العدد 2660 - الجمعة 18 ديسمبر 2009م الموافق 01 محرم 1431هـ

هل يغير الفقه مستقبل مسلمي الغرب؟

في ضوء حادثة تكساس ... (2)

محمد أبوالمجد - نقلا عن شبكة إسلام أون لاين 

18 ديسمبر 2009

لعل المخزون الديني الثقافي للمسلم به ما يدفعه إلى أن يندمج في مجتمعه الذي يعيش فيه، أيا كان توجهه وأن يكون شريكا لكل مكوناته البشرية في النهوض بأعباء الحياة، مدفوعا بالتكليف الذي كلفه الله عز وجل به، وهو الشهادة على الناس، والتي لن تتأتى له إذا ما بقي منعزلا عنهم متقوقعا على أفكاره بعيدا عن تطورات حياتهم، فهو دائما يضع نصب عينيه هذه الآية: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» (البقرة: 143).

بهذا المعنى، فإن المسلمين في الغرب لن يعوقهم الاندماج عن الاعتزاز بصفتهم الإسلامية، بل إنه يدفعهم دفعا للتمسك بإسلامهم على الوجه المطلوب ليسهموا في خدمة مجتمعاتهم بالقيم الأخلاقية والحضارية التي يدعوهم إليها دينهم، أما إذا فهم البعض الاندماج على أنه انسلاخ من الهوية الدينية والتجانس مع سائر مكونات المجتمع، فإنه حينها لن يكون اندماجا يفيدهم ويفيد مجتمعهم، ولكنهم سيتحولون بمقتضاه إلى أرقام تضاف إلى عدد السكان، فلا تكون لهم مبادرة ولا إضافة.

يبين الكتاب أيضا أن فقه المواطنة يتطلب أن يندمج المسلمون في مجتمعاتهم الغربية المخالفة لهم اندماجا نفسيا وفكريا وإصلاحيا ليسبحوا داخل منظومة القيم الغربية القائمة على التشاور والتراتبية القيادية والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف وإتقان الأعمال والانضباط فيها، وهي - للمفارقة - قيم إسلامية خالصة كان من المفترض أن يتمثلها المسلمون بحكم تدينهم، غير أن عهود التخلف قد أتت عليها حتى تحولت لقيم طبعت وجدان الثقافة الغربية وأصبحت ضمن قيم الغرب التي يجب أن تحارب حتى لا تنتقل لديار المسلمين!


فقه الأقليات... ترخيص أم تأسيس؟!

ولعل انتقال المسلمين من قمة سلم الحضارة إلى آخر درجة فيه هو الذي أسس لظاهرة الأقليات المسلمة داخل المجتمعات غير المسلمة، ما استدعى تأصيل فقه جديد لم تكن جذوره موجودة في التراث بالشكل الكامل نظرا للسبب السابق وهو فقه الأقليات، وبين الكاتب أن هذا الفقه استند على جناحين رئيسيين هما فقه الترخيص وفقه التأسيس.

وفقه الترخيص يقوم على فرضية أن الأقليات المسلمة في الغرب في غالب أمرها تعيش على قوانين لا تستند إلى سلطان الشريعة، وهم بذلك يعايشون وضعا «استثنائيا» تشتد فيه الحاجة إلى الرخص التي قد تكون محظورة في الأوضاع الاعتيادية.

أما الجناح الثاني وهو فقه التأسيس، فكانت الحاجة له ناشئة عن تحول وجود الأقليات المسلمة في بلاد الغرب من الوجود الظرفي العرضي إلى المستقر المواطن، وهي مرحلة تحتاج ترتيبا جديدا للواجبات والمكروهات والمباحات... إلخ، فكان لزاما أن يكون هذا الفقه الجديد يسعى في سمته العام إلى تأسيس وجود إسلامي فاعل في المجتمعات الغربية، ويعد هذا الفقه ناسخا، إن صح التعبير، لفقه الترخيص الذي تلاءم مع مرحلة ظرفية معينة كان الوجود الإسلامي في الغرب حينها ظرفيا.


مآلات الأفعال

غير أن قاعدة فقهية تكتسب أهمية خاصة عند الحديث عن منهج الأقليات المسلمة في الغرب عموما، وقد استدعت حادثة «تكساس»هذه القاعدة لإعادة فهمها وتمثل خطوطها العريضة، وهي قاعدة مآلات الأفعال.

فأوضاع المسلمين حينما يكونون أقلية في مجتمع غير مسلم تعد من أشد الأوضاع تعقيدا، إذ هي أوضاع اجتمع فيها التعقيد والتشابك في الحياة المعاصرة بصفة عامة، مع المضاعفات الناتجة عن وضع المسلمين كأقلية داخل ذلك المجتمع.

إن هذه الأوضاع من شأنها أن تكسب أحوالا كثيرة من أحوال المسلمين خصوصيات ذاتية وموضوعية تؤول بها لو طبقت عليها الأحكام الشرعية العامة إلى مآلات تخالف مقاصد تلك الأحكام، فيكون إذن لقاعدة مآلات الأفعال دور اجتهادي مهم في فقه الأقليات المسلمة، بل لعلها تكون من أهم القواعد الأصولية التي ينبغي تحكيمها في ذلك الفقه.

يبقى الكتاب «فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا»، حلقة في إشكالية التعايش بين الأقليات المسلمة ومجتمعاتها غير المسلمة ليكون هذا التعايش مقدمة لاندماج وشراكة تجعل مسلمي الغرب حملة لمشاعل النهضة والتنمية بمبادئ إسلامهم، لو أحسنوا استغلالها.

العدد 2660 - الجمعة 18 ديسمبر 2009م الموافق 01 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً