العدد 2639 - الخميس 26 نوفمبر 2009م الموافق 09 ذي الحجة 1430هـ

يتوجب على أميركا عدم الانسحاب من عملية السلام

غسان ربيز - معلّق عربي أميركي حول قضايا التنمية والسلام والعدالة، وهو السكرتير السابق للشرق الأوسط ف 

26 نوفمبر 2009

يؤكد توماس فريدمان أنه يتوجب على أميركا الانسحاب من عملية السلام في الشرق الأوسط إلى أن تلين المواقف العربية والإسرائيلية.

أختلف مع توماس فريدمان. يتوجب على أميركا أن تعمّق مشاركتها في عملية صنع السلام وأن تتحمل مسئولية أكبر من قبل.

ليست أميركا مجرد وسيط في الشرق الأوسط، فواشنطن جزء من الحل وجزء من المشكلة. لم تصبح «إسرائيل» قوة إقليمية عظمى وحدها.

نتيجة لذلك أصبحت الولايات المتحدة متصلة عند الورك مع «إسرائيل». تعتبر واشنطن في أية بيئة إقليمية صعبة ضامنة لأمن «إسرائيل» وبالمقابل تخدم «إسرائيل» مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.

يلجأ توماس فريدمان إلى التبسيط الزائد. في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، عزا فريدمان الجمود إلى الافتقار للجدية من قبل الأطراف المتناحرة.

«إذا كان الوضع الراهن يمكن احتماله لهذه الدرجة من قبل الأطراف، أقول اتركوهم ليتمتعوا به. أنا لا أريد أن أدعمه أو أخدّره أكثر من ذلك. نحن بحاجة لأن نصلح أميركا. عندها، وإذا اتسموا بالجدية فسوف يجدوننا. وعندما يجدوننا سوف نضع خطة أميركية تفصيلية لحل الدولتين مع حدود، على الطاولة».

كاتب المقال الذي يتمتع بشعبية على حق في بحثه عن تحوّل في النموذج في العملية السلمية، إلا أن الحل لا يكمن، حسب اقتراحه، في التخلي عن الوساطة في لحظة يأس. قد ينفجر نزاع الشرق الأوسط إذا تخلت الولايات المتحدة فجأة عن مجال حل النزاع. من المؤكد أن الأوضاع تزداد سوءا، حتى قبل أن تفكر الولايات المتحدة بفك الارتباط.

تنم العناوين الإقليمية عما يحدث: يهدد الرئيس عباس بالاستقالة. يفوز نتنياهو في قضية المستوطنات بينما تستسلم واشنطن إلى لوبي «إسرائيل أولا». ندمت هيلاري كلينتون على إطرائها لنتنياهو على «إيماءته غير المسبوقة» حول الحد من أعمال البناء غير القانونية على الأراضي الفلسطينية. جماهير المنطقة تثور غاضبة. تحشد «إسرائيل» للرد على نظام إيراني متحدٍ تمكن من تجنب المخاطرة. هذا بالإضافة إلى حماس يجري تحريضها وحزب الله الذي أعيد حشده في لبنان.

مع توقف عملية السلام تبدأ الآمال بالاضمحلال. يجري تثبيط همة صوت الاعتدال في فلسطين ومكافأة صوت الغضب. يشعر عباس أنه لا يوجد شريك سلام له في «إسرائيل» أو دعم في الغرب.

تطور النزاع العربي الإسرائيلي منذ العام 1967 وبالتدريج ليصبح مشكلة عربية إسرائيلية أميركية معقدة، وقد شاركت الولايات المتحدة بانخراطها في الاحتلال الإسرائيلي والحفاظ عليه وإدامته وتوسعته وعقلنته.

تقوم الولايات المتحدة بتقديم معونات ضخمة ومساعدات عسكرية. تحمي واشنطن «إسرائيل» من الانتقادات في الأمم المتحدة، قد لا يرغب معظم الأميركيين بالتدخل بعمق في المنطقة، إلا أن حكومتهم وأعمالهم وقادتهم الدينيين نشطوا خلال العقود الأربعة الماضية في كافة مناحي الحياة في «إسرائيل» وفي الشرق الأوسط على اتساعه. كما أن أميركا منخرطة الآن في حربها في العراق وأفغانستان.

ولا يعني هذا إلقاء اللائمة على الولايات المتحدة لكل الأمور التي لم تنجح في «إسرائيل» وفلسطين.

تحولت «إسرائيل» خلال العقود القليلة الماضية من السعي لتحقيق الأمن الوطني إلى الهيمنة الإقليمية. يدير الخوف سياسات «إسرائيل» قصيرة النظر وتوقعاتها ذاتية التحقيق.

أما الفلسطينيون فقد قاموا بتخفيف توجهاتهم العلمانية نحو الدولة من خلال الخلط بين نضالهم السياسي والرموز الدينية.

تبقى حماس، وهي حركة «مقاومة إسلامية» تتمتع بالشعبية والسلطة. كما أن للبعد الأصولي في النزاع الفلسطيني وقعا متزايدا على المخاوف اليهودية.

طرفا النزاع منقسمان، وما فتأت خلافاتهما تتعمّق.

«إسرائيل» منقسمة بعمق حول حقوق المستوطنين، وليس من الواضح كيف يمكنها تحقيق دولة يهودية ضمن إطار ديمقراطي. ليس هناك خطة حول التعايش مع الفلسطينيين وحول إمكانية بقاء الدولة الفلسطينية. ليس المستقبل موضوعا يسّر الإسرائيليين.

الخلافات بين الفلسطينيين مثيرة للشفقة. لدى الفلسطينيين نظامان في القيادة، وحكومتان وإدارتان جغرافيتان، وهم منقسمون بعمق حول دور الدين في السياسة وفي طبيعة المقاومة. أما بالنسبة لمستقبل اللاجئين فلا يوجد إجماع حول رؤية واقعية.

قد يكون من المخاطرة السياسية الزائدة أن يحاول الرئيس الآن بشكل أقوى من السابق أن يواجه اللوبي الإسرائيلي.

قد يفضّل الرئيس أوباما، وهذا أمر مفهوم أن يخاطر باحتمالات إعادة انتخابه حول مشاريع إصلاح النظام الصحي الطموحة وتصحيح الاقتصاد الأميركي مقارنة بمحاولات الضغط لإعادة تشكيل الدور الأميركي في العملية السلمية.

وحتى يتسنى تعزيز احتمالات السلام في الشرق الأوسط يتوجب على أميركا الانخراط كشريك على قدم المساواة في البحث عن حل للنزاع، مع كامل الحقوق والمسئوليات. يتوجب على «إسرائيل» أن تعتبر أن احتلالها للأراضي الفلسطينية يؤثّر بشكل سلبي على كل من مستقبلها الأمني ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.

يتوجب على الأطراف الثلاثة، أميركا والعرب و»إسرائيل» أن تعمل معا للتوصل إلى خطة سلام يكسب فيها الجميع.

عندما تشارك الولايات المتحدة في عملية السلام كطرف له مصالح واهتمامات وليس فقط كميّسر لمكان انعقاد، لن تكون هناك حاجة بعد ذلك لاستجداء أو مراوغة «إسرائيل» أو الفلسطينيين ليكونا، كما يقول فريدمان، أكثر «جدية».

العدد 2639 - الخميس 26 نوفمبر 2009م الموافق 09 ذي الحجة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً