باتت المصالحة بين حركتي «فتح» و «حماس» أبعد من أي وقت مضى بعد خطابين شديدي اللهجة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وزعيم الحركة الإسلامية خالد مشعل على خلفية تداعيات سحب تقرير غولدستون التي وسعت الهوة بين الطرفين.
واتهم عباس، قائد حركة فتح، في خطابه الموجه للشعب الفلسطيني من رام الله مساء الأحد «حماس» بـ «التهرب من استحقاقات المصالحة الفلسطينية» ومحاولة «تكريس الإمارة الظلامية في قطاع غزة» مستخدمة كذريعة موافقة السلطة الفلسطينية على سحب تقرير غولدستون، الذي يتهم «إسرائيل» بارتكاب جرائم حرب في غزة، من مداولات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بداية أكتوبر/ تشرين الأول.
ورد عليه مشعل من دمشق، مؤكدا أن سحب التقرير «أفسد وسمم الأجواء وشكل حالة غضب لا يمكن في ظلها أن نعقد جلسة المصالحة» التي كانت مقررة في 25 من الشهر الجاري قبل أن تطلب «حماس» إرجاءها.
ويستبعد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة، مخيمر أبوسعدة، حصول مصالحة بين «حماس» و «فتح» في ظل محاولة كل طرف نزع شرعية الآخر، مؤكدا أن «الفجوة باتت اكبر» بين الفصيليين بعد خطابي زعيميهما.
ويتفق المحلل السياسي في رام الله، هاني المصري، أن الأمور تتجه نحو «تباعد أكثر» بين «فتح» و «حماس»، ولكنه اعتبر أنه من المبكر الجزم بعدم توقيع اتفاق المصالحة بين الفصيلين في القاهرة.
وقال وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط الأحد إنه «من المحتمل» تأجيل توقيع الاتفاق «بضعة أسابيع» بناء على طلب «حماس».
ويبدي أستاذ التاريخ والسياسة في الجامعة الإسلامية في غزة، وليد المدلل، مخاوف كبيرة إزاء اتساع الفجوة بين مواقف طرفي النزاع الداخلي الفلسطيني، مشددا على أن «إسرائيل» حريصة على إبقاء الخلاف وان بعض الدول العربية التي لم يسمها «مرتاحة من استمرار الانقسام الذي يعفيها من مسئولياتها».
وتساءلت صحيفة «القدس»، كبرى الصحف الفلسطينية: «لمصلحة من تأجيل المصالحة؟». وقالت في افتتاحيتها «لقد حان الوقت كي يدرك كل من يتحدث باسم الشعب أن المواطن الفلسطيني لا يمكن أن يفهم من المماطلة في الحوار ورفض المصالحة وكل هذه التأجيلات سوى اصرار على تكريس الانقسام وهو ما لا يخدم قضية شعبنا وحقوقه العادلة».
ويحذر المدلل من «فقدان الشرعية» التي تتمتع بها حاليا «حماس» و «فتح»، لأنه حينها يحصل «الانقسام الحقيقي... وسيصبح المشهد معقدا وحينها سيفتح الباب لصراع على من يمثل الشعب الفلسطيني».
وتعترض طريق المصالحة الفلسطينية الفلسطينية كثير من التحديات ربما أهمها استحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية الذي نجح المصريون فيما يبدو على اقناع «حماس» و «فتح» بتأجيلها حتى يونيو/ حزيران 2010 بدلا من 25 يناير/ كانون الثاني من العام نفسه.
وتفتح هذه الانتخابات، إن جرت، مجالا للاتهامات والطعن بنتائجها من الفصيلين الأكبر وهو ما سيخلق حالة من الفوضى تفقد جميع الأطراف الشرعية، وفقا لما يقول المدلل.
واعتبر رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة واحد قادة «حماس»، إسماعيل هنية، أن خطاب عباس الذي وصفه بالـ «هابط» يعكس «مأزق» سلطته بسبب ما
أسماه «الفضيحة والجريمة السياسية» في إشارة إلى سحب تقرير غولدستون.
في المقابل اتهم عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» عزام الأحمد «حماس» بـ «البحث عن أي ذريعة لعدم انهاء الانقسام... بدلا من التوحد في مواجهة الاحتلال».
وعلى رغم الاتهامات القاسية والتشكيك بالشرعيات يرى المدلل أن عباس ومشعل لم يغلقا الباب نهائيا أمام العودة للمصالحة. وقال المدلل إن التصعيد «واضح بين الرجلين، لكن يمكن أن نلمس لهجة تصالحية». أما المحلل هاني المصري فاعتبر أن «الأيام القادمة ستبين إذا ما كنا متجهين نحو الوحدة والتوقيع أو القطيعة طويلة الامد».
العدد 2594 - الإثنين 12 أكتوبر 2009م الموافق 23 شوال 1430هـ