لم يكن لأي زعيم ديني تأثير على أتباعه مثلما كان لنبي الإسلام محمد (عليه أفضل الصلاة والسلام). إن الإسلام، وكما يقول القرآن الكريم، هو دين الفطرة الذي حملت رسالته للإنسانية سلسلة من الرسائل السماوية بلّغها عدد كبير من الأنبياء والرسل من لدن آدم عليه السلام إلى محمد خاتم الأنبياء، وبينهما إبراهيم ونوح وموسى وداوود وسليمان وعيسى (عليهم جميعا أفضل الصلاة وأتم التسليم). وفي الواقع فإن في التراث الإسلامي ما يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى أرسل نحو مئة وخمسة وعشرين ألف نبي ورسول إلى الناس منذ بدء الخليقة. والمسلمون يؤمنون بأن ركني الإسلام هما كتاب الله وسنة رسوله.
والمصطفى (ص) بوصفه خاتم الأنبياء يفْضُلُهم جميعا بالقرآن الكريم وبسننه عليه الصلاة والسلام. لذلك فإن حديثه وأفعاله وتقريراته صارت جميعا مصدرا مستقلا للتشريع الإسلامي. والمسلمون كجانب من التزامهم الديني يسعون لا إلى الالتزام بالسنة فحسب بل إلى محاكاة أفعال النبي (ص) والاقتداء بهديه في كل منحى من مناحي الحياة. فمحمد (ص) بهذا المعنى هو مصدر التشريع الإلهي ووسيلة تبليغه للناس، ومن ثم فإن تعاملاته مع المرأة صارت مكونا أساسيا لوضع المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي.
وفي هذا المقال، سأعرض لأكثر الجوانب المتعلقة بحياة المصطفى (ص) في علاقته بالمرأة إثارة لتقولات المتقولين، لأخلُص إلى أن نبي الإسلام تعرض لحملة افتراءات من نفر تمتلئ نفوسهم حقدا على هذا الدين، ومن جهلاء المسلمين وضعاف اليقين. وسأتناول في هذا الطرح مسألتين: الأولى هي تعدد الأزواج، والثانية هي زواجه صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها الذي قيل إنه عقد عليها بينما كانت في السادسة وأنه دخل بها عندما أتمت التاسعة.
محمد (ص)... النشأة والتكوين:
إن إحدى أبرز الخصائص المميزة للنبي صلى الله عليه وسلم هي أن سيرته واضحة كل الوضوح. فهناك تفصيلات كثيرة خاصة بحياته متاحة لنا. ولم تكن هناك أية شخصية دينية (أو أي نبي) سُجّلت تفاصيل حياته، كما حدث لسيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام. لقد أكنّ المسلمون وعلى مدى نحو ألف وخمسمئة عام توقيرا وتبجيلا وحبا لرسولهم بأعمق صورة ممكنة، وبما يقارب المعجزة، محافظين في ذلك كله على سمته البشرية ومن دون أن يَسقطوا في فخ تحويله إلى إله يخضعون له بالعبادة. لكن وعلى رغم جميع الروايات التاريخية المتاحة لنا في حياة النبي (ص)، فإن علينا أن نتذكر أن محمدا الذي نعرفه هو محمد الذي اخترنا أن نتذكره بانتقائنا ما ورد من سيرته. وهو في الواقع محمد الذي نعرفه استنادا إلى روايات الصحابة والتابعين والسلف الصالح ممن نقلوا لنا ما اختاروا نقله من سيرته (ص).
ولعل أحد أكثر النماذج وضوحا فيما يتعلق باختلاف الرواة في كتابة جوانب من سيرته هو ذلك المتعلق ببعض هيئات الصلاة وشعائرها. وعلى رغم أن هذه الاختلافات بسيطة للغاية فإنها موجودة وتعكس تباين ما ذكره الصحابة ممن صلوا مع النبي (ص) عن صفة صلاته وذلك استنادا طبعا إلى ما استطاعوا تذكره منها. ومن الجائز أن يكون المصطفى (ص) أدى هذه الشعائر بشكل مختلف في أوقات مختلفة، لكن من الجائز أن يكون الصحابة اختلفوا في رواياتهم عنها. وما أود الوصول إليه هنا هو أنه حتى في هذه الشعيرة المستمرة من حياة المسلمين وعبادتهم والتي يسيرون فيها على منهاج نبيهم، فإنهم يختلفون في أدائها وفقا لاختلاف الروايات بشأنها. وتتجلى أهمية ذلك في كون المسلمين يؤدون هذه الفريضة جماعة خمس مرات في اليوم الواحد وذلك طوال أكثر من ألف وأربعمئة عام من بينها أكثر من عشرين عاما في صحبة المصطفى (ص). وهذه سنة حية للمصطفى عليه الصلاة والسلام لم تتوقف طيلة ما يربو على هذه السنوات الألف والأربعمئة على رغم اختلاف الروايات بشأنها.
وبهذا المعنى فإن محمدا الذي نعرفه هو محمد الذي وصلت لنا الروايات بشأنه وليس بالضرورة ما كان عليه حاله (ص) بالضبط. وبما أن حياته (ص) هي مصدر من مصادر التشريع، فإن كتابة سيرته تصبح عملية تشريعية في حد ذاتها. فما نتذكره عن سيرته يحدد لنا أي قواعد تشريعية تحكمنا والكيفية التي نحكم بها. وبهذا فإن من الطبيعي أن تكون كتابة سيرة المصطفى مجالا لبناء عملية قصّ سياسي مكثفة. وعندما يتعلق الأمر بتذكر سيرته (ص)، تكون المسألة أهم بكثير من مجرد تدقيق تاريخي. فالطريقة التي تُستعاد بها سيرة المصطفى تحدد كيف ينظم المجتمع المسلم شئونه، ويحدد ما المسموح به وما هو غير المسموح به، وما الأدوار والحقوق التي تُناط بالمرأة وتتمتع بها، وما الميزات التي أُمسكت عنها.
إن الناس في عالمنا اليوم بين اثنين، شخص يحقد على الإسلام وعلى نبيه، وآخر يحب رسول الإسلام ويُجله ويوقره ويؤمن بما بلّغه عن ربه
العدد 476 - الخميس 25 ديسمبر 2003م الموافق 01 ذي القعدة 1424هـ