العدد 2653 - الخميس 10 ديسمبر 2009م الموافق 23 ذي الحجة 1430هـ

هل يغير الفقه مستقبل مسلمي الغرب؟

في ضوء حادثة تكساس ... (1)

غلاف الكتاب، أخشى أن يتحول سؤال المحققين من: «لماذا أطلق ضابط النار على زملائه؟» إلى: «لماذا اسمه نضال مالك حسن؟».

بهذه العبارة لخص أحد المواطنين المسلمين في الولايات المتحدة مخاوفه، ومخاوف مسلمي أميركا من التداعيات المحتملة جراء حادثة إطلاق النار التي وقعت في قاعدة «فورت هود» بولاية تكساس الأميركية، والتي ارتكبها ضابط أميركي مسلم يدعى «نضال حسن» وأودت بحياة 13 جنديا أميركيا.

الغريب أن هناك مفارقتين تبدوان أكثر أهمية من الحادث نفسه: الأولى أن الضابط الجاني كان يعمل «طبيبا نفسيا»، وكانت مهمته هي تأهيل الجنود وإخراجهم من الحالات النفسية السيئة ونوبات الاكتئاب التي لازمتهم؛ بسبب ما عايشوه أثناء خدمتهم بمناطق الحروب والصراعات في العالم.

أما الثانية، وهي الأهم، فهي أن هذا الضابط المسلم يعد من أبناء الجيل الثاني لمسلمي الولايات المتحدة، أي أنه ولد ونشأ وترعرع في الأراضي الأميركية، وتدرج في جيش أميركا حتى وصل لرتبة ميجور «رائد»...

غير أن الأمر الأسوأ والأشد وطأة على المسلمين في أميركا هو تبعثر جهودهم التي بدأوها على مختلف المستويات للاندماج داخل مجتمعهم الأميركي المشبع بروح الكراهية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 ، والتي وجد المسلمون أنفسهم في بؤرتها الملتهبة.


مسلمو الغرب بين كماشتي الدين والوطن

تلك الجهود التي استهدفت تجاوز تلك الحقبة بحلوها ومرها وصولا إلى واقع جديد لمسلمي الولايات المتحدة يتجهون فيه نحو «الشراكة الحضارية» مع المجتمع الأميركي الذي يحملون هويته كمواطنين أميركيين، ولا نبالغ إذا قلنا أن مسلمي أميركا قد عادوا إلى المربع الأول وهو إثبات وطنيتهم ومواطنتهم وعدم حشرهم في خانة المخالف للديانة والثقافة الخاصة بالوطن الذي يعيشون فيه.

إن الحركية المطلوبة اليوم من المسلمين في الغرب، وخصوصا بعد تلك الحادثة، تستلزم أن تكون مستهدية بفقه تأصيلي، تتفاعل فيه الأصول الشرعية مع واقع المسلمين في الغرب عموما، لتصدر من ذلك الأحكام والفتاوى، سواء ما كان منها تفصيليا جزئيا، وما كان كليا حضاريا عاما، محققة بذلك مقصد «المواطَنة الصالحة» التي أصبحت منذ زمن هدفا للوجود الإسلامي في الغرب.

هذا المنهج التأصيلي هو ما حاولت بعض البحوث الشرعية بيانه ليكون منهاجا يعين المسلمين في الغرب على الاندماج في مجتمعاتهم، والانتقال من هوامشها إلى قلبها ليؤثروا في آليات صنع القرار هناك، ويعطوا ويضيفوا دون الاقتصار على الأخذ والاستهلاك، وقد أجملت كثير من تلك البحوث في كتاب: «فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا» للدكتور عبدالمجيد النجار الأمين العام للمجلس الأوروبي للافتاء والبحوث، الذي يعد أعلى هيئة فقهية جامعة للمسلمين في الغرب بشكل عام.

الكتاب الذي يقع في نحو 246 صفحة من القطع المتوسط يؤطر بشكل أساسي لما يمكن أن نسميه بالافتاء الحضاري الذي لا يكتفي بتوجيه الحلول الشرعية لتلك المشكلات الجزئية التي تعترض الحياة اليومية للمسلمين في الغرب، وإنما يتصدى لكبريات القضايا المتعلقة بالوجود الجماعي لهم، والذي يوجههم ليكونوا في مجتمعهم في موقع الشراكة الحضارية التي تسهم في حركة التنمية لهذا المجتمع اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، بإضافات جديدة من تلقاء كونهم مسلمين، وبإبداعات يقع اشتقاقها من القيم الدينية التي يحملونها.

إنه نوع من الإفتاء المؤسسي الذي يؤصل لفقه جامع يلم شمل المسلمين الذين يقبعون في مجتمعات غير مسلمة تتقاطع فيها تلك القوانين غير الإسلامية مع جهود مضنية من أعداء معروفين يبثون الكراهية لكل ما هو إسلامي.


منظومة الإنقاذ الإسلامية

الكتاب يذكر أن ثمة أساسا قد تنبني عليه نهضة اندماجية إسلامية في المجتمعات الغربية، وهي منظومة القيم الروحية التي يزخر بها الإسلام وتنضح بها تعاليمه مثل معادلة الروح والمادة في مجال الوجود، والسكن في المجال الأسري، والتوازن في المجال البيئي، وهي قيم يفتقدها الغرب بشدة ويتأثر بنقصانها يوما بعد آخر.

هذه القيم يمكن عن طريقها أن يقدم المسلمون للعالم في وضعه الراهن ما يكونون به شهداء على الناس، نافعين بالخير، مسهمين في حل المعضلات التي تتخبط فيها الإنسانية، ولا يضيرهم في ذلك أن يكونوا في ميزان التحضر المادي في درجات متخلفة، فالمصلحون المبشرون بالخير لم يكونوا دوما في التاريخ الإنساني من رواد التحضر المادي، وحينما بشر المسلمون الأوائل بالقيم الإسلامية التي أنشأت بعد ذلك حضارة مشهودة، فإنهم لم يكونوا في سلم التقدم المادي إلا في درجات متأخرة منه سبقهم فيه الروم والفرس.

هذا التحليل يقودنا إلى تساؤل يطرق البال ويهز النفس، وهو: كيف لا يستطيع مسلمو اليوم - وهم في شأن التقدم المادي أفضل وضعا من أسلافهم في عصرهم - أن يقدموا للبشرية الحائرة ما فيه خيرها وعلاج أسقامها إذا ما أحسنوا اختيار مفردات العلاج وتفننوا في طريقة تقديمها؟!

العدد 2653 - الخميس 10 ديسمبر 2009م الموافق 23 ذي الحجة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً