العدد 417 - الإثنين 27 أكتوبر 2003م الموافق 01 رمضان 1424هـ

البرنامج النووي الإيراني والمصالح الاقتصادية

أثبتت القيادة الإيرانية نضجا واقعيا في تناولها لملف «مشروع» الأزمة المتعلق بالبرنامج النووي والذي سعت اميركا وحلفاؤها بكل ما يملكون من نفوذ الى تحويله الى مجلس الأمن - من نافذة منظمة الطاقة الدولية التي بدورها اصدرت انذارا ينتهي بنهاية شهر اكتوبر/تشرين الأول 2003 - إذ سيتم - حسب السيناريو الاميركي - في حال رفض ايران للتوقيع على البروتوكول الاضافي، استصدارقرار بفرض حصار اقتصادي - اضافة الى ما هو مفروض فعلا من حصار منذ قيام الجمهورية في شهر فبراير/شباط 1979 - على ايران، يدخلها في متاهات شديدة التعقيد لا اول لها ولا تالي.

ولكننا نلحظ بكثير من الاهتمام هنا الى انتباه القيادة الايرانية الى الفخ الذي نصب لها، وحاولت من خلال ترك ملف الازمة يتنقل ويعالج من قبل التكنوقراط مرة، الى الدبلوماسيين في مرات اخرى ومتنقلا فيما بين الاصلاحيين والمحافظين في غالبية الاوقات. ولكنني ارى ان ايران بحنكتها هذه قد حققت الكثير من النجاحات في موافقتها على التوقيع على البروتوكول الاضافي، هذه النجاحات يمكن لنا ان ندرجها في خانات كثيرة من النجاحات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية والاقتصادية، وعلى المستويات الزمنية الآنية والقصيرة والمتوسطة. وما يهمني هنا بالدرجة الاولى ان نجاح ايران في الخروج من ازمة برنامجها النووي باقل الاضرار وبأكبر المكتسبات هووضعها في الاعتبار مصالحها الاقتصادية بالدرجة الاولى والتي وجب على قادتها ان يضعوا هذه المصالح في اعلى اولوياتها الوطنية وهذا ما تم فعله على ارض الواقع. والسؤال الذي قد يتبادر الى الذهن، ماهي المصالح الاقتصادية التي استطاعت إيران المحافظة عليها بموافقتها على الايقاف الطوعي لبرنامجها النووي؟ دعونا نجيب على هذا التساؤل من واقع التقارير الاقتصادية الصادرة من مختلف المنظمات الاقتصادية والمالية والتجارية والنقدية العالمية والاقليمية والتي بينت بما لايدع مجالا للشك ان الاقتصاد الايراني - على رغم الصعوبات الكثيرة- قد حقق انجازات يعتد بها سواء في مجال النموالاقتصادي الحقيقي او في مجال السيطرة على التضخم او في تحقيق وضع توازني في تجارتها الخارجية مع دول العالم او في تعزيز احتيطياتها الدولية و ما الى ذلك من مؤشرات ايجابية في وقت عز فيه ان تحقق الكثير من دول العالم -خصوصا الدول النامية منها - اي تقدم يذكر. على وجه العموم، تشير احدث التقارير العالمية المتخصصة ان إيران استطاعت خلال السنوات الثلاث الاولى (للسنوات 2001 حتى 2003) من خطتهاالتنموية الخماسية الثالثة ان تحقق نموا اقتصاديا حقيقيا بمتوسط بلغ 5,8 في المئة، على رغم انخفاض انتاجها النفطي خلال العامين السابقين، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى، فقد سجل الوضع الاقتصادي الكلي تحسنا كبيرا مقارنة بما حققته خطة التنمية الاقتصادية الخماسية السابقة. في الخطة الخمسية الحالية شهد الحساب الخارجي الجاري فائضا، كما وانخفض الدين العام الخارجي الى مستويات متدنية جدا، وارتفعت الاحتاطات الدولية الرسمية بالعملة الصعبة بشكل واضح، وزاد التوفير المالي الرسمي المتراكم في (صندوق الاستقرار النفطي). هذا الاداء المتميز تم تحقيقه على خلفية من اتساع الانفتاح الاقتصادي الايراني على التجارة العالمية، والاستثمارات الخارجية ومواصلة الاصلاح الهيكلي الاقتصادي، اضافة الى استفادة الاقتصاد الايراني من اسعار النفط المرتفعة والادارة المتوازنة للموازنة العامة. ايران : مؤشرات اقتصادية مختارة 2001 - 2002، 2002 - 2003 النمو الحقيقي في الناتج المحلي الاجمالي (في المئة) 8,64,5 الارقام القياسية لاسعار المستهلك - معدلات التضخم (في المئة) 8,154,11 معدلات البطالة (في المئة) 3,16 7,15 الفائض او العجز في الميزانية الحكومية (كنسبة في المئة من الناتج المحلي الاجمالي) 8,1 - 3,2 نمو السيولة النقدية بمفهومها الواسع (في المئة) 8,25 1,30 الحساب التجاري الجاري (كنسبة في المئة من الناتج المحلي الاجمالي) 5,3 - 0,3 اجمالي الاحتياطيات الرسمية في الخارج (مليار دولار) 16,9 - 21,8 الدين العام الخارجي (مليار دولار) 7,2 - 9,2 سعر الصرف (ريال الى الدولار) 7921 - 7967 المصدر: صندوق النقد الدولي، سبتمبر/ أيلول 2003.

على رغم من ما انجزة الاقتصاد الايراني من نتائج ايجابية مهمة، الا انه ما زال يعاني من مشكلات كثيرة ومايزال يواجه الكثير من التحديات، يأتي على رأسها عدم مقدرة الانشطة الاقتصادية الايرانية المختلفة على خلق فرص عمل جديدة تستطيع ان تمتص الزيادة المتسارعة في حجم قوة العمل الوطنية الشابة. كذلك فان معدلات التضخم ماتزال مرتفعة ومستمرة في الارتفاع، كما وان برامج دعم الاسعار ومراقبة الاسعار تشكل قوى ضغط تؤثر سلبا على الكفاءة الاقتصادية للجمهورية، متزامنا مع وجود الكثير من المعوقات الهيكلية التي تقف حجر عثرة في وجه نمو وتطور القطاع الخاص. على وجه الخصوص، فان النمو كان مرتفعا للسنة المالية 2002 -2003. إذ قدر معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي الايراني بنحو 6,8 في المئة، مع تفوق الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي بتحقيقه نسبة نمو بلغت 7,9 في المئة والذي عكس الاثار الايجابية لتنفيذ برامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني والظروف الاقتصادية الخارجية المناسبة بما فيها الظروف الجوية والطقس المناسبين للزراعة واسعار النفط المرتفعة وانخفاض معدلات البطالة بشكل طفيف مقارنة بالعام السابق، ولكنه مازال مرتفعا عند ما معدله 15,7 في المئة.

الطلب الداخلي على السلع والخدمات استمر في النمو بمعدلات سريعة ومرتفعة خلال السنة المالية 2002 - 2003، بغض النظر عن الاجراءات التصحيحية في السياسات المالية والنقدية. وكنتيجة لذلك فقد نشطت الارقام القياسية لاسعار المستهلك لترفع معدل التضخم ليرتفع الى 15,8 في المئة مقارنة بـ 11,4 في المئة للسنة المالية 2001 - 2002، كما وتقلص الفائض في الحساب التجاري الجاري الى 3 في المئة من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي على رغم ارتفاع اسعار النفط. كذلك فان اسعار الاسهم والعقارات استمرت في الصعود السريع ولا يعود سبب ذلك فقط الى الاجراءات الحكومية لتحرير الانشطة الاقتصادية بل الى توسع معدلات النمو في السيولة النقدية والتسهيلات الائتمانية الممنوحة للقطاع الخاص والافراد ايضا، نهايك عن الاستقرار النسبي في اسعار صرف العملات بمواجهة الريال الإيراني. اجمالي الاحتياطات الرسمية شهدت ارتفاعا بما يساوي سبعة اشهر من ايرادات ايران من الخارج من السلع للسنة المالية المقبلة 2003 - 2004، جنبا الى جنب تعاظم الادخار المالي الحكومي الداخلي في ضندوق الاستقرار النفطي بزيادة بلغت نحو 500 مليون دولار. فيما يتعلق بالميزان المالي الاجمالي، فيلاحظ انه تحول الى عجز بنسبة 2,3 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للسنة المالية 2002 - 2003، مقارنة بفائض بلغ 1,8 في المئة خلال العام المالي 2001 - 2002. ويعزى هذا التحول في الموازنة العامة من فائض الى عجز الكلف الباهظة التي تحملتها الموازنة جراء توحيد اسعار الصرف والتسارع في نمو المصاريف الرأسمالية الحكومية. العام المقبل 2004 يحمل الكثير من المؤشرات الايجابية والسلبية، ففي الجانب الايجابي فمن المتوقع ان ينمو الاقتصاد مقاسا بالناتج المحلي الاجمالي بالارقام القياسية بنسبة 6,5 في المئة للسنة المالية 2003 - 2004. في الجانب السلبي، تبقى مخاطر الضغوط التضخمية المتزايدة مازالت قائمة، مما قد يقود الى بلوغ نسب التضخم 18 في المئة.

هذه خريطة الطريق الاقتصادي لجمهورية إيران الاسلامية، بمنعطفاتها وتشابك متغيراتها، والتي تبدو واضحة للعيان بأنها على درجة من التعقيد والصعوبة، وان استطاعت الادارة الاقتصادية الايرانية فك بعض مركباتها، فهل هناك شك في اذا ما كان من الصائب ان تتجه القيادة الايرانية الى فتح جبهة البرنامج النووي في هذا الوقت بالذات؟ الحقائق والارقام تجيب.

اقتصادي بحريني

العدد 417 - الإثنين 27 أكتوبر 2003م الموافق 01 رمضان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً