لم يكن تدفق الجزائريين إلى الشوارع فرحين بالتأهل لنهائيات كأس العالم لكرة القدم في وقت متأخر يوم الأربعاء الماضي مجرد احتفال بانتصار في مباراة لكرة القدم، بل مثل الانتصار بالنسبة لهم نهاية عقدين من النزاعات في البلاد.
والمرة الأخيرة التي تأهلت فيها الجزائر لكأس العالم كانت في 1986 أي قبل سنوات قليلة من اندلاع موجة التوتر الاجتماعي التي أدت في النهاية إلى قتال بين متمردين إسلاميين وقوات الحكومة سقط فيه آلاف القتلى.
وبعد قرابة ربع قرن على ذلك التاريخ تراجع مستوى العنف الذي يصفه الجزائريون بحقبة «السنوات السوداء» ليقتصر على هجمات متفرقة يشنها مسلحون تابعون لتنظيم القاعدة في شمال إفريقيا.
ورأى كثير من المشجعين الذين تدفقوا إلى الشوارع في الجزائر العاصمة بعد الفوز يوم الأربعاء على مصر 1/ صفر في التصفيات الإفريقية رابطا بين الحوادث في ملعب كرة القدم واستعادة الجزائر لنوع من الحياة الطبيعية.
وقال أحد المشجعين واسمه يوسف ونانو وهو يرقص في الطريق ويلف العلم الوطني حول جسده: «أنا سعيد للغاية. كل هذه السنوات التي عشناها أشعر وكأنها تبخرت».
وهناك ظروف عملية في حالة الاستقرار النسبي الذي تعيشه الجزائر ساعدت على تقديم الفريق الأداء الذي قدمه في كرة القدم.
فخلال «السنوات السوداء» اضطرت السلطات لإقامة العديد من مباريات كرة القدم في الجزائر في مدينة عنابة التي تبعد نحو 500 كيلومتر عن العاصمة التي اعتبرت خطيرة للغاية.
لكن المباريات الآن تقام بالقرب من العاصمة وستعود قريبا إلى الاستاد الوطني بالعاصمة بعد تجديده.
وقد يكون تحسن الأمن أثر على العديد من اللاعبين في الفريق الذين يحملون جنسيات مزدوجة لكنهم رفضوا تمثيل فرنسا واختاروا اللعب باسم الجزائر.
والشيء الأكثر أهمية هو رمزية الانتصار الذي حققه الفريق. وخرجت صحيفة سوار الناطقة بالفرنسية بعنوان في صفحتها الأولى يقول «لقد فعلناها».
وقالت الصحيفة في افتتاحيتها «الجزائر ليست بلد إرهاب أو هجرة غير شرعية أو بؤس اجتماعي. إنه بلد يمكنه اللحاق بالأمم الكبرى في العالم».
وفي الجزائر هناك هوس بكرة القدم. وابن البلد المفضل هو قائد منتخب فرنسا السابق زين الدين زيدان الذي ينحدر أبواه من أصل جزائري.
لكن التوتر الذي صاحب المباراة الأخيرة في التصفيات ضد مصر كان غير عادي في حدته.
فقبل أيام من المباراة تسلقت مجموعات من المشجعين فوق أسقف الحافلات وزين سائقو القطارات قطاراتهم بأعلام وطنية وتدافع آلاف الأشخاص أمام مكتب طيران في محاولة للحصول على تذاكر مجانية للسفر لحضور المباراة.
وتحولت هذه المشاعر إلى أعمال عنف حين هاجم مشجعون غاضبون من تقارير حول إساءة معاملة مشجعين جزائريين سافروا لحضور مباراة سابقة بين الفريقين يوم السبت الماضي في القاهرة مقار لشركة أوراسكوم تيليكوم المصرية.
وقال أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر ناصر جابي إن النجاح في ملعب كرة القدم أعاد ارتباط شباب صغار السن بهويتهم الوطنية بطريقة لم تعرفها البلاد منذ استقلت عن فرنسا عام 1962.
وقال: «عاش الشعب الجزائري حالة من التشاؤم الشديد. شاهدوا كل شيء بمنظار أسود. ليس هذا فحسب بل حتى الجيد منها. هذا الانتصار على مصر هو أيضا انتصار على ذلك الموقف» .
ومن شأن التأهل لكأس العالم أن يمنح الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وقتا للراحة من المشاكل الاجتماعية كالبطالة وارتفاع أسعار الغذاء.
ويعيش اتحاد المدرسين أسبوعا ثانيا من الإضراب بسبب الرواتب. وفي الشهر الماضي قام سكان حي فقير في العاصمة الجزائرية طالبوا بإعادة تسكينهم بإلقاء قنابل وحجارة على شرطة مكافحة الشغب.
وقال جابي: «لفترة قصيرة في لحظة الانتصار والفرحة الطاغية... سينسى الناس مشاكلهم».
وهتف بعض المشجعين الذين شاهدوا مباراة الأربعاء على الهواء مباشرة في مقهى بالعاصمة باسم الرئيس بوتلفيقة في مشهد نادر في بلد ينظر سكانه بكثير من الشك إلى قيادتهم السياسية.
العدد 2633 - الجمعة 20 نوفمبر 2009م الموافق 03 ذي الحجة 1430هـ