العدد 448 - الخميس 27 نوفمبر 2003م الموافق 02 شوال 1424هـ

اقتصاديون عراقيون يشككون في قدرة العملة الجديدة على خفض معدلات التضخم

شكك اقتصاديون عراقيون في تأثير العملة العراقية الجديدة على خفض معدلات التضخم في البلاد، فيما أعرب آخرون عن اعتقادهم بأنها ساهمت في زيادة مستوياته.

وقال متعاملون في سوق الصيرفة، الذي ازدهر بشكل ملحوظ في بغداد في أعقاب سقوط نظام حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، إن الشارع العراقي كان يتوقع أن يؤدي طرح العملة الجديدة بفئاتها الست في الأسواق المحلية إلى تحسن سعر صرف الدينار العراقي مقابل العملات الاجنبية، غير ان النتائج في هذا الشأن جاءت مخيبة للآمال حتى الآن. ونوه هؤلاء المتعاملون إلى أن معدلات التضخم ازدادت بشكل ملحوظ، إذ انخفضت قيمة العملة العراقية على رغم كون الطبعة الجديدة المنجزة في خارج العراق منعت إلى حد كبير أعمال تزييف العملات وترويجها.

وأرجع المتعاملون بسوق الصيرفة الارتفاع في معدلات التضخم النقدي إلى طرح كميات من الفئات النقدية الكبيرة بدلا عن الفئات الصغيرة التي يحتاج إليها المواطن العراقي في تعاملاته اليومية البسيطة.

وقال علي شاكر (صاحب احدى شركات الصيرفة التي تمتلك عدة فروع في انحاء من العاصمة بغداد) ان طرح العملة العراقية الجديدة أدى إلى وجود سعرين لتحويل الدولار الاميركي الذي ترتفع قيمته اذا كان التحويل مطلوبا بالدينار العراقي القديم، فيما تنخفض اذا تم الطلب بالدينار الجديد. مشيرا إلى وجود نحو خمسة آلاف دينار عراقي (دولارين ونصف الدولار) فرقا بين السعرين لكل مئة دولار، وهو مبلغ يمكن ان يشكل قيمة عالية اذا كان المبلغ المطلوب كبيرا بعدة آلاف من الدولارات مثلا.

وأعرب شاكر - وهو مهندس مدني اختار العمل في سوق الصيرفة بعيدا عن شهادته الجامعية التي لم توفر له وظيفة - عن اعتقاده بأن هذا التذبذب في الأسعار وقتي وسيزول حتما بانتهاء المدة المقررة لاستبدال العملات القديمة بأخرى جديدة.

وأشار إلى اختفاء العملات الجديدة من التداول بشكل كلي في وقت لايزال يتعامل فيه المواطن العراقي بدينار صدام القديم. وقال علي شاكر ان العملة الجديدة لها عدة فوائد كالحد من عمليات التزوير وبما يؤدي لاحقا إلى توفير حال من الاستقرار الاقتصادي للمواطن العراقي، متوقعا ان يؤدي طبع عملة جديدة في العراق إلى إلغاء الازدواج النقدي، إذ كان المواطن العراقي في محافظات الشمال (آربيل والسليمانية ودهوك) يتعامل بالدينار السويسري بفئتي العشرة والخمسة دنانير، فيما يتعامل شقيقه المقيم في محافظات العراق الخمس عشرة الأخرى بالدينار المطبوع. وأكد أن قيمة العملة العراقية تختلف في الحالين، إذ يعادل الدينار السويسري الواحد نحو مئتي دينار عراقي مطبوع في السابق.

وكان المصرفيون والخبراء الاقتصاديون العراقيون يرون ان شيوع التعامل بالدينار السويسري في المحافظات العراقية الشمالية التي كانت غير خاضعة للسلطة المركزية حينها والتعامل بالدينار المطبوع في باقي أجزاء العراق يخلق وضعا اقتصاديا غير متزن ويؤدي إلى تذبذب قيمة العملة العراقية ازاء العملات الاجنبية.

من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي ايسر العاني إلى أن معدلات التضخم المرتفعة، والسائدة في العراق حاليا، ستستمر إلى فترة طويلة غير محددة قبل التمكن من السيطرة عليها. معللا ذلك بوجود أربع فئات نقدية كبيرة جديدة ضمن الطبعة التي يجري ترويجها حاليا والتي تتكون من ست فئات. فيما كان العراق يتداول عملة تحتوي على فئة نقدية كبيرة واحدة. وقال ان الجهات التي تولت المسئولية عن طبع وترويج العملة الجديدة لم تأخذ في حسبانها ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة الدينار العراقي ازاء العملات الاجنبية، كما انها، على ما يبدو، لم تضع خططا لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تسرب رؤوس الاموال الوطنية إلى الخارج. وأكد الخبير الاقتصادي العراقي أنه بسبب استمرار تدهور الوضع الأمني في العراق حاليا واستنزاف موجودات البلاد من العملات الصعبة، فإن كثيرا من التجار ورجال الاعمال وأصحاب الثروات الكبيرة يفضلون تحويل رؤوس اموالهم إلى خارج العراق بالعملات الاجنبية والدولار تحديدا. وتوقع ان تؤدي إجراءات كهذه إلى استمرار زيادة الطلب على العملات الاجنبية وارتفاع قيمتها وانخفاض قيمة الدينار العراقي مقابلها في المستقبل.

ووصف هؤلاء الخبراء عملية اصدار هذه العملة الجديدة بأنها ليست قانونية على الاطلاق، إذ إن القانون الدولي لا يجيز لسلطة الاحتلال، أيا كانت صلاحيتها، اصدار عملة للبلد الذي تحتله. كما أن قراري مجلس الأمن الخاصين بالعراق لا يمنحان الدولتين المحتلتين الولايات المتحدة وبريطانيا هذا الحق، فضلا عن ان السلطات النقدية العراقية الموجودة حاليا غير مخولة هي الأخرى إصدار العملة الجديدة كون العراق بلدا منقوص الاستقلال والسيادة في الوقت الراهن.

وكانت بعض المصارف العربية والعالمية قد شككت في صلاحية المحافظ الجديد للبنك المركزي العراقي في توقيع مستندات سحب الارصدة العراقية في الخارج لأن توقيعه لم يعتمد في المصارف العالمية بشكل رسمي من قبل حكومة معترف بها، غير ان كل تلك الاعتراضات وغيرها لم تمنع سلطات الاحتلال في العراق من الاستمرار قدما في هذا السبيل، إذ انها ولأسباب نفسية ودعائية، أكثر من كونها عملية واقتصادية، لا يمكنها ان تستمر في التعامل مع دينار صدام حسين بعد ان نجحت في اسقاط نظامه السياسي.

وأيا كانت هذه الاعتراضات ومدى صدقيتها ومناسبتها للواقع، فقد حدد البنك المركزي العراقي قيمة استبدال العملة العراقية الحالية بواقع دينار واحد من العملة الجديدة لكل دينار عراقي مطبوع. أما الدينار السويسري فسيتم استبداله بواقع 150 دينارا من الطبعة الجديدة لكل دينار، كما أعلن في بيان رسمي صدر لهذا الغرض.

ولم تفلح الاعتراضات، التي أبداها تجار أكراد وسلطات إقليمية كردية، في رفع قيمة استبدال العملة السويسرية، إذ كان هؤلاء يطمحون إلى جعل الدينار السويسري يعادل 250 دينارا من الطبعة الجديدة، بدلا من 150 دينارا التي تم تحديدها رسميا، نظرا إلى قيمته المرتفعة ازاء الدولار الاميركي في سوق العملات في العراق.

من ناحيتهم، قال مسئولون في البنك المركزي العراقي ان الهدف من اصدار هذه العملة الجديدة هو ايجاد عملة موحدة للعراق بحيث تصبح أكثر ملاءمة للمتعاملين بها في جميع انحاء البلاد.

في الوقت نفسه يجد كثيرون من العراقيين والمتعاملين بالدينار العراقي، في عدد من دول الجوار بشكل خاص، حرجا كبيرا، وذلك لأن السلطات النقدية العراقية ترفض حتى الآن استبدال الدينار السويسري من فئة الخمسة والعشرين دينارا التي بحوزتهم منذ تسعينات القرن الماضي بالعملة الجيدة.

وحتى الآن لم تصدر اي تعليمات رسمية بشأن كميات كبيرة من الدنانير العراقية السويسرية فئة الخمسة والعشرين دينارا التي تحمل صورتي الحصان العربي والرئيس السابق صدام حسين على واجهتها والتي تمتنع المصارف العراقية عن استبدالها. فيما يبدي كثيرون من حائزي هذه العملات قلقهم حيال ذلك خصوصا مع قرب نفاد مدة الاستبدال، غير ان مصادر اقتصادية عراقية رجحت اعادة النظر في هذا الموضوع في أقرب فرصة من دون اعطاء تفاصيل محددة في هذا الصدد.

وتوقع بعض العاملين في المصارف العراقية فتح الابواب لاستبدال العملات من فئة الخمسة والعشرين دينارا ذات الطبعة السويسرية الشهر المقبل بعد أن يتم استيعاب الكميات الهائلة من الدينار المطبوع الذي يحمل صورة الرئيس السابق صدام حسين على واجهته خصوصا من فئتي المئتين والخمسين دينارا والعشرة آلاف دينار.

ويقول الخبراء الاقتصاديون والصيرفيون ان الكتلة النقدية التي تتحرك حاليا في العراق من فئتي المئتين والخمسين دينارا والعشرة آلاف دينار كبيرة للغاية... اذ يقدرون الكمية المتداولة حاليا بحوالي (ثلاثة آلاف مليار دينار) فضلا عن عدة مليارات تم طبعها بعد سرقة الافلام الاصلية للعملة العراقية في اعقاب الحرب الأخيرة من قبل عصابات تزوير ساهمت في اغراق البلاد بعدة مليارات اضافية جديدة.

وطبقا للتعليمات فإن المدة القانونية لاستبدال العملات القديمة (السويسرية والمطبوعة) بما يقابلها من العملات الجديدة تم تحديدها بثلاثة أشهر، أي خلال الفترة الممتدة بين منتصف أكتوبر/ تشرين الاول الماضي ومنتصف يناير/ كانون الثاني من العام المقبل.

أما فيما يتعلق بالحسابات المصرفية المفتوحة بالدينار العراقي لدى المصارف الرسمية العراقية، وعقود التجار المبرمة حاليا مع رجال الاعمال بالدينار العراقي، فستتحول تلقائيا إلى الدينار الجديد، بمعنى انه لن تكون ثمة حاجة لأصحاب الحسابات المصرفية او المتعاقدين مع المؤسسات العراقية إلى سحب ارصدتهم قبل منتصف يناير من العام المقبل بالدينار القديم السائد حاليا ثم استبدالها بالدينار الجديد في وقت لاحق، اذ ان مستحقاتهم وأرصدتهم ستدفع لهم بالعملة الجديدة فورا. غير أنه لم تعرف بعد الكيفية التي سيتمكن من خلالها حائزو العملات العراقية القديمة الموجودون خارج الاراضي العراقية، وخصوصا في الاردن ولبنان والكويت، من استبدال ما بحوزتهم من عملات، إذ لم يتم حسم هذا الموضوع حتى الآن. إلا أن المصادر العراقية تشير إلى أن أفضل طريقة وأكثرها ضمانا في الوقت الحاضر هي ادخال تلك العملات إلى العراق وفتح حسابات مصرفية بها لدى المصارف العراقية لضمان سهولة استبدالها خلال المدة الزمنية المقررة

العدد 448 - الخميس 27 نوفمبر 2003م الموافق 02 شوال 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً