العدد 476 - الخميس 25 ديسمبر 2003م الموافق 01 ذي القعدة 1424هـ

مدينة زايد...مدينة تنام على أحلام نموذجية

للوهلة الأولى لن تعثر على أي شيء يدل على الحياة، مجرد وحدات سكنية متراصة وشوارع اسفلتية وأربع كبائن تفرقت في محيط المدينة الصغيرة، ومنتزه عبثت به الأيدي حتى أحالته الى قطع من الحديد.

تلك الصورة صورة واقعية للمدينة النموذجية التي أنشئت هدية من رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

مدينة أنشئت كي تكون نموذجا يحتذى به لمدن سكنية جديدة، ليس في التصميم والظلال فقط وانما في روح وتعاون أهلها.

غير أن المدينة النموذجية لا تزال تشكو من أمور كثيرة، يشعر معها زائرها بأن هناك حالا من الركود والبرود بين جوانبها، لا يمكن تخيلها أبدا في قرية أو مدينة قديمة من مدن البحرين.

قد يكون السبب متعلقا بكونها جديدة، وقد يكون السبب في اختلاف مواطن وطبائع أهلها...

لكن المهم هو أن المدينة الجميلة تخفي بين طياتها مشكلات وأوجاعا وهموما كبيرة، كشفت عن أسرارها أفئدة أهلها الذين ألتقيناهم في أماكنها المحدودة...

كان المنتزه الصغير الذي يتوسط المدينة الجميلة تقريبا المكان الأول الذي التقيت فيه الناس، ولم أكن أتصور أن ما أراه منتزها فما عدا الحشائش التي ألقى عليها الليل والطقس البارد لونا شاحبا، لا تجد غير الحديد، أعمدة حديد عريت من لباسها فأضحى شكلها غريبا، لعبة أو لعبتان فقدتا هيأتهما حتى يخالهما الرائي مجرد شكل هندسي، ولم يكن للأطفال في هذا المنتزه غير لعبة الأرجوحة أو افتراش الحشيش، وكانت أم أنس جالسة على أحد الكراسي تلاعب طفلها عندما سألتها الحديث عن المدينة فقالت:

- لا يوجد لدينا غير هذا المنتزه، نقضي فيه فسحة من الوقت مع أطفالنا، فنحن في هذه المدينة النموذجية نفتقر الى أبسط مقومات الحياة اليومية، ونضطر الى طلب احتياجاتنا من خارج نطاق المدينة، تصور لا يوجد مستشفى هنا فنضطر الى الذهاب الى مدينة عيسى، لا مدارس فنضطر الى ارسال أبنائنا الى مدارس مدينة عيسى، لا برادات لا خدمات لا شيء أبدا من هذا القبيل، لذلك نتكلف الكثير في تأمين احتياجات الأطفال وتأمين مستقبلهم الدراسي.

مصلى فاطمة الزهراء

وهناك وبعد تأدية صلاة المغرب والعشاء في الكبينة التي يطلق عليها المصلى، وفي مصلى فاطمة الزهراء، إذ لا دورة مياه وانما قنينة وضعت عند باب المصلى، وإذ الاضاءة الضعيفة وبقايا رطوبة على قماش الأرضية، جلست مع مجموعة من المصلين، قال سيد عقيل سيد جواد: «جميع القاطنين في هذه الوحدات الاسكانية من البحرينيين، يتوزعون بين مجموعة تعمل في أعمال متفرقة وآخرين يعملون في وزارة الداخلية وقوة الدفاع و الحرس الوطني، إذ يشكل القاطنون تقريبا 270 عائلة، هذا مع وجود وحدات سكنية أخرى لم تسكن بعد، نتمنى أن يسكنها بحرينيون مثلنا، يشاطروننا همومنا ومشكلاتنا وحياتنا».

وأردف عبد الجليل حميد درويش معقبا على كلام زميله: «يوجد نوعان من هذه الوحدات السكنية، وحدات سكنية تتكون من خمس غرف، وأخرى تتكون من ست غرف، إذ تبلغ مساحة الوحدة تقريبا 35 في 85 فوتا. ولكن توزيع بيوت الاسكان في السابق أفضل مما هو عليه الآن، فقد كان حجم العائلة هو الفيصل في ذلك ولكن الآن يتدخل راتب رب العائلة في ذلك فرب العائلة الذي يتجاوز راتبه الخمسمئة دينار هو المخول الحصول على الوحدة ذات الست غرف، وهذه قسمة غير عادلة، إذ المطلوب التخفيف على صاحب العائلة الكبيرة، وليس مراعاة راتبه على حساب حياته وحياة أسرته، فليس من العدل أن يضيق مكان صاحب العائلة الكبيرة وأن تزيد غرف البيت عن حاجة صاحب الأسرة الصغيرة.

ويعلق سيد عقيل مجددا على الكلام السابق بقوله: «لا يمكن اغفال المكرمة الملكية الكبيرة التي تم بموجبها خفض أجار هذه الوحدات من 150 دينارا شهريا للوحدة ذات ست الغرف الى 75 دينارا، ومن 120 دينارا للوحدة ذات خمس الغرف الى 60 دينارا، ولكننا نتمنى أن تتم مساواتنا مع العاملين في وزارة الداخلية وقوة الدفاع والحرس الوطني، إذ إنهم يدفعون نصف هذا المبلغ، فكلانا أبناء لهذا الوطن ونخدمه بكل ما نستطيع سواء كنا في وظائف أمنية أو وظائف حكومية أو عامة، والجميع يبذل أقصى ما يستطيع من أجله».

ويتطرق نادر الحاجي إلى موضوع آخر قائلا: «أكثر الأشياء أهمية في نظري هو افتقار المدينة الى الخدمات العامة، فهل يعقل أن مدينة بكل هذا الزخم لا يوجد بها مستشفى ولا مدرسة ولا حضانة، ناهيك عن عدم توافر البرادات والمطاعم وصالونات الحلاقة، وأشياء أخرى مهمة، حتى الكابينة التي يطلق عليها مجازا اسم المصلى، حاله يرثى لها، فلا هو بقادر على حماية نفسه من الأمطار ولا هو بذلك الاتساع، ولا تتوافر فيه دورة مياه مناسبة، ثم اننا هنا مثلا وفي هذا المصلى نستعين بكهرباء أحد البيوت فلا توجد كهرباء فيه، والمطلوب من الجميع التعاون وتحقيق مستوى معقول من الخدمات.

ويقول مصطفى صادق الليث، مؤيدا ومضيفا: «ما يخيفني حقيقة هو أن هذه المدينة الجميلة لا توجد بها نقطة شرطة أو على الأقل حارس أو حارسان عند مرافقها العامة، لقد كانت هناك من قبل كبينة صغيرة يحرسها شرطي طوال اليوم ولكنها ألغيت، والسؤال لماذا ألغيت؟! مع أن المدينة الآن ازداد عدد سكانها، وازداد عدد الأطفال فيها، فهي بحاجة ماسة الى الحماية، انني أنظر الى هذه الفتاة الصغيرة فأخشى عليها حقا من أبناء الحرام، فطالما أن المدينة غير محمية فحياة الأطفال في خطر وطالما لا يوجد حارس أمن فمن المتوقع الاعتداء من قبل أصحاب النفوس المريضة، وخصوصا مع وجود أماكن مظلمة في المدينة يمكن أن يستغلها هؤلاء».

مدينة بمعزل

وهنا تدخل سيد نزار محمد النعيمي قائلا: «اننا باعتبارنا أبناء لهذه المنطقة نشعر أننا بمعزل عن المحافظات والمجالس البلدية الأخرى، وكم هي المعاناة التي عانيناها ونحن في أشهرنا الأولى معها، فلا توجد بيننا وبين المسئولين أية وسيلة، ولا نعرف أحدا أو جهة نتوجه اليها لنقل طلبات المدينة أو شكاوى القاطنين، اللهم إلا مهندسا كان يستقبل شكاوى المساكن فيما لو حدث ولم تكن مكتملة البناء، أو ينقصها شيء ما، ونتمنى أن يبلغنا المسئولون الى أي جهة تتبع هذه المدينة فليس من المعقول أن نظل نتخبط من وزارة الى وزارة أو من دائرة الى دائرة من أجل مطلب بسيط ليس صعبا على الادارات تحقيقه، أين نذهب اذا فيما لو صادفتنا أمور أصبح ملحا اخبار المسئولين بشأنها؟!

عندها توجهت بسؤال عما يدور من كلام مفاده أن أهالي المدينة يبنون في مساكنهم من دون اهتمام بأخذ ترخيص من قبل الوزارة، فتطوع سيد نزار محمد النعيمي للمرة الثانية بالجواب: «ان الحديث عن البناء، حديث يشمل جميع أبناء المدينة، فالكثيرون بنوا بناء كبيرا أو صغيرا، فالبعض بنى مطبخا، وآخرون بنوا غرفا بل ان بعضهم بنى طابقا بكامله، وأتصور سبب البناء من دون ترخيص راجع الى تعب الأهالي وتنقلهم من مكان الى مكان طلبا لرخصة البناء، إذ يحولهم المسئولون من جهة الى أخرى. فلم يكن الأهالي ليتفاجأوا في الواقع فيما لو طلبتهم وزارة الأشغال و الاسكان، اما ان يتم استدعاؤهم من قبل الشرطة، أو ذهاب جيب كامل إليهم في بيوتهم، فقد شكل ذلك عند البعض خوفا ورهبة، ولكن والحمد لله ينتهي الأمر معهم، عادة بتوقيع تعهد بعدم البناء الا بترخيص».

ويعلق مبارك الشاعر على موضوع المنتزه بقوله: «ان همّ الحديقة همّ الجميع، وجميع القاطنين يلاحظون مقدار العبث والتخريب اللذين وقعا على الحديقة، وذلك أمر طبيعي طالما أنها مفتوحة للجميع بمن فيهم غير قاطنيها، وتلك مشكلة كبيرة، فطالما لم توضع قيود على الغرباء سيظل المنتزه عرضة للعبث، وقد رفعنا التماسا إلى المسئولين تحدثنا فيه عن هذا المنتزه، وطالبناهم بأن يكون المنتزه مقصورا على أهالي المدينة فقط، وأعطيناهم جملة من الاقتراحات، جاءت على اثرها شركتان واحدة للتنظيفات وأخرى للاهتمام بأزهار وأشجار المنتزه»

على الجهة المقابلة

كنت للتو داخلا الى المصلى الجنوبي إذ كانوا للتو فارغين من صلاة العشاء، بادرني صلاح المير بقوله: «قبل طرح أي سؤال أود توضيح أمر مهم وهو إننا هنا أبناء البحرين وتجمعنا مدينة واحدة، وقلوبنا على بعضنا بعضا وما يحدث هنا يمس الجميع وليس طائفة من دون غيرها، علينا الاتحاد من أجل حل مشكلاتنا وليس الاهتمام بأمور لا تسمن ولا تغني من جوع».

وأضاف عبدالله سعد: «نحن هنا اخوة لا يجمع بيننا غير المحبة، لذلك نحن اعترضنا على من أشعل الفتنة وأخرج هذا الموضوع عن حدود المدينة، وعلى الاخوة الذين نشروا خبرا في الصحافة لم يزد على أن وتر العلاقات بيننا وبين اخواننا في المنطقة، فقد كان أمرا عاديا يمكن معالجته. فنحن لو كنا أصحاب نعرات طائفية لقلنا أن الكبينة أو المصلى الذي نصلي فيه اليوم ظل لفترة طويلة من دون كهرباء، وإن سبب ذلك هو امتناع الموظفين في وزارة الكهرباء والماء عن تيسير ورود الكهرباء الى المصلى».

عندها أحسست بحاجتي إلى استيضاح الأمر وخصوصا أنني كنت أحمل فكرة مشوشة عن قصة المصليين، فقال علي المحميد امام المصلى الجنوبي موضحا:

بدأت القصة حينما تشاورنا مع الأهالي بوجوب وجود مسجد للصلاة، وذلك في المنطقة الشمالية من قطعة 1 الى قطعة 12، وعندما تم ذلك، بدأ الناس في القطع من 1 الى 6 يطالبون بمسجد آخر ويتذمرون من طول المساقة فبدأنا جهودنا للحصول على القطعة الثانية، بالتعاون مع وزارة الاسكان والأوقاف وبدأ الناس يصلون في المصليين، البعض لم يعجبه الوضع فبدأت المطالبات بالقطعة الثانية، فطلبنا لقاءهم فطلبوا منا ترك القطعة ولكننا رفضنا ذلك بسبب اعتياد الناس على الصلاة في هذا المصلى، وطلبنا منهم الصلاة معنا، ولكنهم رفضوا بسبب اختلاف وقت الأذان وغيره من الأسباب، وطالبوا بقطعة أخرى، فتفاجأنا بحصولهم على قطعتين معدتين خصيصا بحسب مخطط وزارة الاسكان لكي تبنى في الأولى روضة، وبالثانية زوايا خدمات عامة.

حكاية أخرى...

غير أن هذا الكلام لا يتفق معه رئيس لجنة أصحاب الكساء، بمدينة زايد، علي سلمان اذ يقول: «مع احترامي الشديد لما ذكره الاخوة ، فإن الحكاية غير ذلك، فنحن نراها من منظور آخر، فقد كنت في تلك الفترة أول ساكن في المدينة، وقد تقدمت برسالة الى وزير الشئون الاسلامية لأجل الانتفاع بالقطعتين المذكورتين في بناء مسجد على احداهما، فتفاجأت بوضع خيمة على قطعة الأرض الشمالية التي كانت مقابل قطعة 11، فتقدمت برسالة ثانية إلى الديوان وتقدمت بطلب لقاء وزير الأشغال والاسكان، ولكن لم أمنح الفرصة في ذلك مع اخواني، وبعد الرسائل الكثيرة فوجئنا للمرة الثانية بوضع اليد على القطعة الثانية الجنوبية وبوضع كبينتين من قبل الأوقاف السنية والتربية الاسلامية في كل من القطعتين، وبعد اللتيا والتي تدخل وزير شئون البلديات في الموضوع، فحصلنا على قطعتي أرض، أسوة بالأخرين، وأنا أتساءل حقيقة أين الخلل في هذا التصرف، ان العدل يقتضي ذلك، والتعلل بأن هذه أرض خدمات أمر غير مقبول، فالعدل يجيز لنا الحصول على قطعتين لبناء مسجد.

كما أنه من غير المقبول، وليعذرنا إخواننا في ذلك. أن يتعدي على الكبينة التي وضعت على الأرض الثانية، فقد حاول شخصان ملثمان تكسير قواعد الكبينة التي من المفترض أن تكون مسجدا، فذلك أمر يدل على سوء فهم كبير، يجب التغلب عليه. ذلك أننا لم نقم في يوم من الأيام بايذاء أحد، ونحن منذ أن دخلنا هذه المدينة ونحن نلتمس الحياة بسلام معهم.

لا للفتنة

النائب عبدالله العالي، علق على ما سبق قائلا: «لقد اضطررنا الى عرض الأمر بالصورة التي أزعجت بعض القاطنين في مدينة زايد، ولم نكن نقصد من وراء ذلك اثارة الفتنة كما يتصور البعض وليس الكل، وانما هنالك مشكلة وسَّطنا فيها بعض المؤمنين فوجدنا أن مسئوليتنا تحتم علينا البحث والتقصي وعندما قرّ في ذهننا الأمر وجدنا هناك ظلما وقع، ولمّا لم نجد التعاون عرضنا الأمر بالصورة التي أنكرها البعض (...) هذا كل ما حدث، وأكرر أنه لم يكن هدفنا من ذلك اثارة زوبعة تنتهي بالضرر، وانما ايجاد حل يرضي الطرفين، فنحن ندعو الى الوحدة والى عدم الفرقة، ولو وقع الظلم على أحد غير الذين دافعت عنهم لكنت أول من يدافع عنهم ويطالب بحقوقهم فنحن أبناء أمة واحدة، لذلك يجب علينا حل مشكلاتنا بصراحة والاعتراف فيما بيننا بالخطأ وتصحيحه.

ورغبة من أهل المدينة النموذجية في سؤال محافظ المنطقة الوسطى، توجهنا بسؤال الى المحافظ الشيخ عبدالرحمن بن صقر آل خليفة، عن عدم معرفة الأهالي الى أية جهة يتبعون فيما لو اضطروا إلى طرح قضية أو مشكلة ما، فأجابني المحافظ: «أتصور أن سبب ذلك راجع الى أن المدينة جديدة ولم يعتد أهلها عليها، كما أنهم لم يتعرفوا على الجهات المسئولة عن منطقتهم، فهناك طريقان يمكن للمراجع أن يستفيد منهما وهما طريق المجلس البلدي وطريق المحافظة، إذ ان مدينة زايد تقع ضمن حدود دوائر المحافظة الوسطى وهي الكفيلة بتسلم طلباتهم ثم تحويلها الى الجهات المختصة».

تبقى لمدينة زايد خصوصيتها ومشكلاتها المحتاجة الى حل، والتعلل بأنها مدينة جديدة لم يتسنّ بعد النظر فيها وفي مشكلاتها، أمر لا يخدم أهل المدينة الذين يتمنون أن تصل أفكارهم ومطالبهم الى المسئولين وأن يبادروا بحلها

العدد 476 - الخميس 25 ديسمبر 2003م الموافق 01 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً