التراث: هو الإرث والموروث وما تخلفه الأجيال السابقة لمن يليهم ويلحق بهم... والمراد بالتراث - في مقامنا هذا - هو الموروث الديني والفكري والعملي والثقافي والحضاري، الذي يمثل مخزون ذاكرة الأمة الإسلامية عبر تاريخها الحضاري، ومصدر هويتها المميزة لها عن غيرها من الأمم والحضارات، سواء منه ذلك الذي أبدعته أمتنا في ظلال الإسلام، أم ذلك الذي ورثه المسلمون عن الحضارات السابقة، والذي استوعبه المسلمون وأحيوه وطوعوه واستلهموه وطوروه، فغدا جزءا أصيلا من تراث المسلمين.
وفي القرآن الكريم: «وتأكلون التراث أكلا لما - وتحبون المال حبا جما» (الفجر: 19-20). «فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون - والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين» (الأعراف : 169 - 170).
«والذي أوحينا إليك من الكتب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير» (فاطر: 31-32). «ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بين إسرائيل هدى الكتاب وذكرى لأولي الألباب» (غافر: 53 - 54) «وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم لفي شك منه مريب» (الشورى: 14).
وفي حديث رسول الله (ص) قوله لأهل عرفة: «اثبتوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» رواه النسائي وقوله (ص) «العلماء ورثة الأنبياء» رواه الترمذي وابن ماجة والدرامي.
ولقد قال الشاعر: فينظر في صحف كالربا فيهن إرث كتاب محي. التراث درجات وهذا التراث الإسلامي - الديني الفكري والعلمي الثقافي والحضاري - ليس على درجة واحدة من المكانة والفعل والتأثير وليس على درجة واحدة في علاقته بالتجديد والإبداع، ذلك لأنه تراث أمة بمذاهبها المختلفة وشعوبها المتعددة.
فهناك التراث المقدس، الذي يمثل المرجعية الأولى للأمة، وهو القرآن الكريم، البلاغ الإلهي - والسنة النبوية الصحيحة - أي البيان النبوي لهذا البلاغ الإلهي، وحتى هذا التراث المقدس، لا يحتل - في المرجعية - مكانا واحدا، ففي القرآن الكريم، الذي هو قطعي الثبوت، ما هو «محكم ونص» في موضوعه، لا اختلاف في فهمه وفقهه وتفسيره ودلالته، ومنه ما هو متشابه» يمثل مجالا فسيحا لحركة العقول والأفهام وتمايزها وتعدديتها، في إطار ما هو محكم من الآيات وفي إطار حقائق اللغة وثوابت الاعتقاد.
وكذلك السنة النبوية فمنها ما هو متواتر أي قطعي الثبوت، ومنها ما هو من أحاديث الآحاد - أي ظني الثبوت - ومنها ما هو قطعي الدلالة ومنها ما يفيد «العلم» لكنه لا يفيد «اليقين».
ومن السنة النبوية ما هو بيان للرسالة الإلهية، وتفصيل لمجمل القرآن، وبيان لإشارته ومنها سنن تدور أحكامها مع العلل المتغيرة والمصالح المتبادلة إعمالا وتجاوزا - أي «تنفيذا» و»وقفا للتنفيذ» مثل السنن التي تعلقت بفروع السياسة، ونظم الحرب، والمعاملات، وبالعادات والتقاليد والأعراف، والمصالح التي تدخل في باب المتغيرات تبعا لتغير الواقع المتطور والمعيش.
وهناك التراث الفكري، الذي أبدعته الأمة - في مختلف ميادين المعرفة - عندما نزّلت القرآن والسنة على الواقع المعاش، وعقدت القران بين فقه الأحكام وفقه الحياة الاجتماعية، التي عاشها الإنسان عبر تاريخ الإسلام، وعبر مجتمعاته. وليس لهذا التراث الفكري - الذي هو اجتهاد المجتهدين - عصمة تضفي عليه القداسة التي يتمتع بها القرآن والسنة الصحيحة، فهو ثمرة لملكات العقل الإنساني، وهي - ككل ملكات الإنسان - نسيبة الإدراك، وأعلى مستويات الاجتهاد الإسلامي والعلم الإنساني هو استنباط «الأحكام الضنية» أي أن المعرفة الإنسانية - حتى في أرقى مستوياتها - وهي نسيبة وظنية وجزئية وكسبية، وسبقها جهل، بينما اليقيني والكلي والشامل والمطلق والمحيط هو علم الله - سبحانه وتعالى - فعلم الله - كما يقول أبو الوليد بن رشد (520 - 595هـ، 1126 - 1198م): هو سبب الوجود، بينما علم الإنسان، ومعرفته هما ثمرة جزئية «للوجود والموجود».
العدد 2597 - الخميس 15 أكتوبر 2009م الموافق 26 شوال 1430هـ