العدد 319 - الإثنين 21 يوليو 2003م الموافق 21 جمادى الأولى 1424هـ

«جزيرة الساية» هل تدوسها جرافات الدفن أم تبقى للتاريخ؟

حافظ عليها أهالي المحرق آلاف السنين

جزيرة الساية - أحمد العبيدلي 

21 يوليو 2003

لأول مرة على ما يزيد على خمسين سنة أجدها في المطار واقفة بانتظاري. أخذتني في السيارة وعلى غير عادتها أتت بصحبة اثنتين أخريين. قالت، وسط وجوم مربك ونحن في الطريق، «جزيرتك تلك التي كنت تذهب اليها مع خليفة في قارب التنك الذي صنعتماه من برميل الكاز ستنتهي».

صح توقعي. لم يكن ليأتي بها إلا جليل من الأمر. تذاكيت أملا في تخفيف سماعي لرزية توشك أن تحل علي، فقلت «الجزر لا تنتهي ولا تختفي، ولكن عن أي جزيرة تتكلمين»؟

فردت: «تلك التي بها «خبطة رجل» الرجل المقدس، كنا نرحل لها ونكسر البيض نلتمس البركات و - «نكشت» ونعود ... ألا تود أن تذهب لتودعها قبل غيابها»؟

كنت أحاول تفادي الوصول إلى استنتاج، دعوت الله متوسلا ألا يوصلني إليه.

فتابعت القول: «الجزيرة التي كان بها نبع ماء حلو، كنا نذهب ونعبئ الماء العذب منها، لسنا نحن وحدنا، بل سكان المحرق على مر العصور(...) كتابك الذي لا تمل قراءته، التحفة النبهانية، ذكر ذلك أيضا، في صفحة 110، راجعت ذلك في الأيام الأخيرة مرارا». وبنبرة أعلى راحت تصرخ: «الساية» ... «الساية» ستختفي قريبا، ألا تذكرها، ليس بها حجر لم تقلبه يداك.

ما للثانية تقلب المواجع وتصر على أن تذر ملحا في الجروح وتنكأها من دون أن ترحمني، أدعو الله ثانية، وأتضرع إليه ألا يكون لدى أي منهن رؤية ماذا يحدث في قلبي. أصبحت مكشوفا.

فرددت: «هذا غير ممكن، كيف يمكن لها أن تختفي، كل بلاد الله تحافظ على هبات الطبيعة، وتضيف إليها، لا أن تزيل الطبيعي لتأتي بالحديث والمصنع، هناك متسع من الأرض والبحر ليعيش البشر متناغمون مع أمنا الطبيعة».

فقالت: ولكن «الساية» ستختفي، أنا ذهبت إلى عقاري وقلت له أني أود أن أشتري أرضا على البحر، فقال لي ان هناك مشروعا جديدا سييتجاوز«الساية» ولكنه، لم يقل إن المشروع سيدفن «الساية»؟

هل نودعها؟

وواصلت: «اسمع أنت لا تعرف كيف تتم الأمور هنا، ما رأيك أن تأتي معنا للساية، سنرتب كل شيء، تعال لربما تلقي عليها كلمات الوداع، أنا أعرف ما يدور بخاطرك، أنت تود الحصول على أدلة وبراهين، ثم أنك الآن مرهق من السفر».

«سنرتب كل شيء فقط أحضر آلة تصوير، أنتم الصحافيون تصرون على إيجاد دليل، ونحن سنوفره لك.،آلاتنا للتصوير قد تكون ملأى بالعواطف ولكننا قد لا نتمكن من التقاط صور بالطريقة التي تريدها»

ـ هل ستأتي؟ أنت تعرف «الساية» بالنسبة إلى المحرق؟ «الساية»، هي إحدى جزر البحرين المحرقية، تهم كل البحرينيين، ثم أنها موقع لمعركة شهيرة هي معركة «الساية» التي دارت بين الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة والشيخ محمد بن خليفة آل خليفة عام 1258 هجرية.

فقلت: «إذا من سيقوم بدفن موقع تاريخي؟».

