ليس جديدا أن تنظر المرأة - في يومها العالمي - إلى ما سبق أن حققته في مسيرتها الرامية إلى نيل حقها في حياة كريمة وعادلة لا تفرق بينها وبين الرجل، ولا تميز ضدها القوانين والنظرات الاجتماعية الدونية لها، ليس في مجتمع بعينه، بل في الكثير من المجتمعات، ومن بينها المجتمعات المتقدمة. ولكن ما يهمنا على الصعيد المحلي عمل نوع من «جردة الحساب» التي تبين ما الذي تم التوصل إليه في هذا المجال وما المطلوب تحقيقه. في استطلاع لعدد من الآراء التي اشتركت في موضوع اليوم، كانت هناك نقاط تقول خلاصتها مجتمعة: إن هناك تقدما على بعض المستويات ولكن لايزال الدرب طويلا للوصول إلى النقاط الأخرى التي تقضي على كل أشكال التمييز ضد المرأة، ما يفتح أمامها الباب بشكل طبيعي وتنافسي مع الرجل، لبناء مجتمع أكثر حيوية وعافية.
بحسب الإحصاءات الرسمية للمملكة (2001) هناك أكثر من 201 ألف امرأة بحرينية في مقابل 204,6 آلاف رجل بحريني، ولكن هذه النسبة المتناصفة تقريبا تتراجع بشكل لافت حين نرجع إلى الإحصاءات نفسها في ما يخص العمل، لنرى أن عدد الذكور البحرينيين في سوق العمل سجل حوالي 85 ألف عامل، بينما لم تسجل الإناث البحرينيات سوى 26 ألفا، وهذا الرقم لن نستعجل في الوصول إلى فكه، ولكنه يشير بشكل أو بآخر إلى وجود معوقات تحجب المرأة عن الوصول إلى مواقع وظيفية.
إشكالات وحسابات
وتزامنا مع ما يذكرنا بهذه المناسبة، وبما يطرح الإشكالات والحسابات المعقدة، نجد الوكيل المساعد للثقافة والتراث الوطني الشيخة مي بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة تقول: «لا أحب تصنيف المرأة ووضعها في خانة خاصة بها بعيدة عن الرجل فالمرأة جزء من كل، وهي بالتالي تتعرض لكل ما يتعرض له أي فرد في هذا المجتمع (...) من تجربتي الشخصية لم يكن التمييز بسبب كوني امرأة داعيا لخلق أي إشكال. الإشكال الحقيقي يكمن في اختلاف الرؤية والنظرة المستقبلية، وهناك ميزة خاصة للمرأة قد تفسر نجاحها أو تمييزها في بعض المجالات وهي احتضانها لأي مشروع تتبناه بالرعاية والاهتمام الذي يحظى به وليدها، هذه النظرية التي يرددها محمد الحداد، وهي برأيي تفسير سليم ومنطقي. ولابد أن أضيف أن المستقبل للسيدات».
وتضيف الشيخة مي: «لابد أن نتذكر أن المرأة البحرينية خصوصا كان حظها أفضل من مثيلتها في عدد من الدول العربية الأخرى. وهناك حقيقة مهمة يجهلها البعض هي أن التعليم النظامي في البحرين بدأ بفصل للبنات قبل البنين في مدرسة الإرسالية الأميركية في العام 1899 وهي أول مدرسة في البلاد. كما أن هناك سيدات متميزات ورد ذكرهن في التقارير البريطانية وكان لهن دور بارز في صنع القرار السياسي، وتكفي العودة إلى فترة بداية القرن الماضي للتعرف على هذا الدور».
بدايات مبكرة ومشجعة
وتضيف الشيخة مي أن المرأة البحرينية شاركت في الانتخابات البلدية في الخمسينات وكان لها دور بارز في النشاط السياسي إلى جانب الرجل. وكان لها دائما موقعها في التظاهرات التي شهدتها الساحة السياسية في البحرين.
وشهدت الحركة المسرحية مشاركة نسائية مبكرة وتعود إلى العام 1947. ولم تقتصر مشاركة المرأة على مجالات محددة، بل خاضت معظم المجالات منها الطب والهندسة والتعليم والسلك الدبلوماسي أيضا، وذلك بوجود أول سفيرة في البعثة الدبلوماسية البحرينية في فرنسا. ولابد أن نذكر أيضا أن النهضة الفنية في مجال الفن التشكيلي في البحرين حظيت بمشاركة فعالة من قبل فنانات بحرينيات شاركن في تمثيل البحرين في المعارض الدولية، فبكل اعتزاز اذكر مشاركة الفنانة بلقيس فخرو في معرض فني أقيم في برلين. وتميزت مشاركتها بين الحاضرين هناك بما تملكه من غزارة معلومات وسعة اطلاع في ما يخص التجربة التشكيلية للفنانين الألمان. هذا طبعا إلى جانب أعمالها الفنية المتميزة.
وتختتم الشيخة مي بالقول: «لا أريد أن اذكر الإنجازات، فهذه حقائق نلمسها كل يوم، ولكن وبكل صراحة أقول إن الاحباطات واحدة وما تتعرض له المرأة يتعرض له الرجل، ليست المرأة هي المستهدفة. وإنما النجاح هو العدو الحقيقي لكل الفاشلين».
مؤشرات نسوية إيجابية
في الوقت نفسه تقول الناشطة في مجال العمل النسائي بدرية علي: «من خلال اطلاعي على تجربة المرأة البحرينية على الساحة السياسية، فإنني اعتبرها تجربة جيدة وجريئة، فإقدامها على الترشح على رغم عدم توافر الأدوات السياسية الأساسية لدعمها فيما يخص التشريعات السياسية كي تساندها تعد مؤشرا جيدا إلى ما يمكن أن تتطور في اتجاهه هذه التجربة مستقبلا».
وتضيف «اعتقد أن هناك وعيا عاما في المجتمع الدولي الذي ينعكس بدوره على المجتمع المحلي، بشأن ضرورة دعم المرأة في المشاركة السياسية باعتبار أن العالم كله يتجه نحو تحقيق السلام وتمكين نصف المجتمع المعطل. لذلك يجب القيام بحملة كبيرة لتشجيع تأسيس ثقافة سياسية داعمة لجهود النساء والعمل على توسيع المشاركة السياسية كناخبة او مترشحة».
وتستطرد: «هناك مساحة يجب أن تستفيد منها المرأة الآن من خلال وجودها في الجمعيات السياسية، وان تحاول أن تكون من القياديات، وأن تتطلع جمعياتها إلى دعمها للوصول إلى مراكز القيادة. وبالتأكيد، سيكون وصولها إلى المراكز القيادية داعيا إلى أن تتبنى طرح قضايا المرأة على سلم الأولويات والاهتمامات».
وفي سؤال عن الاحتياجات الحالية للمرأة في البحرين، تقول: «هناك احتياجات متنوعة لعل أهمها تفهم المجتمع لأهمية إبراز دور المرأة والاستفادة من طاقتها. ولعل خير مثال أود تقديمه هنا أنني لاحظت من خلال الدورات والندوات التي حضرتها أن النساء يملكن صدقية كبيرة في أعمالهن، وهناك دراسة علمية أثبتت أن الدوائر التي ترأسها النساء سواء في مناصب حكومية أو أحزاب سياسية أو جمعيات يقل معدل الفساد فيها».
الاستفادة من الطاقات
وتؤكد وجوب أن تستفيد المرأة من الاتفاقات والمعاهدات التي تدعم نضالها في مختلف أنحاء العالم. «فهذه احدى الأدوات السياسية المهمة التي يجب أن يستفاد منها بشكل كبير. كذلك أؤكد أهمية مشاركة المرأة في الحياة العامة من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو من خلال المشاركة في الترشيح والانتخاب، وبالتالي هذا يمثل بروزا لها وظهورا يثبت قدراتها. فلم يمكن الاستغناء عن ضرورة أن يكون هناك تفهما عام من قبل المجتمع الدولي لضرورة مساندة المرأة لمزيد من المشاركة في الحياة السياسية كذلك يجب دعم المرأة من خلال آليات التدريب المناسبة لخلق قيادات، فبحسب خبرتي فإن حضوري الكثير من الدورات والمشاركات شكلت إضافات ملموسة على مستوى الخبرة الشخصية».
ولكن الناشطة علي لاتزال تأمل الكثير من الأمور التي لم تتحقق في هذا الدرب الطويل من المطالبة بحقوق المرأة، إذ تقول: «يجب على الحكومة إصدار الكثير من التشريعات في جميع إداراتها ووزاراتها تدعو إلى ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة، ولا يمكن أن يتم إثبات صدق دعوات الحكومة إلى ضرورة النهوض بمكانة المرأة من دون أن تكون هناك تشريعات صريحة تنص على المساواة بين الرجل والمرأة من الناحية الوظيفية وتقلد المراكز».
وتواصل حديثها «بلاشك ان الكثير من النساء حققن الكثير من النجاحات في مجالاتهن لكن لابد من وجود تشريعات تسهل للكثير من النساء الأخريات الوصول إلى مراكز مهمة في وزارات الدولة».
وفي سؤال عما إذا كان الرجل البحريني يرفض أن ترأسه سيدة في دائرة ما تقول: «قد يكون هذا في الماضي، لكن الآن اختلفت النظرة كثيرا، وذلك يعود إلى أن المرأة البحرينية وصلت إلى مناصب تقلدتها نتيجة كفاءتها وقدراتها المتميزة التي جعلت منها لائقة بهذا المنصب أو ذاك (...) بلاشك أن البحرينيات أفضل حالا من الكثير من نساء الخليج من حيث النظرة الاجتماعية لتقلد الوظائف المهمة».
سقوف لا نتعداها
وتعد الناشطة في مجال حقوق المرأة وحقوق الإنسان بشكل عام سبيكة النجار، واحدة من اللواتي خضن تجربة ثرية وطويلة في هذا المجال، فنراها تقول: حققت المرأة تقدما كبيرا سواء في التعليم أو الدخول إلى سوق العمل وتبوئها المراكز، لكن بلاشك هناك معوقات اجتماعية تحد من إمكاناتها، وهناك تمييز ضدها بالقوانين، فالمرأة مازالت لدينا في البحرين تصل إلى سقف معين وتقف عنده، على رغم أن لديها إمكانات للترقي الوظيفي، أو أن تشغل منصبا وزاريا وأن تصبح قاضية، وعندما أتحدث عن الإمكانات، أقصد قدراتها العلمية وقدرتها على تحمل مسئولية بهذا الحجم، وليس الترقي لأنها تنتمي إلى أي وسط اجتماعي معين، ما معناه أن تكون هناك معايير عادلة لترقي المرأة في أي مجال وهذا ما ينطبق على الجنسين. وعندما تكون هناك معايير عادلة وعلى قدم المساواة ستصل بالتأكيد إلى مركز متميز وبصورة عادلة من دون تمييز.
وتضيف النجار «يجب تعديل القوانين التي تمس المرأة بما يتلاءم مع توقيع البحرين لعدة اتفاقات تتناول حقوق المرأة وفقا للمعايير الدولية، ولعل أهمها قانون تستطيع من خلاله المرأة أن تمنح الجنسية لأبنائها فيما لو كان الأب غير بحريني، وكان هناك حديث عن صدور مكرمة ملكية لمنح المرأة هذا الحق. لكننا نتمنى أن يسن هذا القانون باعتباره جزءا من حقوق المرأة الطبيعية، هناك أيضا حاجة إلى تعديل قانون العقوبات، وكذلك الحاجة إلى وجود قانون للأحوال الشخصية والإصلاح القضائي بشكل عام، والقضاء الشرعي الذي يتعامل مع قضايا النساء بشكل مباشر. كل هذه جوانب لابد من إصلاحها لأنها تمس المجتمع بشكل عام والمرأة بشكل خاص... بالتأكيد أن التشريعات والقوانين المعمول بها مازالت تمييزية ضد المرأة ويجب إعادة النظر فيها».
وينتخب الرجال امرأة
تقول النجار: «لقد وصلت إلى مركز الأمين العام لجمعية البحرين لحقوق الإنسان كأول جمعية حقوقية في الخليج، ولأكن صريحة، فإن زملائي من الرجال والنساء هم الذين انتخبوني لتولي هذا المكان. ويتكلمون دائما بشيء من الفخر بأن لديهم أول امرأة أمين عام لجهة حقوقية في منطقة الخليج. هذا بالتأكيد يعكس حقيقة أن هناك الكثير من الرجال هم مع قضية المرأة، ولكن النظرة الاجتماعية للمرأة مازالت بحاجة إلى توعية».
وتشير إلى وجوب القضاء على الصورة النمطية للمرأة وخصوصا في الإعلام وفي المناهج الدراسية، «فمثلا لو تطلعنا إلى المسلسلات العربية، سنجدها مغرقة بالتمييز ضد المرأة، وإذا تطلعنا إلى الإعلان التلفزيوني الذي يصور المرأة دائما وهي تقف في مطبخ البيت لإعداد الطعام، وكأن هذا الشيء الوحيد الذي تستطيع المرأة إتقانه في حياتها. حقيقة، لم نر حتى الآن في وسائل الإعلام العربية سوى هذه الصورة للمرأة، وبالتالي يكبر الطفل وهذه الصورة النمطية عالقة في ذهنه عن المرأة. حتى المناهج المدرسية دائما تطرح المرأة بالقالب نفسه فهي أما الأم أو الأخت أو المعلمة... صحيح أن المرأة كل هؤلاء، لكن لها أيضا أدوارا وقدرة على تولي مهمات أكثر من هذه المهمات. هذا النمط من الثقافة قادر على أن يرسخ في ذهن الطفل هذه الصورة، وبالتالي لا يقبل للمرأة أكثر من هذه الأدوار التي ذكرت. وكذلك لو نظرنا إلى الأغاني التي تقدم المرأة على أنها جسد يمكن أن يتعرى أو يرقص أو ما شابه».
بين الماضي والحاضر
وعن تطور الوعي بحقوق المرأة بين الماضي والحاضر تقول النجار: لاشك أن التاريخ يتطور إلى الأمام. وبالتأكيد أن إعطاء المرأة حقها السياسي ووضعها كنص واضح في الدستور يعد تطورا كبيرا بالنسبة إلى المرأة البحرينية لكن حق المرأة السياسي أصبح مهضوما نتيجة التمييز الاجتماعي الذي يمارس ضدها... لدينا حالات برز فيها التمييز الاجتماعي بشكل واضح ضد المرأة وهي مجموعة من المهندسات اللواتي تعرضن للتمييز لأنهن نساء واضطررن إلى تغيير تخصصاتهن بسبب التمييز والنظرة الاجتماعية التي انتقصت من حقهن في هذا المجال. وعملن في وظائف لا تتلاءم مع تخصصاتهن، على رغم الحاجة إلى تخصصاتهن الأصلية لكنهم لم يقبلوا بهن وقاموا بجلب مهندسين من خارج البحرين بتخصصات تلك المهندسات نفسها بدلا من القيام بتوظيفهن.
وفي سؤال عما إذا كانت النجار تعتقد أن النساء البحرينيات أفضل حالا من النساء في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تقول النجار: «من الخطأ أن نسعى دائما إلى رسم الصورة بلونها الوردي، ننظر إلى ما هو أقل مما حققناه، لكن يفترض أن ننظر إلى ما هو أفضل من حالنا كي نستطيع الارتقاء بأنفسنا».
في مملكة البحرين، حققت المرأة البحرينية إنجازات حسنة يشهد لها، إذ لعبت أدوارا عدة في بناء المجتمع والنهوض به، فكان دورها في الحياة فاعلا ومضيئا في القطاع الأهلي والرسمي على حد السواء إلى جانب الدور الإنساني الأساسي في تعمير الأرض، وفيما يأتي بعض الاضاءات...
- شغرت المرأة البحرينية منصب وكيل وزارة في عدد من وزارات المملكة.
- منصب أمين عام المجلس الأعلى للمرأة، برتبة و مسمى «وزيرة».
- هناك 5 عضوات في مجلس الشورى.
- هناك عشرات المديرات والمديرات المساعدات في الوزارات وإداراتها، بما فيها مدارس البنين.
- عملت البحرينية مدربة سياقة سيارات.
- بطلات رياضيات، و تأتي في المقدمة حاليا الرياضية رقية الغسرة التي حصلت على ميدالية دولية في العام الماضي، و هي تمثل البحرين في بودابست، المجر، في سباق الـ 400 متر.
- هناك قائدتان ضمن قائدي طائرات «طيران الخليج».
والبقية تأتي ..
العدد 550 - الإثنين 08 مارس 2004م الموافق 16 محرم 1425هـ