يشعر مدرب منتخب فرنسا لكرة اليد كلود اونيستا بالفخر مما حققه لاعبوه بعد أن «أصبحوا مصدر سعادة دائم لفرنسا» على حد قوله.
فالمنتخب الأزرق أكمل قبل أيام «ثلاثية تاريخية» غير مسبوقة في كرة اليد، بعدما حصد في النمسا بطولة أوروبا على حساب كرواتيا (25/21)، وجمعها في غضون 16 شهرا إلى اللقبين الاولمبي في بكين (2008)، والعالمي على حساب كرواتيا أيضا على أرضها في مطلع العام الماضي.
مسيرة بلغ المنتخب الفرنسي قمتها متفوقا على ذاته أولا ثم على الآخرين، منطلقا من عناصر فنية أربعة هي «الدفاع، الهجمات المرتدة، التمرير، والتسديد المباشر».
ويوضح اونيستا إن لاعبيه وبعد تعادلين «مزعجين» أمام المجر واسبانيا «عرفوا كيف يعبرون بقوة أمام منافسيهم واستثمروا جيدا تفوقهم في الاولمبياد والمونديال» للقبض على «ثلاثية العقد».
ويتفوق المنتخب الفرنسي على منافسيه بمواهبه وروح عناصره. ولعل سر تألقه كامن في «خلطة» التعاضد والتآلف والمحبة، كما يؤكد اونيستا، و»عنواننا الدائم الحوار والمصارحة، النقد الذاتي القاسي لا بد منه، واللوم واجب متى كان ذلك ضروريا بالقدر نفسه الذي تستوجبه حالات الثناء والتهنئة».
والاهم في ما تقدم إن «ديوك اليد» لا ينامون على الانجازات، فالفرحة بأي لقب وليدة لحظتها ومناسبتها، ثم يشمرون سريعا عن سواعدهم استعدادا لاستحقاق مقبل، لذا لم يكن مفاجئا إعلان اونيستا «حلمنا التالي ذهبية دورة لندن الاولمبية».
ولعل مسلسل النجاح المستمر يرتكز على جهد فائق وتوظيف ماهر للطاقة ورؤيا تصوب نحو الأهداف، فلا عجب إن أصبحت كرة اليد نموذج النجاح الفرنسي في الألعاب الجماعية، وقفزت في الترتيب العالمي درجات كثيرة لتحتل المركز الثاني على مر العقود خلف السويد، لا بل تجاوزتها بمسافات شاسعة في الأعوام الأخيرة.
وتحمل السويد 8 ألقاب منوعة، في مقابل 6 لفرنسا التي تتقدم على ألمانيا ورومانيا وروسيا (3).
في غضون ربع قرن، تحولت فرنسا إلى «قلب كرة اليد» في العالم، بفضل برنامج جعل منها الواجهة والقبلة، وانسحب الأمر أخيرا على منتخب السيدات الذي حل أواخر العام الماضي وصيفا لروسيا في بطولة العالم في الصين.
وحتى دورة برشلونة الاولمبية العام 1992، كان المنتخب الفرنسي من الفئة الثانية أوروبيا، يصنف في القرعة مع «المنتخبات الصغيرة» أمثال جزر فارو. وخاض الدورة الاولمبية سعيا إلى تقديم أفضل الممكن، لكنه تجاوز الظل بحصده الميدالية البرونزية، فكانت الشرارة «الميمونة» التي أوقدت الحماسة والإيمان بجدوى التخطيط في هذا الحقل الرياضي، فقادته إلى فضية بطولة العالم في العام التالي، ثم اللقب العام 1995. وبذلك يكون «ازرق اليد» أول منتخب فرنسي يحقق لقبا عالميا في لعبة جماعية، قبل 3 أعوام من «ازرق القدم».
وإذا كان المؤهلون للقب الاولمبي اكتفوا بالمركز الرابع في دورة أتلانتا العام 1996، فان المدرب دانيال كوستنتيني اعد جيلا تسلم المبادرة والريادة وحصد اللقب العالمي الثاني على أرضه العام 2001 (فاز على السويد 28/25 بعد التمديد)، وبذلك ودع «الناخب الفني» الميدان من الباب العريض.
واستفاد خليفته اونيستا من الإرث الغني ليكمل المشوار فأصاب المركز الثالث عالميا عامي 2003 و2005 والمركز الأول أوروبيا العام 2006. وتجاوز عثرة الدور ربع النهائي «فقط» في دورة أثينا الاولمبية العام 2004، ليحصد لقب بكين مقدما لبلاده ذهبية غالية كانت الوحيدة له في لعبة جماعية خلال الدورة الاولمبية، وقبل ان يطبق على «الأخضر واليابس» عالميا وأوروبيا في الشهور التالية.
منذ العام 1992، جمع منتخب فرنسا لكرة اليد 12 ميدالية منوعة بينها 6 ذهبيات، وارتفع عدد اللاعبين في الأندية من 180 ألفا إلى 392700 لاعب (في مقابل 2.3 مليون لاعب كرة قدم).
ويعيش المنتخب الفرنسي حاليا تحديا جماعيا، وتوليفته مزيج من المخضرمين ذوي الخبرة والوجوه «العملاقة» الواعدة. ويلفت المدير الفني فيليب بانا إلى أن «كرة اليد الفرنسية لا تنام على الانجازات، ولا خوف من ثغرة بين الفئات العمرية، لان البرامج متواصلة والترابط قائم». والى جانب «صناديد» أمثال الكابتن جيروم فرنانديز (32 سنة) وديدييه دينار (33 سنة) وداودا كارابوييه (34 سنة)، والنجم العملاق الضارب نيكولا كاراباتيتش (25 سنة) الذي يأخذ الأمور على عاتقه في الأوقات الحرجة، يضم مقعد الاحتياطيين مواهب فتية، في مقدمها كزافيه باراشيه (21 سنة) الذي يعول عليه كثيرا للاستحقاقات المقبلة.
إنها تشكيلة حدت باونيستا للتأكيد أن فارق العمر «نقطة ايجابية استثنائية لمصلحتنا. فهذا التنوع في التشكيلة، هو برهان على ما يستطيع أفرادها تقديمه وحماستهم تعكس عطشهم إلى انجازات أخرى»، وبالتالي لا عجب إن صرح بعض المخضرمين عقب التتويج الأوروبي في فيينا أنهم يتطلعون إلى ما بعد السنوات الأربع المقبلة.
العدد 2708 - الأربعاء 03 فبراير 2010م الموافق 19 صفر 1431هـ