العدد 2701 - الأربعاء 27 يناير 2010م الموافق 12 صفر 1431هـ

كيف تؤثر الأساليب التربوية الحديثة على مستقبلك ومستقبل طفلك المهني؟

تكلمنا سابقا عن الأساليب الحديثة لتربية الطفل. وسنلقي اليوم الضوء على توضيح أهم نقطة، وهي أن كل من حولنا وما حولنا هو نتاج أحد الأساليب الأربعة لتربية الطفل بطريقة أو بأخرى. لذا، سنسلط الضوء في هذا الموضوع على بيئة العمل والموظفين وبالخصوص مع وجود هذه الأساليب التربوية الأربعة وتداخلها، لنتعرف بصورة أوضح على أسلوبنا وأساليب من حولنا، ومدى تأثير كل أسلوب على حياتنا وتطورنا وتأثيرها على إنتاجية العمل ورقيه وربحيته (شكل 1).


المربع 1 – المتساهلون (قليل التحكم وعالي الحب)

هؤلاء الموظفون هم الذين يتعاملون مع الكل بلطافة وحب ويكون العمل بالنسبة لهم كأي بيئة أخرى يحاولون فيها إرضاء الآخرين على حسابهم الخاص، ويضغطون على أنفسهم وصحتهم وحياتهم ليل نهار عل وعسى أن يرضى الكل عنهم، وهذا محال. وستجدهم أكثر الناس الذين يقضون اوقاتهم في العمل، وحتى في البيت تجدهم ينجزون احتياجات العمل متناسين الأسرة واحتياجات من حولهم. فلن تسمع منهم كلمة «لا» لأي طلب تطلبه منهم. ولو لم يحققوا مطالب الآخرين أو رفضوها، لشعروا بالضيق والتعب والقلق وعدم القدرة على النوم، إلى أن يحاولوا تصحيح ما بدر منهم حتى بعد فوات الأوان.

فلو طلبت منهم العمل حتى أي ساعة متأخرة، فلن يترددوا في تحقيق مطالبك، ولو كانوا في إجازتهم السنوية أو كانوا مرضى وعندهم إجازة مرضية أو في إجازة وفاة، فما إن تطلب منهم الحضور، فلن يرفضوا لك أي طلب وستجدهم يحضرون إلى العمل مباشرة، بغض النظر عن ارتباطاتهم العائلية أو حالتهم الصحية. ولذا نجد أن هذا النوع من العمال يعيشون حالة نفسية مضطربة وقلقة لأنهم يعيشون حياتهم بين السندان والمطرقة، فإن أرضوا أزواجهم فلن يرضي ذلك رؤسائهم في العمل، والعكس صحيح. فتجد أسلوبهم أسلوب المجاملة والمحاباة والرضى بكل شيء حتى مع معرفتهم بعواقب سلوكهم وتصرفاتهم، وحتى لو وضحت لهم طريقة أسلوبهم، وحاولوا أن يغيروها، فسرعان ما سيرجعون إلى نفس دائرة التساهل والحيرة.

فنجد أن العواطف والمشاعر هي ما يحرك طريقة تعاملهم مع من حولهم (شعور دائم بالنقص) ولا وجود للعقل والتفكير بما يعود عليهم بالمنفعة على المدى البعيد. وكما هو ملاحظ، هؤلاء الأشخاص لا يصلحون أن يتولوا مناصب قيادية، لأنهم لن يستطيعوا أن يقولوا كلمة «لا» لأي شيء، ولأن محاولة إرضاء الكل هي محاولة قلما تجدي نفعا مع متغيرات الحياة العملية التي تحتاج إلى المرونة والتأقلم والاستقلالية باتخاذ القرارت الجريئة التي تعود على العمل بأقصى إنتاجية وربحية، ولأن المخاطرة هي جزء مهم في نجاح أي مشروع وبقائه.


المربع 2 - اللامبالون (قليل التحكم والحب)

هؤلاء الأشخاص الذين لا يبالون بأي شيء، فوجودهم في العمل كعدمه، ولذا يطلق عليهم «الأشباح» أو «الوصوليين» لأنهم يعملون فقط ما يقربهم من رضا مسؤوليهم. لا يمكنك الاعتماد عليهم في أي شيء لأنك تعرف بأنهم لن يفعلوا أي شيء.

هؤلاء يحضرون إلى العمل في أي وقت ويخرجون متى يشاؤون ويتوقعون الترقيات كالآخرين، والويل كل الويل لك لو أخبرتهم أنهم مقصرون. فشعارهم في العمل هو «عندما تعمل كثيرا فستخطئ كثيرا وتفصل، وعندما لا تعمل فلن تخطئ وبذلك ستترقى». وتراهم من مكتب إلى مكتب ومن موظف إلى موظف وعلى التلفونات والإنترنت هائمون، ولو أعطيتهم الإنذارات الشفوية أو الكتابية فلن يؤثر عليهم ذلك بشيء. فهم كثيروا الإجازات المرضية ولو توفي أي شخص أخذوا إجازة الوفاة، فبيئة العمل بالنسبة لهم هي كالذهاب إلى السوق والتنزه في الحدائق من دون أي مسؤوليات أو مساءلات من أحد.

وتجدهم كثيري الحوارات الجانبية التي ليست لها صلة بالعمل والتي غالبا ما تصب في التقليل من شأن قدرات الآخرين وخلق الفتن والإشاعات، ليشتتوا جهد الآخرين ورقي العمل. ولو وضعت هؤلاء الأشخاص في مراكز قيادية، فلن تجدهم يفعلون أي شيء سوى الطلب من الاخرين عمل كل شيء؛ لأنهم لا يعرفون أي شيء وليسوا مستعدين لعمل أي شيء، فنجاح العمل أو فشله غير مهم بالنسبة لهم. وقد يكونون نتاج التثبيطات والإحباطات المتولدة من رؤساء العمل المتسلطين، الذين لا يرضون بالعجب ولا الصوم في رجب، ولذا فقدوا شهية العمل والاجتهاد والمثابرة.


المربع 3 - المتسلطون والدكتاتوريون (عالي التحكم وقليل الحب)

هؤلاء الأشخاص هم الذين يعرفون كل شيء، ويتوقعون من الآخرين الاستماع لهم وتحقيق رغباتهم مهما كانت النتائج وبأي الوسائل. وتجدهم متعصبين لآرائهم لأنهم هم فقط من يعرف الحقيقة المطلقة والويل والثبور لكل من يخالفهم في أي شيء. وعندهم حب خاص للتقيد بالقوانين وتطبيقها على حذافيرها من دون زيادة أو نقصان. وهناك شروط عندما تريد مقابلتهم والتحدث إليهم وهناك قوانين خاصة وضعوها للحوار لكي لا يفلت من أيديهم. وهم منظبطتون ومرتبون لأقصى درجة من الكمال، ولا أحد يجرؤ على تغيير أي شعرة من عملهم أو مكتبهم. ولو أصبحوا في موضع القيادة لوجدتهم يصدرون كل يوم قوانين ويتفننون فيها، لتتناسب مع بقائهم في موضع القيادة والسيادة الأبدية الخالدة. وهم في موضع القيادة، تجد الكل شديد الحذر والتعامل والانضباط والانصياع التام من دون نقاش لهم، فالكل يترقب حسابه ومهما قام أحد بعمل أي شيء فلن يرقى إلى تطلعاتهم وآمالهم، ولو غابوا أو أخذوا إجازتهم السنوية، انقلب العمل والموظفون رأسا على عقب. وتجد أن غالبية الموظفين لا يحبونهم ولكنهم يتظاهرون بذلك خوفا ورهبة، فالكل يتكلم عن أسلوبهم القاسي والصارم في كل محفل، وما إن يحضروا تجد الجميع سكتوا لتبدأ مرحلة المجاملات الساحرة والنفاق الزائف. الكل يحاول إرضاءهم لا لحبهم في العمل، بل لخوفهم على لقمة عيشهم وتطورهم، فلن تجد أي وسيلة للرقي إلا بمحاباتهم ورضاهم (الوصوليين).


المربع 4 - الواثقون (عالي التحكم والحب)

هؤلاء هم كل شيء في العمل وبدونهم تتوقف دورة الحياة والنمو والتطور في كل مكان وزمان. هم من يمتلكون خاصية المرونة والتأقلم والوسطية والاعتدال ومواجهة أي تحدٍ بعزيمة وإصرار. فتجدهم يحبون الكل والكل يحبهم من دون شروط أو قيود، بل لاقتناعهم وثقتهم بتلك الشخصية القيادية. فهم القادة بالمعنى الصحيح لا تغريهم المناصب والسيادة ليدوسوا على آراء الآخرين وقناعاتهم، ولا يبطئهم عمل ما هو في مصلحة الموظفين ككل والعمل بصورته الكلية. هم من يخطط لرفع شأن الموظف والعمل معا ويوازنون بين موارد وإمكانيات الموظفين وإنتاجية العمل، ليضعوا الخطط والبرامج التي تصب في مصلحة الموظف والعمل. هم من لا يدعي المعرفة التامة والحقيقة الكاملة، بل من يسعى لمعرفتها وتطبيق الأفضل، وإن لم يؤتِ منهم. وبذلك يكونون قد بنوا الاساس القوي والمتين الذي تبنى عليه بيئة العمل، فهم إن لم يتواجدوا في العمل، ستجدهم طوروا وأوجدوا البديل الفعال لاستمرار الكل بعمله بنشاط وعزيمة.

والخلاصة أن هذا جزء بسيط للنتائج المستقبلية المترتبة على أساليب التربية الحديثة للطفل على محيط واحد فقط وهو بيئة العمل، والذي يكون مصدرها الأبوين في المقام الأول والتي تعكس أهمية أساليب التربية في التأثير على بيئة العمل ورقي الموظف وتطوره. وهذا هو الشيء الذي تطمح في تحقيقه كل أسرة وكل رئيس عمل وكل مجتمع. فالسؤال هو: أي نوع من أساليب التربية تتبعه في بيئة العمل؟ وأي نوع يستخدمه من حولك؟ وهل يتوافق ذلك الوصف مع واقعك في العمل، أم لا؟ وإذا توافق الوصف، هل تريد البقاء على ذلك الحال؟ وإن لم ترغب بذلك الحال، ما الذي يمكنك عمله لتغير أسلوبك في العمل للأفضل؟ وإذا كنت رئيسا في العمل، كيف ستتعامل مع كل نوع وتعالج مشكلاته على حدة لتحقق أقصى إنتاجية للموظف والعمل؟ فهل عرفت الآن مدى تأثير أسلوبك في التربية على مستقبل طفلك؟... وهذا هو التحدي الكبير... فهل تمتلك الإمكانيات اللازمة لتخطيه بسهولة؟

* استشاري طب عائلة، ماجستير علاج المشاكل الزوجية والأسرية (كاليفورنيا)

العدد 2701 - الأربعاء 27 يناير 2010م الموافق 12 صفر 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 4:56 ص

      كاتب المقال استاذ

      بصراحة وبدون مجاملة اجد هذا المقال رائع ويعكس واقع واشخاص نراهم كل يوم فى بيئة العمل. اتمنى ان يكتب صاحب هذا المقال عن كيفية التعامل مع كل نوع من هذه الانواع ز

اقرأ ايضاً