في الوقت الذي تكتظ فيه شوارع عدد من المدن والقرى في البحرين بالمعزين، تنطلق آلاف أخرى من المواطنين والمقيمين في ما تعارف عليه بـ «عمرة عاشوراء»، مستثمرين إجازة اليومين في العبادة إذ تشل العطلة أكثر أوجه الحياة في البحرين.
المعتمرون وأصحاب الحملات يعيدون «الظاهرة» إلى السنوات الخمس الماضية التي يصبح فيها الحرم المكي «بحرينيا» بالكامل تقريبا، إذ إن هذا الموسم من ابتداع البحرينيين فقط، وأن أعداد المقبلين عليه تتزايد عاما بعد عام، فيقول عدد من المعتمرين أن عطلة عاشوراء ليس مجالا للفرح، ولذلك فإن قضاءها في التعبد أولى.
من جانب آخر، حرمت الأوضاع الأمنية غير المستقرة في العراق البحرينيين أيضا من زيارة العتبات المقدسة، ويفضل عدد منهم البقاء في البحرين في الأيام العشرة هذه كون التنظيم فيها يفوق دول أخرى.
الوسط - فاطمة الحجري
«تعلن الحملة الفلانية عن بدء التسجيل إلى العمرة في إجازة عاشوراء برا وجوا لمدة خمسة أيام في أفخم فنادق مكة...»، وفي سياق آخر جاء «يسرنا أن نعلن إلى الجمهور الكريم عن فتح باب التسجيل لعمرة محرم لمدة خمسة أيام شاملة الإقامة في فندق أربع نجوم يطل مباشرة على الحرم المكي الشريف»... هكذا تنوعت حملات الترويج إلى «عمرة عاشوراء» التي تحولت في غضون السنوات الخمس الماضية إلى موسم سياحي رائج ينافس «عمرة رجب وشعبان» وعمرة عيد الفطر، لكن المفارقة أن الأول هو حكر على المعتمرين البحرينيين.
ففي الوقت الذي تكتسي أغلب قرى ومدن البحرين بالسواد لتتغير تقاسيم الشوارع والطرقات، وتعطل المؤسسات الرسمية والأهلية وتشل اليوميات الاعتيادية عدا نبض المآتم والمواكب الحسينية إحياء لذكرى واقعة الطف واستشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (ع)، تنطلق قوافل المعتمرين من البحرينيين إذ يفضل مئات و(يصح الآلاف) من المواطنين والمقيمين قضاء إجازة عاشوراء بعيدا عن هذا كله، والذهاب إلى العمرة في موسم هو خاص للبحرينيين حسب تأكيدات مصادر عدة، لا سيما بعد تعسر إحياء الذكرى في ربوع كربلاء المقدسة.
يقول عبدالرحمن عبيد وهو الذي يعتمر في عاشوراء بشكل سنوي منذ ثلاث سنوات ماضية ومتوالية: «في عاشوراء تشعر أن الحرم بحريني بأكمله، فلا تسمع سوى الحكايات المنطوقة باللهجة البحرينية (...) تعودت الذهاب إلى العمرة في عاشوراء لأنه موسم استثنائي ولا يتكرر في باقي المواسم، هناك تشعر بالراحة وبالتقرب إلى الله أكثر متفاديا في هذا التوقيت الزحام المعتاد في المواسم الأخرى سواء في الحج الأكبر أو في باقي الشهور التي يستحب فيها الاعتمار إلى بيت الله الحرام كشهر شعبان أو رجب».
إلى ذلك، يؤكد صبري الأحمد المشرف على «حملة الأبرار» إقبال البحرينيين الشديد على عمرة عاشوراء، موضحا أن الموسم الثاني في الترتيب بعد موسم الحج الأكبر في مكة.
إقبال لافت
ويزيد الأحمد الذي سيَّر الحملات الخاصة بعمرة عاشوراء طوال السنوات الخمس الماضية: «عوامل عدة تجعل البحرينيين يسجلون هذا الإقبال اللافت خلال إجازة عاشوراء منها العروض الجيدة للفنادق، ومنها حملات الترويج التي تستهدف البحرينيين دون غيرهم ومنها اعتدال المناخ في هذا التوقيت من العام مقارنة بموسم الصيف».
«هناك فنادق من الدرجة الممتازة تبعث وفودا إلى البحرين بهدف الترويج إلى عمرة عاشوراء في البحرين، لدرجة أنها تقدم أسعارا تنافسية في حملات ترويج مخصصة للبحرينيين فقط».
وبالعودة إلى جزئية الأسعار يقول: «الأسعار تنافسية جدا، لست بصدد الترويج أو عمل إعلان مجاني، ولكن الأسعار التي تقدمها جميع الحملات مناسبة جدا والدليل الإقبال عليها (...) الأسعار برا تتراوح ما بين 30 إلى 40 دينارا، تشمل الوجبات أو لا تشملها بحسب سياسة المنظمين، آما جوا فهي ما بين 150 إلى 210 دينار».
يؤكد الأحمد أن كثيرا من البحرينيين يفضلون استغلال عاشوراء في العبادة، «لذلك تتكرر وجوه المعتمرين، ومن يسافر هذا العام مع حملة ارتاح من خدماتها حجز معها لعمرة العام المقبل... وهكذا»، ويضيف: «نحن نحجز بعد عودتنا من عمرة عاشوراء بشهرين للموسم المقبل».
وبالمثل، يقول نزار الجودر من حملة أمجاد: «الإقبال على عمرة عاشوراء في تزايد مستمر خاصة هذا العام، فالحياة في البحرين تتعطل في عاشوراء، وهو ليس موسما للفرح حتى يقضيه الناس في المجمعات أو الملاهي الترفيهية، كما أن الأسواق والمؤسسات كلها مقفلة، لذلك يفضل الكثيرون استغلال الإجازة في العبادة».0
تزايد أعداد المعتمرين
وعلى رغم عدم توافر إحصائية دقيقة توضح أعداد البحرينيين المعتمرين في هذه الفترة إلا أن أصحاب الحملات يؤكدون أنهم في تزايد مستمر وإن هناك قوائم انتظار وحجوزات مسبقة، عن ذلك يقول الجودر «أعداد المعتمرين في تزايد مستمر، وأناس كثر تعودوا على الاعتمار في عاشوراء، لدرجة أنهم يحجزون للعام المقبل حالما يعودون من عمرة هذا العام».
ويضيف الجودر الذي يسير أكثر من 300 معتمر خلال إجازة عاشوراء: «لا يوجد أيام محددة إلى العمرة، فالعمرة مستحبة طوال أيام السنة، غير أن الكثير من البحرينيين يفضل الاعتمار في عاشوراء».
«الحملات كلها ممتلئة، وبعض الحملات لديها قوائم انتظار(...) شخصيا أتعاون مع بعض المقاولين ونشترك في التنسيق فأحول لهم عددا من المعتمرين في حال اكتفيت، والعكس يحدث أيضا».
صيام عاشوراء
ومن عاشوراء كموسم للسياحة الدينية، إلى فضائل هذه الأيام من شهر محرم الحرام، يقول المفتي العام للمملكة العربية السعودية سابقا «إن صيام يوم عاشوراء سنة يستحب صيامها؛ صامها النبي صلى الله عليه وسلم وصامها الصحابة، وصامها موسى قبل ذلك شكرا لله، يوم نجاه الله وقومه، وأهلك فرعون وقومه، أيضا فصامه بنو إسرائيل شكرا لله... ثم صامه النبي صلى الله عليه وسلم شكرا لله تأسيا بنـبي الله موسى».
ويضيف: «كان أهل الجاهلية يصومونه أيضا، وأكده النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة، والأفضل أن يصام قبله يوم أو بعده يوم خلافا لليهود؛ فقال الرسول الأعظم عليه الصلاة والسـلام: «صوموا يوما قبله أو يوما بعده».
من جانبه يقول النائب علي أحمد إن عمرة عاشوراء صارت ظاهرة اجتماعية أكثر منها دينية، لطالما كانت العمرة مستحبة في أي وقت من أوقات السنة، فالعمرة مطلب ديني وشرعي والإجازة فرصة سانحة للتفرغ للعبادة وتفعيل الجانب الإيماني (...) هناك من يتخذ من مناسبة عاشوراء فرصة للسفر والترفيه، ومكة أو العمرة اختيار جيد إذ يجتمع الجانب الديني والترفيهي معا، إذ يمكن لرب الأسرة بعد الانتهاء من مناسك العمرة التنزه مع أفراد أسرته في جدة القريبة من مكة، خصوصا وأن خيارات قضاء الإجازة في البحرين محدودة جدا في عاشوراء».
إدمان العمرة!
ويذهب أحمد إلى بعد آخر فيقول: «هناك الكثير من الناس من أدمنوا العمرة، وصار السفر بالنسبة إليهم لا يقتصر على الفرائض بل يتعدى ليشمل المستحبات بشكل يثير علامة الاستغراب». ويزيد: «الجانب التنموي للمجتمع قضية تحدث فيها أكثر من عالم على رأسهم العالم يوسف القرضاوي الذي صرح أكثر من مرة أن على المسلم المقتدر أن يساهم في دعم مجالات التنمية البشرية في مجتمعه وأن يقي الفقراء ذل السؤال عوضا من الذهاب إلى بيت الله الحرام بشكل سنوي، وهي أفضل له عند الله». ويروي قصة أحد التابعين فيقول: «قصد أحد التابعين مكة، وفي الطريق رأى عائلة بأكملها تبحث في القاذورات عن زاد تأكله، فأعطاهم كل ما لديه وقال هذا حجنا هذا العام».
«فالأجر والثواب ليس في الحج والعمرة فقط، بل في أفعال كثيرة تغلب فيها المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ومن شأنها أن تساعد أسرا فقيرة وتغنيهم عن مهانة الفقر».
كربلاء في مقابل العمرة
ومن عمرة عاشوراء، إلى زيارة كربلاء في عاشوراء، إذ تناقصت أعداد الزوار البحرينيين بشكل كبير أعقاب الحرب على العراق العام الماضي بسبب خطورة الأوضاع الأمنية وعزوف النسبة العظمى من مقاولي السفر إلى العتبات المقدسة عن تسيير الحملات إلى كربلاء والنجف الأشرف بفضل ألأسباب ذاتها.
ومثلما صار المعتمرون البحرينيون يسجلون الرقم الأعلى في قائمة المعتمرين خلال عاشوراء، فقد كان الزوار البحرينيون ينافسون الزوار الآخرين في كربلاء طوال السنوات التي تلت حرب الخليج الثانية إلى حين بدء عملية «تحرير العراق»، إذ تراجعت حركة السفر من البحرين إلى العراق وتوقفت القوافل التي كانت نشطة طوال العام، حتى اقتصر الأمر على الرحلات الشخصية عن طريق الأردن.
والمفارقة، عندما تصدق مقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فسقوط النظام البعثي السابق فتح المجال واسعا للعراقيين لزيارة مرقد أبي عبدالله الحسين و مرقد أخيه أبي الفضل العباس والنجف الأشرف حيث مرقد الأمام علي بن أبي طالب، بعدما حرموا لأعوام طويلة من ذلك... والأمر نفسه ينطبق على الزوار الإيرانيين الذين تضاعف عددهم مرات كثيرة بالمقارنة بين الأعوام السابقة والعامين الماضي والجاري.
وبالعودة إلى الوراء، فإن نحو مليوني شيعي في العراق أحيوا مراسم أربعينية الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما الماضية في مدينة كربلاء التي تبعد عن جنوبي بغداد بـ 110 كلم.
وبعد عقود من الحرمان أدى الشيعة طوال ذاك، طقوس الزيارة السنوية لمرقدي الإمام الحسين بن على بن أبي طالب وأخيه غير الشقيق العباس رضي الله عنهم إذ أحيت الذكرى للمرة الأولى منذ أكثر من 30 عاما، على نحو لافت وتناقلته وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، ويتوقع المتابعون أن يعاد المشهد ذاته في عاشوراء هذا العام حتى وإن لم يتمكن البحرينيون من المشاركة في تلك المراسم.
يقول إبراهيم رضي الذي يقارن ما بين عاشوراء في البحرين وعاشوراء في العراق: «على رغم الفضائل الكثيرة لزيارة مرقد الإمام الحسين يوم عاشوراء، إلا أنني أفضل البقاء في البحرين خلال العشرة الأولي من محرم، ذلك لأن المآتم ومواكب العزاء في البحرين منظمة بشكل يتفوق على كل البلدان التي تحيي الذكرى بما في ذلك العراق وإيران ولبنان (...) لا أقصد أن أمتدح البحرين ولكن هي شهادة من يأتي لزيارتنا من الخارج ونحن نفخر بذلك».
وهكذا ينقضي عاشوراء بين باقين لإحياء الذكرى وبين معتمرين وبين مشتاقين لزيارة الأمام الحسين
العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