28 عاما مضت، والسؤال مازال يتكرر: لماذا أجهضت أول تجربة برلمانية في تاريخ البحرين على رغم أنها لم تدم حولين كاملين؟ من الذي يتحمل وزر وأد هذه التجربة الوليدة في مهدها؟ هل هم اليساريون الذين وجهت إليهم الحكومة حينها أصابع الاتهام بالضلوع في تدبير مخططات تكدر السلم الأهلي وتضع النسيج الوطني على مهب الريح؟ أم هم الإسلاميون الذين كانوا - وفق المنطق الحكومي ذاته - وطنيين أكثر من اللازم؟ لكن السيناريو الأكثر ترجيحا - بحسب الذين عاصروا تلك التجربة - هو تواطؤ أكثر من طرف لوضع حد فاصل لتجربة كانت ستكون الرائدة في الخليج لو كتب لها النجاح.
كان كل شيء في عمل المجلس واضحا وجليّا سوى الحقيقة التي يبدو أنها الغائب الأكبر... هكذا أدلى أحد الرسميين السابقين بشهادته إلى «الوسط» بشأن تلك التجربة التي شهدت مخاضا عسيرا لتنتهي بإسقاط هذا الجنين الديمقراطي البكر للبحرين في حملها السياسي الأول.
ويضيف واصفا تلك الحال التي عاصرها: شهدت البحرين آنذاك اضطرابات عمالية ليل نهار، تحولت خلالها إلى ساحة (هايد بارك) الشهيرة، وفي المقابل يقبع المجلس الوطني بتوليفته المتناقضة التي كان من الصعوبة بمكان إحداث نوع من التناغم والانسجام بين أعضائها المختلفين ليس في المصالح والسياسات فحسب، بل إن الثوابت والضوابط التي تمثل الركيزة للعمل البرلماني هي الأخرى كانت محل اختلاف.
ولكن ثمة سؤالا مازال يطرح: هل يمثل ذلك مبررا كافيا لحل المجلس والإجهاز على التجربة برمتها، ليدفع البحرينيون الثمن باهظا؟... هذا ما حاولنا الإجابة عنه بين سطور هذا التحقيق.
استقالة الوزارة
أمام هذه المعطيات ذات الوتيرة المتسارعة لم تجد الحكومة من سبيل - والكلام مازال للمقربين من الخط الرسمي - سوى تقديم استقالتها إلى الأمير، وجاء في خطاب الاستقالة «وكانت الحكومة قد أخذت على عاتقها استكمال التشريعات الضرورية اللازمة لمرحلة الاستقلال، فتواكب النمو السريع الذي يغشى الخليج كله، وان تعمق الشعور بالوحدة الوطنية، فيصير أبناء الوطن بناء واحدا يشد بعضه بعضا، ولكن الوزارة لم تجد في المجلس الوطني عونا لها في ذلك على رغم محاولاتنا المخلصة التي بذلناها خلال عامين إذ سادت مناقشاته أفكار غريبة عن مجتمعنا وقيمنا». واستطرد الخطاب قائلا: «وقد لوى كل هذا الحياة النيابية عن مقصدها السليم، وحجب جو المزايدة الآراء المعتدلة عن أداء دورها الفعال، ومن ثم لم تستطع الحكومة إنجاز ما كانت تأمل إنجازه من المشروعات التي تعود بالنفع المباشر على المواطنين».
ماذا يحدث؟
في اليوم التالي لحل المجلس الوطني، في 27 أغسطس/آب من العام 1957 كتب الشهيد عبدالله المدني في افتتاحية مجلة «المواقف» الأسبوعية قائلا: «ماذا يجري في البحرين؟ هل هي ثورة على المجلس الوطني بتركيبته المعقدة؟ هناك من استغل مركزه النيابي لمصالحه الشخصية، وهناك من كان هدفه إثارة المشكلات وليس حلها».
ومضى المدني قائلا: «لكن هل يتحمل المجلس المنحل كل أخطاء التجربة البرلمانية؟ ألا يتحمل معه أيضا المواطن الذي أساء الاختيار وترك الحبل على الغارب؟ ألا تتحمل أجهزة الدولة التي وضعت قانون الانتخابات، ووضعت مسودة الدستور؟».
واختتم المدني افتتاحيته قائلا: «الكل يجب أن يتحمل نصيبه من الخطأ، والكل يجب أن يتحمل نصيبه في إصلاح هذا الخطأ أيضا».
وفي الأسبوع اللاحق كتب أيضا: «إن مسئولية فشل التجربة البرلمانية مسئولية تاريخية تتحملها البحرين شعبا وحكومة، فالشعب أوصل إلى المجلس ثلاث عينات من الأعضاء: (يسار) يؤمن بدكتاتورية البروليتاريا وحكم الحزب الواحد وله تعليماته المستوردة، و(يمين) ليبرالي يؤمن بالتحرر من تقاليد البلد وقيمها الروحية وله مصالحه الخاصة، و(إسلاميون) يؤمنون بالإسلام عقيدة ونظاما... هذه التركيبة جعلت من المجلس مهرجانا سياسيّا لا غير».
ويصف أحد الصحافيين الذي كان مكلفا بتغطية جلسات المجلس الوطني السابق مهمة المجلس بأنها كانت صعبة للغاية، ويفسر رؤيته السلبية للمجلس على هذا النحو: «كان المجلس يقبع في مناقشات طويلة وجدل عقيم لأمور بسيطة، كانت بعض المناقشات تنحرف أحيانا إلى الطابع العدائي لبعض الوزراء، مناقشات بيزنطية يصدأ فيها سن القلم».
ومن خلال متابعاته للحراك السياسي للمجلس المنحل يوثق هذا الصحافي عدة حوادث عاصفة وفي مواقف شتى شهدها المجلس ليقول: «وأثناء مناقشات المجلس كانت كثيرا ما توجه كلمات قاسية إلى الوزراء، غالبا ما تكون خارجة عن الأعراف والتقاليد البرلمانية، وقد وصل الأمر إلى اتهام بعض الوزراء بالعمالة لأطراف خارجية»، ويطرح هذا الصحافي نماذج حية على تلك الحال التي وصمها بالمتردية في عمل المجلس.
من يسحب البساط؟
في جلسة الأحد غرة ديسمبر/ كانون الأول من العام 1974م قدم أحد الأعضاء سؤالا عن السياسة النفطية، وبعد مناقشات طويلة، ورد من الوزير، وسؤال من العضو، وتعقيب من الوزير، وتعقيب من العضو، وقد تجاوز ذلك الجدل نصف الفترة الزمنية لتلك الجلسة، يرد العضو السائل قائلا: «مازلت أنتظر الجواب من الوزير»، وكانت العملية عبارة عن لعبة من يسحب البساط من تحت قدم الآخر.
أما في جلسة الأحد 24 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، فكثر الشد والجذب بين الحكومة ونواب المجلس بشأن من استبق الآخر في اقتراح مشروع رفع الرواتب للموظفين، إذ ثار عدد من النواب وقالوا نحن أصحاب هذا الاقتراح وليس الحكومة، ووصل الأمر إلى أن يتقدم أحد الأعضاء بسؤال رسمي إلى وزير الدولة عمن سبق الآخر في طرح هذا الاقتراح، الحكومة أم النواب؟ لتنتهي الجلسة بعدم التصديق على هذا القرار ليكون العمال هم الضحية الأولى لـ «حزورة» البيضة والدجاجة، لذلك فإن هناك سيلا من المشروعات المهمة التي لم يبحثها المجلس، والتي تجاوز عددها الستة والعشرين قانونا، بدءا بقانون الخدمة المدنية، ومرورا بمشروع العمل وقانون المطبوعات، وقانون التعليم الإلزامي، وانتهاء بقانون «أمن الدولة» الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر أولى تجاربنا البرلمانية.
الشعب يريد إنجازا
وعلى الشاكلة نفسها يرى الوزير جواد العريض، الذي كان أحد أقطاب التشكيلة الحكومية، في إحدى المقابلات الصحافية «أن من المفترض أن تكون سلطات الدولة متعاونة تستمد كل سلطة قوتها من الأخرى»، لكن ما حدث في الواقع بحسب العريض «أن المجلس يشكل عائقا أمام الحكومة لتنفيذ برنامجها التنموي الذي وعدت به الشارع»، وفي المحصلة «أصبح أمام الحكومة طريقان لا ثالث لهما، إما أن تسير في ركب المزايدات والشعارات، وإما أن تتفرغ للعمل المنتج؛ لأن الشعب يريد إنجازا، واختارت الحكومة الطريق الثاني». ويشاركه في هذا الرأي أيضا الإعلامي المصري حلمي البلك الذي كان موجودا في البحرين آنذاك، إذ يقول: «إن المجلس تحول إلى دعوة مكشوفة إلى شل حركة السلطة التنفيذية، وتعطلت في دوامة المزايدات والمهاترات مشروعات الحكومة وتضاءل العمل، كل ذلك كان على حساب المواطن العادي، الذي كان يدفع الثمن يوميّا، وأصبح كل ما يشغل المجلس الوطني الجدل والمزايدات، ولم يكن بالامكان السكوت عن هذه الجريمة».
عضو البرلمان السابق محمد جابر صباح قال «إن تلك الأعذار مجانبة للحقيقة التي يجب الاعتراف بها اعترافا شجاعا، لوضع النقاط على الحروف دونما لف أو دوران، وهي أن التجربة البرلمانية الأولى أفشلت بفعل تكالب الكثير من العوامل الضاغطة لإفشالها، منها الخارجية والداخلية، ذلك أن التجربة البرلمانية البحرينية خلقت ارباكات لدى الكثير من الحكومات الخليجية، إن لم نقل كلها، باستثناء الكويت التي كان لديها مجلس الأمة، الذي رأى في المجلس البحريني عضيدا له. ولكي لا يبقى سردنا لحوادث التاريخ مبنيّا على مجرد تصورات - يضيف صباح - يلزمنا إسناد القول إلى شواهد تثبت الحقيقة». وينفي الشكوك والأقاويل المختلفة بشأن حل المجلس الوطني العام 1975، وذلك عندما دخل سفير خليجي على المرحوم طارق المؤيد الذي كان وزيرا للإعلام آنذاك، وحينها كان عند المؤيد صحافي من النوع الثقيل، ولم يتعرف السفير على شخصيته، وسمع السفير يهنئ المرحوم طارق بأمرين، الأول ما ناله من ثقة أميرية بإعادة تعيينه في منصبه باعتباره وزيرا للإعلام، والأمر الثاني كان حل المجلس الوطني، وتخلص حكومة البحرين من الشيوعيين (كتلة الشعب) في المجلس الوطني. أما العوامل الداخلية فإنها تتمثل في عائدات الطفرة النفطية، ويبدو أن السلطة ارتأت حينها إبعاد الرقابة الشعبية.
فترة زاهرة
زميله عضو المجلس الوطني السابق رسول الجشي كان له رأي مخالف، إذ ينفي فشل التجربة، بل على العكس يراها تجربة ناجحة، ويعلل ذلك قائلا: «كانت البحرين في فترة انعقاد المجلس الوطني (1973 - 1975) تعيش فترة زاهرة، حركت المجتمع بكل فئاته، وأشاعت روح الألفة بين جميع الطوائف. ومن ناحية أخرى كانت التجربة البرلمانية من انضج التجارب قياسا بمدتها الزمنية، وأرى أن حل المجلس يمثل مؤشرا على نجاح التجربة وليس العكس، لأنه كان بإمكان المجلس أن يستمر لو تخلى عن مسئولياته التاريخية من خلال مباركته لقانون أمن الدولة».
ويستطرد الجشي قائلا: «أكد المجلس من خلال موقفه الصلب، وبقناعة أعضائه، انه كان عند مستوى الثقة التي منحها إياه الشعب، لأن القبول بقانون أمن الدولة كان سيمحي كل القيم التي جاء المجلس من خلالها». وعن الجهة التي تتحمل المسئولية في إفشال التجربة البرلمانية الأولى، أجاب صباح: «باعتقادي انه ليس اليساريون ولا الإسلاميون كانوا سببا في حل المجلس الوطني، إذ إن المراقب المحايد لمضابط جلسات المجلس الوطني يستخلص أمرا في غاية الأهمية، وهو أن الخلافات بين الكتلتين أكثر منها حدوثا بين الفصيلين والحكومة».
