدأ التعاون يسمح بالتوفيق بين الرغبة في الاستقلال الوطني والضرورات الاقتصادية. ويرتكز على تنفيذ مشروعات مشتركة مبنية على تقاسم التكاليف وتوسيع سلاسل الإنتاج. واعتمد بشكل واسع في أوروبا الغربية منذ الستينات في الكثير من البرامج العسكرية، بالإضافة إلى الكثير من أنواع الطائرات المروحية والصواريخ التكتيكية. أما مدنيا فالمثال الأشهر الطائرة فائقة السرعة الكونكورد التي نفذت بالتعاون بين بريطانيا وفرنسا. ولم تبدأ عمليات إعادة الهيكلة عبر الدول بين الأنشطة التابعة لشركات الطراز الأول إلا منذ سنوات، خصوصا في إطار الاتحاد الأوروبي. وهكذا تم إنشاء فروع مشتركة بين فرنسا وألمانيا (مروحيات) وفرنسا وبريطانيا (صواريخ واقمار صناعية).

الهيكليات الأوروبية

شهد العامان الأخيران اتجاه الهياكل الصناعية الأوروبية، بدافع من فرنسا، إلى الاندماج لتكوين مجموعات ذات حجم ضخم على مستويين: الشركات القابضة والفروع العملية المتخصصة. وجاءت ولادة المجموعة العالمية الثالثة عبر إنشاء المجموعة الأوروبية لصناعات الطيران الفضائي والدفاع EADS والتي تجمع الشركات الأساسية في مجال الفضاء والطيران التابعة بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا. ونظرا لضآلة الموازنات العسكرية الأوروبية فإن نسب الإنتاج فيها تتوزع بين 80 في المئة للقطاع المدني و20 في المئة للقطاع العسكري.

المنافسة العالمية

تخضع المنافسة للقيود السياسية وخصوصا فيما يتعلق بالمنتجات العسكرية، أما في المجالات المدنية فالمنافسة مفتوحة ولا تحدها سوى المتطلبات الاقتصادية، كما يتضح في مجال الطائرات المدنية التي تتجاوز مقاعدها المئة، إذ لا يوجد سوى متنافسين: Boeing و Airbus. وبعد إطلاق عملاق النقل 380A لشركة Airbus امتدت المنافسة لتشمل كل التشكيلة، ما حقق توازنا بين أوامر التوريد للشركتين. أما في مجال طائرات القتال والمروحيات فيوجد ثلاثة منافسين

الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وروسيا. وتمثل السيطرة على هذه التقنيات دلالة مهمة على القدرة العلمية والتقنية لكل دولة. وهذا بالطبع يمثل عنصرا للنفوذ ودليلا مهما على الكفاءة . وتحتل فرنسا مكانة بارزة في هذا المجال.


الصناعة الفرنسية تحتل موقعا رياديا

لعبت فرنسا دورا أساسيا في تجميع الصناعات الأوروبية حديثا سواء على مستوى السلطات العامة أو الشركات. كما ساهمت بقسط وافر في إرساء قواعد التعاون لتنفيذ برامج تلقى نجاحات كبيرة. وفي تقسيم الصفقات تحتل فرنسا مركزا مهما فيما يتعلق بالطائرات التجارية مع ATR وAirbus وتحتل مكان الصدارة بالنسبة إلى المروحيات المدنية، وأخيرا تصل إلى التوازن في إطلاق الأقمار الصناعية التجارية وذلك بفضل صاروخ Ariane. أما فيما يخص الأقمار الصناعية والتجهيزات العسكرية فإنها تحتل مركزا بارزا على المستوى العالمي، يكفي مثلا طائرات القتال Mirage.

ويقدر رقم المبيعات المدعم لهذه الصناعة بنحو 20 مليار يورو، أي أكثر من 30 في المئة من إجمالي الإنتاج الأوروبي، يتوزع على القطاع المدني بنسبة 75 في المئة والعسكري بنسبة 25 في المئة. وتمثل الصادرات حوالي 75 في المئة من المبيعات وتتوزع بنسب متقاربة بين أوروبا وأميركا الشمالية وباقي دول العالم. من هنا نري اتجاه الصناعة نحو الأسواق المدنية، وتوفر فرص عمل مباشرة لـ 100ألف شخص، كما توظف المقاولات المختلفة من الباطن العدد نفسه تقريبا، وثلث الموظفين مهندسون وتقنيون. وساهمت هذه الصناعة في التنمية المحلية إذ تركزت في جنوب وجنوب غرب البلاد، أي المناطق التي كانت الأقل تطورا صناعيا في السابق

العدد 292 - الثلثاء 24 يونيو 2003م الموافق 23 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً