وقف المئات من الخبراء البيئيين والباحثين والإعلاميين مكتوفي الأيدي أمام سيل كبير من المعلومات المقلقة والخطيرة التي احتواها تقرير البيئة العربية الذي تم الكشف عنه في المنتدى العربي الثاني للبيئة والتنمية طيلة يومين، لكن الصورة الوحيدة الملفتة، هي تحرك شباب الرابطة العالمية للناشطين (إندي - أكت) الذين اقتحموا قاعة المؤتمر ليرفعوا لافتات ينددون فيها بالنفط!
وقال الخبراء إن الدول العربية ستواجه عواقب وخيمة، ويتوجب على الحكومات التحرك الجاد، وجاءت البلدان العربية في طليعة المناطق المهددة بتأثيرات تغير المناخ، فالوضع الحرج أصلا لشح المياه في العالم العربي سيصل إلى مستويات خطيرة بحلول العام 2025، وارتفاع مستويات البحار بمقدار متر واحد سيؤثر مباشرة على 41,500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية، وعلى 3,2 في المئة من سكان البلدان العربية بالمقارنة مع نسبة عالمية تبلغ 1,28 في المئة، ومن تلك المدن بيروت ودبي والقاهرة، بالإضافة إلى مملكة البحرين التي من المتوقع أن يتأثر ما قدره 10 في المئة من مساحتها حين يرتفع مستوى البحرين بمقدار 5 سم لكن ليست هناك دراسة خاصة عن البحرين.
وقال الخبراء المشاركون في المنتدى الذي اختتم أعماله أمس الأول أن صحة البشر ستتأثر بارتفاع درجات الحرارة، ويزداد تفشي الأمراض المعدية مثل الملاريا والبلهارسيا، وتزداد حالات الحساسية والأمراض الرئوية مع ارتفاع تركيزات ثاني أوكسيد الكربون واشتداد العواصف الرملية وتكرارها. ومع ازدياد قسوة الجفاف وتوسعه وتغير امتدادات الفصول قد تنخفض المحاصيل الزراعية إلى النصف، ما لم يتم تطوير واعتماد محاصيل تحتاج إلى مياه أقل وتتحمل ارتفاع مستويات الملوحة.
وفي ختام المنتدى العربي للبيئة والتنمية «أفيد» يوم الجمعة 20 نوفمبر/ تشرين الثاني برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان بحضور500 مندوب لأعضاء «أفد» من 22 بلدا، يمثلون الشركات والمجتمع الأهلي والوسط الأكاديمي ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، وبمشاركة وزراء وممثلي حكومات ومنظمات دولية بصفة مراقبين، وبعد مناقشة تقرير «أفد» بشأن أثر تغير المناخ على البلدان العربية، تولت مجموعة من المندوبين إعداد مسودة التوصيات، التي أخذت ملاحظات المشاركين في الاعتبار، وتم تقديمها خلال الجلسة الختامية.
وفي بيان صادر عن المنتدى، ووافق المؤتمر على ما ذكره تقرير «أفد» من أن البلدان العربية هي من المناطق الأكثر تعرضا لتأثيرات تغير المناخ المحتملة، وأبرزها الإجهاد المائي، وتراجع إنتاج الغذاء، وارتفاع مستوى البحار، وتدهور التنوع البيولوجي، وتردي الصحة البشرية. وعلى رغم ضخامة التحديات، لا يجري تنفيذ جهود تخفيفية أو تكييفية منسقة لجعل الدول العربية أفضل استعدادا للتصدي لتأثيرات تغير المناخ التي أوردها التقرير.
ودعا المنتدى الحكومات العربية إلى تبني الإعلان الوزاري العربي بشأن تغير المناخ الذي أصدره في العام 2007 مجلس الوزراء العرب المسئولين عن شئون البيئة، ووضعه موضع التنفيذ من خلال تطوير وتنفيذ خطة تنموية وطنية قليلة الانبعاثات للمدى البعيد، ذات أهداف واضحة لخفض الانبعاثات، فيما جاءت التوصيات الأخرى تصب في إطار تكريس مزيد من الجهود والموارد لمراقبة تغير المناخ وتقييمه، بما في ذلك إقامة محطات رصد، ونظم للانذار المبكر، ومراكز لأبحاث المناخ، وتطوير وتنفيذ خطط عمل وطنية وإقليمية لتقييم التأثيرات المحتملة لتغير المناخ في الوقت المناسب، مدعومة بسياسات وبرامج للتخفيف والتكيف من أجل اجتناب هذه التأثيرات.
وشدد التقرير على أن مؤشر السياحة سيتراجع في المنطقة بارتفاع معدل الحرارة، كما سيؤثر ابيضاض الشعاب المرجانية وتآكل الشواطىء وارتفاع مستويات البحار على المراكز السياحية الساحلية، وسيؤدي ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين إلى انقراض ما يصل إلى 40 في المئة من جميع الأنواع الحية، وقدر التقرير أن 75 في المئة من المباني والبنى التحتية في المنطقة معرضة بشكل مباشر لتأثيرات تغير المناخ، وستكون الجزر الاصطناعية التي تبنى في بعض البلدان العربية من المواقع الأولى التي سيبتلعها ارتفاع مستويات البحار بسبب صغر حجمها وانخفاض علوها، وإذ نبه التقرير إلى ضرورة أن تأخذ شروط التطوير الساحلي تهديد ارتفاع مستويات البحار في الاعتبار، أشار إلى عدم تنفيذ برامج شاملة ومتكاملة لجعل البلدان العربية مهيأة لمواجهة تحديات تغير المناخ.
وعبر أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية نجيب صعب عن أمله في أن تقدم نقاشات المؤتمر خيارات سياسية تساعد البلدان العربية على أن تكون أطرافا فاعلة في المفاوضات المقبلة المتعلقة بإبرام معاهدة تلي معاهدة كيوتو، منوها إلى الدعم الذي تقدمه هيئة البيئة في أبوظبي، الراعي الرسمي للمؤتمر، وصندوق أوبك للتنمية الدولية، لكنه أشار إلى أنه بجانب ثلاثين مسئولا حكوميا ورئيسا لمنظمات إقليمية ودولية، هناك قادة من 120 شركة، 45 جامعة ومركز أبحاث، 35 جمعية أهلية، 70 وسيلة إعلامية عالمية وعربية ومحلية، واستدرك ليشير إلى وجود ممثلة أول كتلة برلمانية عربية بيئية، فاتن الشرقاوي، النائب في البرلمان التونسي، عن حزب الخضر للتقدم، العضو في المنتدى العربي للبيئة والتنمية، هذا الحزب الذي أوصل منذ أيام ستة نواب إلى المجلس التشريعي التونسي، لأول مرة وفق برنامج سياسي بيئي».
وكشف رئيس مجلس أمناء المنتدى مصطفى كمال طلبه الصعوبات التي واجهت معدي التقرير، ومنها عجز شديد في البيانات والأرقام والمعلومات بسبب نقص محطات الرصد وضعف قواعد المعلومات، نقص واضح في فرق العلماء المؤهلين في مجالات الرصد وإعداد النماذج الرياضية ودراسات الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتغير المناخ، غياب أسلوب محدد لتبادل المعلومات بين كل دولة عربية والدول التي يهمها التعاون معها مثل دول حوض النيل وحوض نهر الفرات وحوض نهر الأردن ودول البحر المتوسط وغيرها. وأضاف: «أننا لا نملك تنظيمات واضحة للتعامل مع قضية تغير المناخ، وبالتالي ليس لدينا سياسات عربية محددة للتعامل مع ما يهددنا من آثار مدمرة بسببه».
ودعا طلبه إلى إنشاء تنظيم قوي في كل دولة (مجلس أعلى أو لجنة وزارية) يرأسه رئيس الدولة أو رئيس الوزراء، لإقرار السياسات والخطط والبرامج المناخية ومتابعة التنفيذ وإنشاء قاعدة بيانات تحدث باستمرار. كما دعا الدول العربية إلى تبادل المعلومات والبيانات والخبرات بدلا من تكرار الجهود، وتفعيل ما اتفق عليه وزراء البيئة العرب في هذا الشأن وأمل «أن تقوم الدول العربية بدور ريادي بين الدول النامية للحوار مع الدول الصناعية على أسس من المنطق والعلم، وعرض أفكار قابلة للتنفيذ وليس مجرد اتخاذ مواقف متضادة».
أشاد أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية نجيب صعب بالدور الذي تلعبه صحيفة «الوسط» البحرينية في دعم قضايا البيئة، والعمل الجاد لدعم برامج عمل المنتدى.
وقال صعب على هامش جلسات المنتدى في حديث ضم كل من المدير العام للإدارة العامة للبيئة والسلامة بوزارة الطاقة والتعدين السودانية عثمان عبدالله ساتي، ورئيس قسم الأرصاد بكلية الأرصاد والبيئة وزراعة المناطق الجافة بجامعة الملك عبدالعزيز بالمملكة العربية السعودية منصور عطية المزروعي إن المنتدى يقدر للرعاة الإعلاميين جهودهم، إلا أنه من الملاحظ أن صحيفة «الوسط» البحرينية، تشارك بإيمان وقناعة في دعم جهود المنتدى العربي للبيئة والتنمية وتقديم خطاب إعلامي مساند لتحقيق الأهداف.
«العرب... أكثر من بؤرة نفط»... و«النفط... لا يشرب».. شعاران حملهما شباب من الرابطة العالمية للنشاطين (أندي أكت) في تحرك سلمي تزامن مع انعقاد المنتدى للمطالبة بالمشاركة الفعالة في محادثات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في كوبنهاغن وتحمل مسؤلياتهم الأخلاقية (لإنقاذ العالم العربي والكوكب من مصير مأسوي، وعدم الانجرار وراء الدول العربية المعرقلة لمسار المفاوضات) كما جاء في بيان وزعوه على وسائل الإعلام.
وفي تحرك غير مسبوق، قام ناشطان من الرابطة برفع لافتة داخل المؤتمر وخلال الجلسة الافتتاحية انتقدا فيها الدور المعرقل الذي تلعبه بعض الدول العربية المصدرة للنفط (...) في مفاوضات المناخ، وأن الموقف العربي الراهن يرتكز على حماية تجارة النفط بدلا من حماية الشعب العربي من الآثار الكارثية لتغير المناخ.
وخصصت ثلاث جلسات لتقديم تقرير «أفد» عن أثر تغير المناخ على البلدان العربية، الذي كتب فصوله نخبة من الاختصاصيين العرب، كما عقدت جلسة حوار بعنوان «بحار ترتفع وصحراء تمتد»، ترأسها راشد بن فهد وزير البيئة والمياه في الإمارات، وتحدث فيها فاروق الباز مدير مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن، وعتيق رحمن رئيس شبكة تغير المناخ لجنوب آسيا، و يوبا سوكونا المدير التنفيذي لمرصد الساحل والصحراء.
وقدمت الباحثة إيمان غنيم، من مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن، عرضا خاصا عن تأثر البلدان العربية بتغير المناخ كما يشاهد من الفضاء - فبناء على صور فضائية حديثة عالية الجودة، تم للمرة الأولى تطوير سيناريوهات للآثار الممكنة لارتفاع مستوى البحار على الشواطىء العربية، واحتسبت المضاعفات على السكان والعمران والغطاء النباتي والمياه.
وقد أنجز هذا العمل خصيصا لتقرير «أفد» مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن بإدارة العالم فاروق الباز.
وفقا للاستطلاع الذي أجراه المنتدى في 19 بلدا عربيا
العدد 2634 - السبت 21 نوفمبر 2009م الموافق 04 ذي الحجة 1430هـ