تستضيف جمعية التوعية الإسلامية المفكر الإسلامي المصري والمستشار الدمرداش العقالي، إذ يلقي محاضرات إسلامية متنوعة تحدث في إحداها عن تأييده لقانون الأحوال الشخصية المصري، فبادرت «الوسط» بإجراء هذا الحوار معه للتعرف على رؤيته تجاه قوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي، فتجاوز الحديث القانون المصري إلى دعوة إلى قانون واحد للأحوال الشخصية لجميع البلدان الإسلامية، وآلية محددة لصوغ قوانين الأحوال الشخصية تبدأ من الفقهاء والعلماء وتنتهي عند قبة البرلمان، وفيما يأتي نص الحوار:
بداية، هل ترى ضرورة وجود أو إيجاد قوانين للأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية بشكل عام؟
- نظرة الإسلام إلى تنظيم العلاقات البشرية هي نظرة متكاملة، ولكي يقال إن هذا المنهج إسلامي فلا بد أن يشمل كل جوانب الحياة، و «الأحوال الشخصية» فرع من فروع التنظيم الإسلامي للعلاقات الأسرية.
فلا بد إذن أن يكون الوعاء كله إسلاميا، لتكون «الأحوال الشخصية» إسلامية، وإنما نظرا إلى ظروف الاستعمار وما اقترفه في البلاد الإسلامية من تعطيل لأحكام الشريعة الإسلامية في جميع الشئون، لم يبق إلا «الأحوال الشخصية» التي أراد الاستعمار أن يبقيها ذرّا للرماد في العيون، ليقول إن هناك تطبيقا للشريعة الإسلامية.
علينا أن نتشبث بأن تكون «الأحوال الشخصية» - وهي الزاوية الوحيدة الباقية من تطبيق المنهج الإسلامي - وفقا للشريعة الإسلامية، ورؤية الشريعة للأحوال الشخصية تختلف من مذهب إلى آخر، وهناك اختلافات شديدة ومؤثرة في بيان الحلال والحرام، فعلى سبيل المثال: إن عقد الزواج الذي يعتبر (عند كل المذاهب) من أهم العقود ويبدأ به بناء الأسرة، يكمله ويتواصل معه يمين الطلاق لأنه هدم للأسرة، فلابد أن يكون العقد واليمين على نحو محكم مبين بحيث يستطيع المسلم أن يعرف أين الحلال وأين الحرام.
الزواج و«الأحوال الشخصية»
إن الزواج في الإسلام باب رحمة لعصمة الناس من الوقوع في الهوى، ولا يوجد دين حضّ على الزواج ورغب فيه كما الإسلام، ولا يوجد دين حضّ على التقارب بين الأنساب لتنصهر الأمم والقبائل والشعوب قدر الإسلام، فعقد الزواج إما أن يكون دائما أو مؤقتا، وتجد بعض المذاهب تستنكر مسألة العقد المؤقت.
وأرى أنه عندما يتكلم أي متحدث في شئون الأسرة يجب أن يضع بين يديه الواقع المعاصر، فالإنسانية كلها الآن تشكو من حال انفلات في العلاقات الجنسية، والشهوات أصبحت تحكم الناس، وخصوصا أن المجتمع الغربي المسيطر على العالم مجتمع محكوم بعقدتين: عقدة المسيحية وهي في مسألة الزواج أشد ما تكون تضييقا، وعقدة العلمانية وهي في مسألة الزواج أشد ما تكون إباحية.
فالعلمانية تعتبر الزواج عقدا مدنيا كأي شركة تجارية، كأي اثنين يلتقيان لبيع متعة من دون أية ضوابط، وأما المسيحية فتجعل عقد الزواج سرا من أسرار العقيدة، ولا ينعقد الزواج إلا بعد مراحل، وإذا انعقد لا ينفصل أبدا، ويسمى ذلك بـ «أبدية عقد الزواج».
لقد أصبح المجتمع الغربي يعيش في تناقض حقيقي، فهو لا يطبق المسيحية، وغير ملتزم بعقيدته، و(قد) يلتزم بالعلمانية، فما موقف الإسلام من الفوضى في العلمانية والقيود التي تفرضها المسيحية؟
إنها الوسطية في الإسلام، فقد جاء بعقد زواج دائم يبتغي به دوام العشرة وجعل للانفكاك منه (أي الطلاق، طبقا للمذهب الإمامي) ضوابط كي لا يقع إلا إذا كانت هناك أسباب توجب الطلاق، فالمسيحية تمنع الطلاق نهائيا، بينما الزواج في العلمانية كالعلاقات التجارية، وهنا نجد أن الطلاق في المذاهب الإسلامية الأخرى لأخوتنا السنة سهل، وكأنها تحض على الطلاق، فيما المذاهب كلها تتفق على أن أبغض الحلال عند الله الطلاق، فقد ذهبت بعض المذاهب إلى قبول الطلاق بمجرد اللفظ وإن كان هازلا، حتى إنهم رووا حديثا يقول (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، الطلاق والإعتاق والإبراء)، فلو أن أحدا طلق لفظا وهزلا فتطلق منه زوجته عند أهل السنة، ولو طلقها وهي حائض فتطلق منه، ولو تطلق وهو مغضب فتطلق منه... وكأن هناك حثا على الطلاق.
إنني أحدثك عن يقين عشناه في مصر، فهناك مسيحيون ومسلمون، فبينما تتمتع الزوجة المسيحية بأمان نفسي منذ زواجها لأن زوجها لا يستطيع أن ينفك عنها، يعيش الزوج في حال من التوتر النفسي فمهما فعلت معه أو أغضبته لا يستطيع أن ينفك عنها إلا أن يرميها بالزنى، إذ لا سبب للطلاق عند المسيحية إلا الزنى.
وفي المقابل يقول قسيس مسيحي: «إن الطلاق عند المسلمين طقة حنك!»، فالمرأة تبقى خائفة من غضب زوجها، وبمجرد أن يقول «طالق» ثلاث مرات فلا يمكن له أن يرجع إليها، وإن الله سبحانه يقول «الطَّلاقُ مَرَّتَانِ، فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(البقرة:229) ، فعبارة الآية (مرتان) تدل على الفترة الزمنية ولم تقل لفظتان.
إنني أعتبرها «كارثة» عاشتها مصر فترة طويلة حتى تدارك العقلاء في مصر الأمر، فضبطوا الطلاق وفقا لمذهب الإمام الصادق (ع)، أي وفقا للضوابط الآتية:
أولا: إذا أردت أن تطلق فانظر إلى زوجتك فإن كانت على طهر، أي اغتسلت من الحيض، فلا تمسسها حتى تطلق، فإن مسستها استحال عليك طلاقها حتى تحيض مرة أخرى وتطهر، فانظر إلى هذه الحكمة فالرجل قد يغضب مع زوجته كما يغضب مع أي إنسان آخر فإن هم بالطلاق تحجبه أول مسألة كونها حائضا، فيسكت ولعل في سكوته ما يفرغ شحنة غضبه، وبعد انتهاء فترة الحيض تتزين له وتطيب نفسها فينصرف عنه الغضب فيمسسها، فيحرم عليه الطلاق حتى تحيض مرة أخرى، وهكذا.
ثانيا: لنفترض أن الزوج أراد الطلاق في الطهر، فلا يستطيع أن يطلق زوجته إلا بعد أن يأتي بشاهدين ذوي عدل ليسمعا طلاقه، ومعنى ذلك أن تكون هناك محاولة للصلح بينهما.
ولذلك أحببت أن أسجل هنا أن القانون المصري أخذ برأي مذهب الإمام الصادق(ع) في الطلاق، وأصبحت المرأة في مصر لا تطلق إلا في طهر لم يمسسها فيه وبلفظ الطلاق الصحيح، فلماذا اقتنع المشرع المصري بهذا الأمر؟
مصر وإيران... إحصاءات
إن مصر وإيران بلدان مسلمان متشابهان في أمور كثيرة إلى حد التطابق، فمثلا في عدد السكان 70 مليونا، وحتى التشابه في التاريخ، ففي وقت كانت فيه مصر شيعية كانت إيران سنية والآن العكس، ولذلك عملنا إحصاءات في كل من مصر وإيران عن الطلاق لنستفيد منها في تعديل القانون، فقد وجدنا نسبة الطلاق في مصر وصلت إلى 25 في المئة من حالات الزواج، بينما نسبة الطلاق في إيران (مع تطابق عدد السكان) أقل من واحد في المئة، فقلنا إن هذا يشكل استقرارا أسريا علته كيفية الطلاق، وما معنى أن الطلاق المتشرع هدم أسرة وخلق القلق في الأسر الجديدة (بعد أن يتزوج المطلقان)، فالذين طلقوا على غير روية يعيشون مع بعض في النفس وهم نادمون وقد أقبلوا على حياة جديدة.
كيف يمكن تقنين «الأحوال الشخصية» في قانون واحد وفرضه على كل المذاهب الإسلامية، في ظل وجود اختلاف بينها في الآراء الفقهية والاجتهادية؟ وفي مصر مثلا حين يكون الحكم في القانون لا يوافق المذهب الجعفري فهل توافق أن يطبق عليك؟ كذلك الحال بالنسبة إلى المذاهب الأخرى؟
- إن مسألة الزواج لها بعدان، ثنائي واجتماعي، ثنائي بين الرجل والمرأة، فالرجل الذي يريد أن يحتاط في دينه عليه أن يتزوج وفق ما يريد الله، ولكن عليه أن يصوغ العلاقة في الصورة التي تريدها الدولة، لأن هذه العلاقة لا بد أن تعترف بها الدولة.
وعلى سبيل المثال أنا باعتباري مصريا في ظل القانون القديم الذي كان يقول إن الطلاق يقع بمجرد اللفظ الواحد، كنت حريصا على ديني في علاقتي مع زوجتي على ألا أطلق باللفظ الواحد، لكي لا أقع تحت طائلة القانون، فيجب أن ينصاع المواطن في كل دولة إلى قانونها، ويوفق بين معتقده وقانونها، فلن يفرض عليه أحد شيئا فهذه «أحوال شخصية»، إنما المطلوب من العالم الإسلامي - وهذا ليس صعبا - أن يتفق على قانون موحد للأحوال الشخصية، فلو أراد ولي الأمر أن يزوج ابنته لرجل من دولة أخرى فلا بد أن يعرف حقوقها في هذا الزواج، فلو كانت حقوقها في مذهبه خلاف حقوقها في المذهب الثاني، فكيف سيقبل الشيعي تزويج ابنته بسني وهو يختلف في كيفية طلاقها منه؟ فمنعا للتضارب نناشد الجامعة العربية - وفيها لجان لتوحيد القوانين كقانون الجمارك مثلا - توحيد قوانين الأحوال الشخصية، فذلك لا يمانعها أي نص موجود في المذاهب الإسلامية كلها، فيما أن الحد الأدنى من التعاون العربي والإسلامي أن يتزوج الإنسان المسلم من زوجة مسلمة في بلد آخر وفق رؤية واضحة...
القانون الفقهي والمكتوب
إنك تتحدث عن قانون موحد للأحوال الشخصية لكل العالم الإسلامي، بينما بعض الدول الإسلامية لا توجد بها قوانين للأحوال الشخصية...
- يوجد (في كل البلاد الإسلامية) قانون، فإما أن يكون قانونا في الفقه أو أن يكون قانونا مكتوبا، فالدول التي لم تكتب الفقه كقانون رضيت بالفقه كقاعدة، فأصبح الفقه هو القانون.
فالشيعي في البحرين يتزوج وفقا لمذهب الإمام الصادق (ع) (والسني أيضا يتزوج وفقا لمذهبه)، أما الدولة حين تصدر قانونا فتقصد أن تحكم رقابتها على الناس، وهذا فيه مصلحة، كمعرفة عدد حالات الزواج في البلاد، ولو ترك الناس لحالهم لما عرفت الدولة من المتزوج ومن غير متزوج، وذلك عن طريق السجلات الخاصة بالزواج...
هذه السجلات الخاصة بتوثيق الزواج موجودة من دون وجود قانون للأحوال الشخصية...
- نعم، ولكن هذه السجلات طائفية، فهل هذه السجلات ملك للدولة؟ أم إن كل طائفة تقوم بها على حدة؟
هذه السجلات ملك للدولة، ولكن كل طائفة تقوم بها على حدة وفقا لمذهبها، ولكن ليس وفقا لقانون معين للأحوال الشخصية.
- قلت إن القانون موجود في المذهب نفسه، وأما كون الدولة لم تقنن ذلك فقد رضيت بفقه المذهب، أما إذا أرادت أن تقنن فعليها أن تقنن وفقا لما يجمع الناس، فما دامت البحرين بها أكثر من مذهب، يجب على الدولة أن تضع قانونا تكون فيه المصلحة للكل، وهي لا تستطيع أن تأخذ القانون (أو أحكامه) إلا وفق مذهب معين، فترى أي المذاهب هو الأعون على تحقيق المصلحة، فتأخذ فقهه وتصنع منه قانونا، كما فعلنا في مصر.
أنت تدعو إلى قانون موحد بين دول العالم الإسلامي، فهل تقصد القانون المكتوب أم القانون الموجود في الفقه كما ذكرت؟
- نعم، ما دام كونه موحدا لا بد أن يكون مكتوبا...
لكن ما آلية صوغ هذا القانون؟ كيف كانت آلية صوغ قانون الأحوال الشخصية المصري مثلا؟
- الناس في مصر هم من المذاهب الأربعة، فعند الشافعية مثلا لا يصح عقد الزواج إلا بولي (لا نكاح إلا بولي وشاهدين)، وعند أبي حنيفة لا حاجة للولي (البالغة الرشيدة تزوج نفسها)، فعندما تأتي الدولة لتعمل قانونا واحدا تأتي بالفقهاء وممثلي الشعب وتحثهم على إيجاد المصلحة، فالشريعة مهمتها حفظ مصالح الدين والملة، فهل المصلحة التي توفر الاستقرار في المجتمع أن يكون الزواج بولي أم بدون ولي؟ لذلك قال أهل الحل والعقد إن شرط الولي هو الذي يحقق المصلحة فجعلوه شرطا لعقد الزواج في القانون، وعلى الحنفي أن يتبع هذا الأمر من الدولة لأنه يرى - في الفقه الحنفي - وجوب اتباع اجتهاد ولي الأمر، لهذا نجد أن الإسلام متكامل، فالفقه الحنفي وإن قال بعدم وجوب الولي ولكن عند الخلاف يقول إن (أمر ولي الأمر يحسم الأمر)، ولهذا يقبل الناس ويجتمعون عند القانون المكتوب.
الأخذ بالاحتياط
هل تقصد بأن القانون المكتوب يجب أن يأخذ بالاحتياط ما بين الآراء الفقهية المختلفة؟
- نعم، ولا يخرج من مجمل المذاهب، ويأخذ ما يحقق المصلحة به، ويجعله قانونا يلزم به الكل...
إذا أخذ القانون بالاحتياط، ألا يعد ذلك تعسيرا لا تيسيرا؟
- لا، بل بالعكس من ذلك، يجب أن يأخذ بالاحتياط الذي فيه تيسير، فما معنى الديمقراطية (خلاص بقى ندخل على عمنا بوش! اللي بيقول خلكم ديمقراطيين... وخذوا الحكمة من أفواه المجانين)، فالديمقراطية معناها أن يجتمع ممثلو الأمة وينظروا في أمرها كرب البيت الذي يقول لزوجته ماذا لدينا في البيت لنطبخ منه وجبة؟ فتقول له، كذلك الدولة يجب أن ترى ما لدى الناس وتعمل منه قانونا بشرط عدم الخروج عن المجموع الفقهي، فلا يأتي علماني ويقول بعدم وجود الزواج وأن الناس أحرار... لا فهذا كسر للجدار الديني ككل.
هنا نأتي لمسألة البرلمانات في إعداد هذه القوانين...
- أرى أنه من حسن الحظ أن جميع برلمانات الدول العربية بما فيها تونس، وهي أول دولة عربية شقت عصا الطاعة على الفقه لتعمل قانونا مكتوبا، قالوا بانتقاء قانون من بين المذاهب ولكن لا يخرجون عن مجموع المذاهب، ووسعت قاعدة المذاهب إلى المذاهب الثمانية، وجعلت مواد القانون متنوعة بين أحكام المذاهب، أي انتخاب وانتقاء القانون من مجموع المذاهب.
لقد عاشت مصر إبان التعصب بين الفقهاء فترة تاريخية لم يكن جائزا أن تتزوج الشافعية حنفيا أو المالكية حنبليا... غير أنها بعد ذلك حلت هذه القيود ضمن المذاهب الأربعة، وبعد ذلك أخذت تونس بالمذاهب الثمانية، فهذا الانفتاح على المذاهب الإسلامية يعطي العقل الإسلامي انتخاب الأجود، وصدق الله العظيم إذ قال: «كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الَحقَّ والبَاطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِيْ الَأرْضِ» (الرعد:17).
إن المسألة هي: مَنِ الذي سينتخب مواد القانون، فهل أعضاء مجلس الشعب المصري أو البرلمانات العربية هم أهل لهذا الانتخاب؟
- إن الأصل في كلمة «برلمان» أنه صاحب الحق في وضع القوانين، ومادام هو صاحب لهذا الحق فهو وما يبذله من جهد، فهناك برلمانات فيها أكفاء وهناك برلمانات دون ذلك، وقانون البرلمان في مصر مثلا يقول إن نصف أعضائه يجب أن يكونوا عمالا وفلاحين! وقد كنا حين نجلس في مجلس الشعب لم يكن البعض يعرف إلا أن يجلس ويصفق ولا يعرف عمَّ نتحدث، وأتذكر موقفا لأحد الأعضاء دخل القاعة متأخرا فرأى التصفيق في القاعة فوقف وأخذ يصفق، وبعد أن جلس وانتهى التصفيق سأل اللواء الذي كان يجلس بجنبي «هماه بيصفقوا على ايه؟!»، لذلك فمجلس الشعب المصري نصفه من العمال والفلاحين والنصف الآخر من العلماء وفقهاء الأزهر والدكاترة والقضاة والمستشارين.
الآلية والضمانة
ولكن ما الضمانة في استصدار قانون مكتوب للأحوال الشخصية لا يتعدى الأطر الشرعية، إذا لم يكن أعضاء البرلمان جميعهم أهل اختصاص؟
- فلتنظر كيف يعد القانون إذا؟ فمجلس الشعب هو آخر مرحلة في القانون، فقانون الأحوال الشخصية في مصر يعد كالآتي: أولا يعد الجامع الأزهر مشروع القانون، ومن ثم يرسله إلى مجلس الدولة فيصوغ الأفكار القادمة من «الأزهر» على هيئة مضبطة، بعد ذلك يقوم مجلس الدولة بإرسال القانون إلى مجلس الشعب، فتقوم اللجنة التشريعية في المجلس (وكل أعضائها من القضاة) بمراجعة القانون فينجزوه ويعرضوه على المجلس عرضا عاما.
فهناك فرق كبير بين الورشة التي تعد القانون والمعرض، فحين تريد أن تشتري «دولابا» فإن الورشة قامت بتصنيعه من قبل نجارين أخذوا المقاسات ودقوا المسامير وما إلى ذلك، وأما أنت حين تريد شراءه فتذهب إلى المعرض لتراه، وكذلك قانون الأحوال الشخصية يأتي جاهزا ومدروسا من قبل «الأزهر» ومجلس الدولة واللجنة التشريعية بالبرلمان، ومن ثم يتم التصويت عليه في البرلمان باعتبار ذلك نوعا من التعبير على موافقة الشعب عليه.
ما قولك في الإشكال الذي يقول إن القانون قد يضعف من اجتهاد القاضي على اعتبار القانون لا يمكن أن يحتوي على قرائن القضية من شواهد وصدق وكذب وما إلى ذلك؟ فهل يمكن للقانون أن يحتوي على مساحة اجتهادية؟
- إن تطبيق القانون المكتوب على الواقع يحتاج إلى اجتهاد في فهم الواقع وفهم النص، ومثال على ذلك نص من الشريعة فالله سبحانه يقول «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» (المائدة:38) فهذا نص وقانون ولكن حين نأتي لتطبيقه كما طبقه رسول الله (ص) فقالوا إنه يطبق على من سرق النصاب، وهو مبلغ معين وهو ما يجب أن يدفع فيه الزكاة، فهذا المبلغ يعلو وينخفض بحسب قيمة العملة، وقالوا إنه من سرق جائعا فلا حدّ عليه، فمهما كان النص واضحا يحتاج القاضي إلى فهم الواقع وتطبيق النص عليه.
أنتم شخصيا ألا تتحفظون على بعض مواد قانون الأحوال الشخصية المصري، إذ أنها ممكن أن تخرج عن الأطر الشرعية؟
- لقد كنت متحفظا على القانون حتى تم إصدار القانون المعدل حديثا لاحتوائه على أحكام الزواج والطلاق وفقا لمذهب الإمام الصادق (ع)، وأنا سعيد بهذا سعادة مطلقة، ولم تعد هناك أية مشكلة والشعب المصري سعيد بهذا والمرأة المصرية أصبحت مستقرة.
فلولا فوضى الطلاق التي عاشتها مصر من قبل لما بقي مسيحيون فيها، فالسبب الذي جعل المسيحية تبقى في مصر وقد تركزت في الأسر القبطية الغنية لأن المرأة خافت من الإسلام لكي لا يطلقها زوجها بل تحاصره، والمرأة - وإن كانت مصلحتها في الطلاق أقل من الرجل - إلا أنها في لحظات تريد الطلاق، غير أن الصورة الجعفرية للطلاق المنضبط تحقق كل المصالح، فلو أنها ضاقت فلا مجال لطلاقها، ولو كان هذا في مصر لما بقي مسيحيون في مصر، فالمسيحيون يعانون من مشكلات عدة، والإنسان الذي يعيش في بيت ضيق ويخرج ليرى ريحا وعواصف هوجاء سيقول إن بيتي أفضل، فهذه العواصف في مقام فوضى الطلاق والبيت الضيق هو ما تفرضه المسيحية من قيود...
في الواقع العملي، كيف يمكن لمجلس الشعب أن يعدل القانون من جديد؟
- كما ذكرت لك، تعود الآلية نفسها «الأزهر فمجلس الدولة فاللجنة التشريعية» كلما أراد مجلس الشعب أن يعدل مادة واحدة من القانون، وحتى لو كانت هناك مسألة في الزراعة مثلا يجب أن تمر عند أهل الخبرة أولا، أي عند كلية الزراعة ومن ثم يبعثوها إلى مجلس الدولة فمجلس الشعب.. وهكذا بالنسبة إلى كل المجالات.
الخلاصة
أخيرا، هل أفهم منكم الآن أنكم تدعون إلى تقنين الأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية؟
- نعم، قانون الأحوال الشخصية المنتقى من المذاهب الإسلامية بما يصلح حال الأسرة من دون تقيد بمذهب معين، وأرى أن العالم الإسلامي بحاجة إلى قانون للأحوال الشخصية يراعي المتغيرات ولا يخرج عن المذاهب الفقهية.
هل تقترح آلية معينة للوصول إلى هذا القانون الموحد؟
- لقد بدأت الآلية في مصر، وللأسف الشديد فإن الجهود التي بذلت في الساحة الإسلامية في هذا المجال إما مجهولة أو مبتورة، ففي عهد الرئيس جمال عبدالناصر بدىء في العام 1962م بدعوة علماء المذاهب الإسلامية جميعها، وعقد أول مؤتمر تحت عنوان «مؤتمر علماء المسلمين» وقد ضم المذاهب الثمانية، وأصبح هذا المؤتمر سنويا وتصدر عنه موسوعة فقهية اسمها «موسوعة الفقه الإسلامي» إذ تورد رأي كل مذهب في المسائل، وهو يدرس الآن في الجامع الأزهر، وكيفية التقريب بين آراء المذاهب في مختلف القضايا وليس الأحوال الشخصية فحسب
العدد 442 - الجمعة 21 نوفمبر 2003م الموافق 26 رمضان 1424هـ