صرح المساعد الخاص للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون للشئون العربية - الإسرائيلية روبرت ماليه، بأن «خريطة الطريق» تكرر إنتاج أخطاء اوسلو، «فالنزاع لا يمكن أن يحل عبر البحث عن الثقة بين المحتل وبين من احتُلت أرضه. وعليه فإن الخطة تمثل فرصة متواضعة لتغيير الديناميكية المؤذية المسيطرة على الوضع منذ أكثر من عامين».
وقال ماليه في حديث خاص لـ «الوسط» عن اللعب بورقتي أبومازن ودحلان مقابل عرفات: «أعتقد أن اللعب على موازين القوى في الساحة الفلسطينية خطأ كبير لما فيه من مخاطرة». واعترف بوجود مشكلات كبيرة تواجه الإدارة الأميركية في العراق، فيما استبعد إمكان تصدير النموذج العسكري في العراق إلى إيران أو سورية، «فعلى رغم أن الخلافات بين طهران وواشنطن كبيرة، فإن القيام بغزوة عسكرية ليس في الوارد» كما قال.
باريس - سمير صبح
روبرت ماليه، هو مدير برنامج مجموعة أزمة الشرق الأوسط. كان حتى يناير/كانون الثاني 2001 المساعد الخاص للرئيس بيل كلينتون للشئون العربية- الاسرائيلية، ومدير شئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي. وعمل مستشارا خاصا للرئيس وفي البيت الأبيض عن عملية السلام في الشرق الأوسط. والتحق بسلك موظفي مجلس الأمن القومي في أغسطس/ آب 1994، ولعب دورا رئيسيا في رسم السياسة الأميركية تجاه كوبا. وفي يوليو/تموز 1997 أصبح المساعد التنفيذي لمستشار الأمن القومي حتى سبتمبر/أيلول 1998 . وهو خريج جامعة أوكسفورد البريطانية. كما أنه مؤلف كتاب عن الجزائر، وآخر عن الثورة والعودة إلى الإسلام، ومؤلف مشارك لكتاب «كامب ديفيد: تراجيديا الأخطاء». مع روبرت ماليه كان هذا اللقاء.
لقد شاركتم في جميع المفاوضات التي جرت بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عهد الرئيس كلينتون. ما هي برأيكم الأسباب الفعلية التي أدت إلى فشل الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق نهائي للسلام؟
- تساؤل من غير الممكن إلا الإجابة عنه. لكن، في الوقت نفسه، من شبه المستحيل ذلك. إن العملية التي اعتمدت في عهد الرئيس كلينتون والتي من بين محطاتها الرئيسية قمة كامب ديفيد، كانت نادرة من حيث تعقيداتها، وخصوصا لناحية محاولتها الحل، وفق وقت قياسي، نزاع قديم عميق يعود لعدة عقود. لكن، هنالك شيئا واضحا بالنسبة إلي على أية حال. فما يسمى وفق النظرية الأرثوذكسية التي تعمل على تحميل مسئولية الفشل الفلسطينيين وحدهم هي نظرية خاطئة وسطحية، إضافة إلى خطورتها سياسيا. فأنا أعتقد بأن المسئوليات يتحملها الجميع. كما يبقى للمؤرخين أن يستخلصوا الدروس من المسارات ويعملوا على الانتقاء بين مسائل عدة مثل: النقص في الثقة المتبادلة، قصر الوقت، قلة التحضيرات، تناقض الأفكار بشأن النزاع وطرق حله، التصرف التلقائي المنقوص لدى الأميركيين الذين كان يجب عليهم عند تقدم المفاوضات فرض أفكارهم، كذلك التصرف «المسالم» للفلسطينيين، الذين بدوا أحيانا في كامب ديفيد كما لو أنهم مجرد سياح.
في المقابل أيضا، التصرف الفوقي المعتمد من قبل الإسرائيليين الذين حاولوا الظهور بمظهر أصحاب القرار النهائي بالنسبة إلى مستقبل الاراضي المحتلة.
عرفات اضاع الفرصة
هل ترون أن الرئيس ياسر عرفات - كما تؤكد بعض الأوساط الأميركية - هو المسئول المباشر عن هذا الفشل؟
- بإمكاننا توجيه الكثير من الملاحظات لتصرفات الرئيس الفلسطيني، وأنا شخصيا لم أوفره. كان يجب عليه أن يتفهم الطبيعة التاريخية لهذه القمة وأهميتها، وأن يتصرف كزعيم ويستغل الفرصة المتاحة من قبل رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي، كانا يريدان التوصل إلى اتفاق بأي ثمن وبسرعة. لذلك، كان عليه أن يعرض بموضوعية الرؤية الفلسطينية لاتفاق السلام الذي ينشده. لكن تحميله المسئولية الكاملة للفشل، فهو أمر استبعده نظرا إلى وجود حسابات سياسية لكل طرف. لكن يجب أن نعلم بأن عرفات وصل إلى كامب ديفيد وهو مقتنع بأن الأمر يتعلق بفخ منصوب له. على كل حال، فإن غالبية الفريق المرافق له كانت منذ البداية، مناهضة لعقد هذه القمة. فخلال السنة الأولى من وجود أيهود باراك في السلطة، شعر عرفات بأنه مهمش ومذل. فالتعهدات الإسرائيلية لم تحترم، في حين كانت المستوطنات تنمو بشكل متواصل، إضافة إلى ذلك، فإن العروض التي قدمتها الحكومة الإسرائيلية في حينه كانت في غالبيتها غير مقبولة. وتجدر الإشارة إلى أن هناك وقتا كبيرا ضاع، وخصوصا عندما كان باراك يركز اهتمامه على مغازلة سورية والاهتمام بالتفاوض معها على حساب الفلسطينيين. مع ذلك، ليس هناك شك في أن باراك كان مستعدا للذهاب أبعد من أسلافه في البحث عن اتفاق سلام. لكن الرؤية الجامدة للمفاوضات والطريقة الفوقية التي اعتمدها الوفد الإسرائيلي في التعاطي - ما يؤكد قلة تفهمه للحقائق الفلسطينية - كلها من العوامل التي لعبت دورا أساسيا في الفشل النهائي.
نشهد في الفترة الحالية محاولة جديدة متمثلة في «خريطة الطريق» تهدف إلى إطلاق العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ما هي برأيكم حسنات هذه المبادرة بالمقارنة مع تلك التي شاركتم في وضعها بتوجيه من الرئيس كلينتون؟
- إن الوضع مختلف اليوم عن المرحلة السابقة. فالرئيس كلينتون كان يبحث عن حل للنزاع بضربة واحدة، أي عبر حل جميع المشكلات الموجودة في العمق: الاراضي المحتلة، المستوطنات، القدس، حق العودة للاجئين... الخ. أما خريطة الطريق فهي تقوم على منطق اتفاقات أوسلو. بمعنى آخر، فهي مرحلة تهدف في البداية إلى إعادة خلق الثقة المفقودة بين الأطراف وبالتالي السير خطوة خطوة باتجاه الوقوف على المشكلات الرئيسية. موقفي حيال «خريطة الطريق» موقف متضارب. فمن جهة، أعتقد بأنها لن تتمكن أبدا من وضع الوارد فيها من نقاط موضع تنفيذ، لأنها ببساطة تكرر إنتاج أخطاء أوسلو. فالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني لا يمكن أن يحل عبر البحث عن الثقة بين المحتل ومن احتُلت أرضه. ولا يمكن لهذه الخطة أن تنجح إلا عندما تكون جميع المشكلات التي تباعد بين الطرفين قد حُلت.
فأي من الفريقين مستعد اليوم فعلا لتقديم تنازلات في العمق كتفكيك المستوطنات بالكامل، أو نزع سلاح المنظمات، على سبيل المثال، طالما استمرت الشكوك حيال المخرج النهائي للازمة. لهذا السبب فإن المنظمة التي أعمل اليوم عبرها وهي Internationa Crisis Group تبذل جهودا مضنية منذ أشهر من أجل ايجاد إطار ملائم يشجع المجموعة الدولية المؤلفة من الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، واوروبا والعالم العربي معا، على تحديد الحلول والوسائل العادلة والدائمة للنزاع.
من جهة أخرى، فإن خريطة الطريق تمثل فرصة متواضعة لتغيير دينامية مؤذية مسيطرة على الوضع منذ أكثر من عامين، تسمح لمنطق السلم بالتفوق على منطق المواجهة. فبالمقارنة مع اوسلو، هنالك ثلاثة تحولات ايجابية: ان «خريطة الطريق» تحدد جوانب من الهدف النهائي (دولتان قابلتان للحياة، مستقلتان، تعيشان جنبا إلى جنب). فهي بالاضافة إلى كونها أفضل من صيغة اوسلو، فهي تدخل اجندة وتقبل بمبدأ السماح بالاشراف العالمي على سلوكيات الاطراف.
خطأنا الكبير
هل تعتبرون ان الخطوات المعتمدة من قبل إدارة الرئيس بوش لعزل رئيس السلطة الفلسطينية ولعب ورقتي أبومازن ومحمد دحلان في المقابل، شيء صحيح لاخراج الازمة من الشرنقة؟
- لا. اعتقد ان محاولة اللعب على موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية خطأ كبير لسبب اننا قد نقوم بالمخاطرة بإضعاف الذين نريد مساعدتهم وتعزيز قوة الذين نريد اضعافهم. على أية حال، اسمعوا تصريحات أبومازن ودحلان. كلاهما يطالبان بوضع حد لعزلة قائدهما. ومن ثم، يجب ان يفهم الجميع ان عرفات يحظى بسلطة داخل الشعب الفلسطيني لا يمكن لأي ترتيب من الخارج ان يضعف من قوتها. ان عزله يعني خسارة لاعب اساسي على الساحة الفلسطينية من غير القدرة على منعه عن التحرك. ان محاولة عزله ستدفع به حتما إلى مناهضة الجهود المبذولة وسحب أية مبادرة تشجيعية ايجابية من قبله.
تشكك غالبية الشعوب العربية - خصوصا بعد احتلال العراق الذي نخشى من استمراره طويلا - في نوايا واشنطن حيال انشاء دولة فلسطينية. هل تعتقدون أنها محقة في رؤية الأمور من هذا المنظار؟
- لقد اعتبرت طوال الوقت بأن العالم العربي لديه اتجاه للتهرب من مسئولياته من خلال الاتكال بشكل زائد على الولايات المتحدة. ان لواشنطن دورا اساسيا تلعبه بالتأكيد، لكنها ليست اللاعب الاوحد الذي باستطاعته التأثير على مجريات الأوضاع. فبإمكان الدول العربية تفعيل مبادرتها التاريخية التي اطلقتها في قمة بيروت، وباستطاعتها مخاطبة الشعب الإسرائيلي مباشرة لشرح استعداداتها التي يمكن ان تضطلع بها اذا ما تم اتفاق عادل للسلام. فبلد مثل المغرب قد اظهر في الماضي كيف يمكن التأثير في موقف الإسرائيليين من خلال خطوات ايجابية لا تسيء إلى صلب المواقف العربية.
أما بالنسبة إلى موقف إدارة بوش، فهنالك اليوم علامة استفهام كبيرة. فمن دون شك، لقد تطور الخطاب السياسي كثيرا منذ عدة اسابيع، وفق اتجاه ايجابي يظهر التزاما أكبر بالمقارنة مع السنتين الماضيتين، لكن لا يمكن الحكم إلا من خلال الافعال. فمن الآن وحتى ذلك الوقت، يجب على العالم العربي ان يتحمل مسئولياته من دون انتظار دائم للصحوة الأميركية.
دعا وزير الخارجية كولن باول الدول العربية إلى اعتبار حماس تماما كالقاعدة، والتعامل معها على هذا الاساس. مع ذلك، فإن هذه الحركة تثبت بمرور الأيام ان وزنها يزداد على مستوى الخريطة السياسية الفلسطينية. هل ترون ان من الممكن للولايات المتحدة ان تغير رأيها حيال هذه المنظمة في حال وافقت هذه الأخيرة على لعب ورقة الهدنة؟
- بصراحة، انا لست متأكدا من ذلك. فالاساس بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الحالية ليس الهدنة، على رغم انها ترغب فيها. فالاساس هو انهاء المنظمات الفلسطينية المسلحة. فإذا كانت حماس أو حزب الله اللبناني تحولا إلى مجرد احزاب سياسية، اعتقد حينئذ بأن موقفا أميركيا جديدا يمكن ان يخرج الى النور.
يلاحظ المراقبون أن الإدارة الأميركية تبذل ضغوطات استثنائية لتحريك الملف الفلسطيني - الإسرائيلي، وصولا إلى القبول بإعطاء ادوار لكل من الاتحاد الاوروبي وروسيا. هل هنالك - برأيكم - علاقة مع اقتراب الدخول في الحملة الانتخابية الرئاسية بداية اكتوبر/تشرين الأول المقبل؟
- بصدق، لا اعتقد ذلك. فتأثير السياسة الخارجية على الانتخابات الأميركية محدود عموما. فإذا كان هنالك تقدم أم لا على صعيد الملف الإسرائيلي - الفلسطيني، فإن ذلك لن يغير شيئا كبيرا في الوضع السياسي الداخلي. لكن علينا ان نأخذ في الاعتبار، من جهة أخرى، انه مع اقتراب الانتخابات فإن الرئيس بوش سيتعرض حتما لضغوطات متزايدة من قبل بعض المجموعات المقربة من «إسرائيل»، لذلك فإن مصلحته ستبقى دائما مرتبطة بالوضع الداخلي. لكني أرى ان اهتمام الإدارة سيتحدد أكثر بمقدار تقدم المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية.
مشكلاتنا في العراق
لقد خرجت الولايات المتحدة منتصرة من حربها ضد العراق، فهل ستحترم وعودها حيال المساعدة على تنصيب نظام ديمقراطي في هذا البلد، وبالتالي، إعادة صوغ المنطقة على قواعد أكثر ديمقراطية؟
- تواجه الولايات المتحدة مشكلات فعلية في العراق، لقد ذكرنا ذلك في التقرير الذي اعده مركزنا International Crisis Group. ويتعلق الامر على السواء بالتسخين السياسي والأمني الحاصل، وكذلك الوضع الاقتصادي الاجتماعي الذي يزداد ترديا. هنالك سباق حقيقي مع الوقت قد بدأ. فإذا لم يتوصل الأميركيون بالسرعة المطلوبة إلى إعادة الأمن، وإعطاء السلطة للشعب العراقي، وإظهار أنهم ليسوا هنا كمحتلين، لكن، كما يقولون، كمحررين، فإن العراقيين أنفسهم سينقلبون بشدة عليهم. إنها عملية اختبار صعبة للقوة، أكثر منها بالنسبة إلى واشنطن، أكثر مما كانت تتوقع، هي التي انتظرت أن تستقبل قواتها بالورود والرياحين، أما بالنسبة إلى إعادة صوغ المنطقة، فعليها أولا أن تفكر في انقاذ العراق.
هل يمكن أن نأخذ على محمل الجد التهديدات الأميركية الموجهة إلى إيران؟ وإلى أي مدى يمكن للسياسيين في أميركا أن يتبعوا العسكريين والصقور فيما إذا أراد هؤلاء وأصروا على ضرب إيران؟
- لا أعتقد بأن النموذج العسكري الذي أتبع ضد العراق يمكن تصديره، لا إلى سورية ولا إلى إيران. فالخلافات بين واشنطن وطهران كثيرة ومعروفة، لكن إلى حد القيام بغزوة عسكرية، فهذا ليس في الوارد. فإيران ليست العراق، كما أن العالم لن ينظر إلى الأمور بالمنظار نفسه هذه المرة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الضغوطات ستخف. ستستمر محاولات عزل هذا البلد، وتقديم مزيد من المساعدات إلى المتظاهرين ضد النظام، وممارسة التهديدات من خلال ملف التسلح النووي. لكن، بالنسبة إلي، فإني أرى أن التصعيد مع إيران أسلوب خاطئ. فللأميركيين والإيرانيين مصالح استراتيجية شرعية فمن الأفضل وضع الأوراق على الطاولة والحديث بصراحة لمعرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى نقاط اتفاق
العدد 305 - الإثنين 07 يوليو 2003م الموافق 07 جمادى الأولى 1424هـ