وبموقف مشابه يعبر الجشي عن ذلك بقوله: «ليس صحيحا مطلقا أن نوجه أصابع الاتهام إلى أي من التكتلات السياسية بالمساهمة في حل المجلس، فالكل ساهم من خلال قناعاته ضمن العمل البرلماني، ولا شك في ان قانون أمن الدولة كان بمثابة القشة التي استعملتها الحكومة لحل المجلس، والإجهاز على التجربة الوليدة»، ويعلل الجشي ذلك بتضافر عدة أهداف تتفاوت في أهميتها بالنسبة إلى الحكومة التي ضاقت ذرعا بالمجلس وبدا عليها العجز في مواجهته، «ولم يستطع الوزراء التوفيق بين واجباتهم ضمن وزاراتهم، وبين ما يتطلبه العمل البرلماني نظرا إلى طبيعة التوزير».
ليست اضطرابات
ويصف صباح محاولة الربط بين الاضطرابات العمالية وحل المجلس بأنها «محاولة إيلاج الجمل من سم الخياط»، لأن هذه المطالب العمالية كانت تجسد حقوقا ثابتة لا يمكن الالتفاف عليها، وتتمثل أساسا في الاستعانة بالعمالة الخارجية بدلا من الوطنية، إضافة إلى تهافت الأجور التي كانت كافية لإثارة العمال، لذلك فإن من الإجحاف وصمها بالاضطرابات. وعما إذا كان ذلك يمثل مبررا كافيا لإنهاء التجربة برمتها، يجيب صباح قائلا: «ألا يمكن اعتبار الحوادث الجارية على الساحة الوطنية من اعتصامات ومسيرات واصطدامات مع رجال الأمن كافية لحل البرلمان الحالي». وهو الطرح الذي يوافقه عليه الجشي، إذ قال: «لا اعتقد بأن الاضطرابات العمالية آنذاك كانت تشكل عائقا بالنسبة إلى إنجاز أعمال المجلس، ولو أنها أخذت حقها في الحل لما كان لها اثر سلبي، ولا مثل ذلك مبررا للجهات المتضررة للضغط على الحكومة، أو تحميل المجلس مسئولية ما كان يحدث، وبطبيعة الحال لم تشكل تلك الحوادث مبررا لحل المجلس».
وفي معرض التعليق على هذه التجربة بعد 28 من انتكاستها، يرى الجشي أنه لو توافرت القناعة الكافية بالديمقراطية لدى السلطة السياسية في حينها لاستطاعت التجربة الاستمرار لفترة أطول، ولاستطاعت أن تثبت بجدارة للمسئولين ان الديمقراطية هي الضمان الوحيد لاستقرار الوطن وازدهاره، ولكنا قد وفرنا على البلاد ما حدث طيلة 25 عاما من عدم الاستقرار وتراجع التنمية.
وينظر صباح بعين من الريبة والتوجس اتجاه التجربة البرلمانية الجديدة، إذ قال عنها: «لا يمكنها أن تنتج عملا مجديا»، ويضيف قائلا: «على ضوء المعطيات الحالية فإن المجلس فشل في إيجاد علاج ناجع للقضايا الرئيسية التي تعج بها الساحة البحرينية منذ ثلاثين عاما مثل البطالة، والعمالة الأجنبية وإقصاء للمواطنين من بعض المؤسسات الحكومية».
ويختتم صباح حديثه قائلا: «إن المجلس السابق تم حله تحت مبررات قائمة اليوم بأجل صورها، بل وربما أكثر من السابق».
ربع قرن مضى أو يزيد، تجربة انتهت واختزلت رجالاتها وتاريخها وبدأت أخرى، سطر المؤرخون القادمون وقائعها ومعطياتها في كتب التاريخ... اليوم نقف لنتذكر العبرة وتفاصيل أخرى لا يمكن العبور عليها وكأنها لم تكن
العدد 354 - الإثنين 25 أغسطس 2003م الموافق 26 جمادى الآخرة 1424هـ