فردت: «أنت لا تعرف ماذا يحدث، وبكل الأحوال هل ستأتي أم لا؟

سآتي، ولكن هل يمكن التخفيف قليلا من نشيج الألم الذي ما برحتن تنشدونه، دون أن أسمع منكن كلمة واحدة بها دليل واحد على نية أحد ما لدفن الجزيرة؟

الخميس الموعود

الهاتف يرن... «الخميس يصادف يوم 10 من الشهر، هل يناسبك؟ في الحقيقة أن صاحب القارب متردد بسبب أن المد لن يكون في صالحنا، ولكننا أقنعناه بل أرغمته على الذهاب، نحن خائفات من الوقت، هل يناسبك الخميس؟

فقلت: «سآتي، ولكن ألم نتفق على أن نبارح الكونشيرتو الجنائزي هذا؟

السيارة تغادر المحرق المعهودة وتسير على أرض جديدة الدفان. رائعتي تبدو في الأفق وتتراقص أمامي، وانهالت فيّ، في القلب، في نسغ الشرايين، كل الذي لا يعرفه إلا من عرف طرقات المحرق وفرجانها، البحر وصيد السمك والمدرسة العودة والهيئة والعام 1956. هاهي تلوح «الساية» لي، كانت بالنسبة إلينا إحدى تحديات البحر أيام الطفولة وأول اختبارات قوارب التنك المطلية بالقار، قبل مجرد التفكير بالتحدي الأكبر، الذهاب إلى جزيرة البينة في السعودية.

وتتسع المرارة

تسير السيارة، الجزيرة باتت على شمالك ثم تتجاوزها السيارة، وأصبح المرء بحاجة إلى أن يلتفت إلى الوراء لكي يرى الجزيرة. غاصت كبدي على حين غرة، السيارة تسير والجزيرة تبتعد، دائرة المرارة تتسع في الصدر، شيء من الخوف المختلط بالألم الذي يؤدي إلى ما يشبه الشلل أخذ يسري تدريجيا، برودة شديدة تجتاح بدني والدنيا حر والشمس تسطع وفجأة التمع وعي بارق بما كان ينبث في حديث النسوة عن أسى عميق، وغمرني خجل شديد لملاحظتي التي أبديتها أمامهن إزاء كآبتهن غير المعهودة.

فقالت: «هذه ليست نهاية الدفنة بعد، يقال انها ستكبر وأنها ستغطي «الساية». هل ستكتب شيئا عن ذلك؟».

ـ حاولت أن أستعيد توازني، وأن أتحلى بأكبر قدر من البرود، وأتملك مقدرتي على التفكير الصحيح مجددا وأن أصيغ ردي: «قبل الكتابة أريد التأكد شخصيا، يجب علينا أن نقدم حسن النية، من قال لكن أن عملية الدفن ستغطي الجزيرة، وإن كان ذلك صحيحا، فهناك قنوات يجب أن تسلك، وليست الكتابة أولها، أو على الأقل يجب ألا نوجه التهم جزافا، هذه ليست صحافة، هذه استثارة للعواطف، لماذا لا تتصلون بالجهة المعنية بالدفن، فلربما لا يتضمن مخططهم الجزيرة.

السيارة تمضي، والجزيرة تبتعد، ومقاطعة أخرى ...

ـ وما فائدة جزيرة بلا ماء يحيط بها؟ إن المحرق تتلاشى كسراب يوما بعد يوم، تضيع من بين يدينا.

أوروبيون سبقونا

اقتربنا من «الميناء» الصغير، وأحسست بارتياح لأن ذلك جعل الجميع يغرقون في مسائل عملية، النزول من السيارة، صعود الدرج الخشبي ثم النزول للبحر وطلوع السفينة، حاولت استغلال الوقت لترتيب أفكاري، لاحظت قاربا آخر سبقنا إليه جمع من الأوروبيين. ما الذي أتى بهم، وأين يتوجهون؟ ما علينا... بدت لي محاولة الهروب من هم «الساية»« أمرا متعذرا... جو يشبه رطوبة خانقة بات يلف جسدي، وأخذ حلقي ينشف، وما يشبه الأيادي تقبض على رقبتي، ولا أرى امكانا للتخلص، بدأت مشاعر النسوة اللواتي في صحبتي في التسلل إلي، وأصبحت أكثر قربا إلى حديثهن، لكني ما أزال أحاول، في الحقيقة، أتمنى أن أظهر جلدا...

القارب يتحرك. توجب عليه أن يتجه بزاوية 90 درجة يسارا لكي يتوجه إلى الجزيرة، إذا صح بعض ما قاله الرجل لتلك التي رغبت في شراء العقار، لربما استدارت الدفنة والتهمت الجزيرة.

الأوروبيون يتجهون إليها أيضا، ها قد وصلوا قبلنا، ونحن نقترب منها... هشة كمثل حفنة قش، رقيقة كفتاة في السادسة عشرة، تفتح ذراعا لم تغلقه أبدا لآلاف من السنين، تضمخه ببراءة وحسن نية في زائريها، وباقتراب الأوروبيين هاج سرب من الطيور وملأت سماء الجزيرة بصيحات.

- لم أكن أعرف أن بها طيورا؟

فقالت: نعرف ذلك من أمد، هل يعني لك هذا الكثير، أعني أكثر مما تعنيه الجزيرة لأهل المحرق... بالمناسبة هل تعرف ماذا تعني المحرق لأهل المحرق؟

لم أجب وغيرت دفة الحديث لأقول: «الطيور، تلك الطيور، هل لديها أعشاش».

فقالت: « طبعا، وقد تجد بعض فراخها».

يظهر أحد الأوروبيين، بعد أن وصل للساحل، استثارة كبيرة وصخبا كبيرا غامرا بالفرحة ينحني بعدها ويلتقط شيئا ويبدأ في النظر إليه ببهجة كبيرة، حين اقتربت أكثر اكتشفت أنه كان يحمل فرخا بين يديه.

طيور الساية

نزلنا، لأكتشف أن الجزيرة قد باتت ملجأ طبيعيا لبعض الطيور، لم أصدق أن تكون «الساية» حاضنة لتلك المخلوقات الرقيقة.

- لا أعتقد أن أحدا سيجرؤ على قبر تلك الطيور، هذا ملك لكل شعب البحرين، بل للإنسانية، وليس من حق أحد أن يحرم تلك الطيور من بيوتها.

فأجابتني مسرعة: «أهذا كل ما أثار اهتمامك، لا ضير، هل ستكتب شيئا، نحن نريد الآن فقط أن نحافظ عليها (...) في الحقيقة هي ليست ملكنا، هي ملك لأجيال أبناء المحرق والبحرين في المستقبل، ونحن لا نملك حق التصرف فيها، نريد فقط أن نحميها، وإن كان ذلك هو الذي أثار اهتمامك فاكتب. فلربما كنت على حق، ولم يقم المشروع بتغطية الجزيرة.

- هل ستكتب، على الأقل من أجل طيورك، إن كان أهل المحرق ليسوا في الوارد الآن؟

- من أجل الطيور... ولكن بالمناسبة، ما أصل كلمة «الساية»؟

فقالت: «لا أعرف، ربما كان المقصود الساجة، فأحال لسان أهل المحرق الجيم ياء، وعلى ذلك فلربما وجد أصل للكلمة في خشب الساج، وهو خشب أسود ثقيل» يقال انه يغطس في الماء، ولربما بدت لأبناء المحرق سوداء من بعيد، أيام كانت الجزيرة بعيدة، سوداء، لا أعرف، لا أعرف، هل ستكتب عن منازل طيورك وكيف يمكن حمايتها وحماية حقوقها؟...

نعم، من أجل الطيور، سأحاول، ولكن لا أشارككن الرأي أن الجزيرة ستطمر.

ومرة أخرى اجتاحتني برودة شديدة وألم بي ما يشبه الصداع، وغادرت متفاديا أن تلتقي عيني بأي من أعينهن أكاد أن أقع. في هذه المرة كن خمس سيدات، وقفن وتسامرت أعينهن علي يرقبنني وأنا أغادر، رافضات كل عرض مني لطلب الرحمة

العدد 319 - الإثنين 21 يوليو 2003م الموافق 21 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً