إبراهيم البيومي غانم - الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة - مصر
18 مارس 2010
لا يولد الإنسان على الفطرة فقط، وإنما يولد مزودا بأدوات المعرفة الأساسية: السمع والبصر والفؤاد، وهي الأدوات التي يستطيع بها أن يخدم ما في روحه من شوق إلى معرفة الله، وإلى الحرية بأوسع معانيها، وإلى التمتع بالحياة وتحقيق الازدهار الروحي إلى جانب الازدهار المادي وترقية نوعية حياته، ومن هنا كان أهم وأول حق من حقوق الإنسان تؤكده الخصوصية الإسلامية هو حق الاعتراف به كإنسان، إن هذا الحق هو أصل كل الحقوق الأخرى، ومن دون تقريره على هذا المستوى الأصولي الروحي يكون عرضة لانتقاص كثير من حقوقه الأخرى تحت دعاوى كثيرة يختلقها الطغاة والمستبدون، وتبررها السلطات التي تتحكم فيه سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو دينية.
والتاريخ - القديم والوسيط والحديث والمعاصر - يقدم لنا كثيرا من الأدلة والشواهد التي تؤكد أن عدم الاعتراف بآدمية الإنسان، أو بإنسانية الآدمي كان هو البداية الأولى لإهدار كثير من حقوقه وحرياته الأساسية، كما يمدنا التاريخ بشواهد كثيرة توضح فداحة التضحيات التي قدمتها المجتمعات حتى وصلت إلى انتزاع الاعتراف بإنسانية الآدمي وكونه أهلا للتمتع بالحقوق وممارستها وحمايتها.
إذا انتقلنا إلى التأسيس الفقهي/ القانوني لحقوق الإنسان التي جاءت بها شريعة الإسلام، سنجد أنه حاول دوما الاقتراب من النموذج الأساسي لتلك الحقوق في “عالميتها وشمولها”، ولكننا سنلاحظ أيضا أن الاجتهادات التي أدلى بها الفقهاء تباينت عبر العصور لأسباب شتى ـ ليس هنا مجال التفصيل فيها ـ فاقتربت حينا من النموذج الأساسي الذي أرسته المصادر المعرفية/ الفلسفية، والأصولية، وابتعدت عنها حينا آخر وعجزت عن استيعاب مضامينها الواسعة وقصرت عن الإحاطة بنزعتها الإنسانية الشاملة.
أما إذا انتقلنا إلى ما يمكن أن نطلق عليه “التأسيس العملي/ التطبيقي” لتلك الحقوق، فسنجد أن الفجوة أضحت أوسع بين ما يجب أن يكون وما كان بالفعل عبر مراحل تاريخية مختلفة، أو ما هو كائن في واقعنا الراهن. ولهذه الفجوة أسباب كثيرة أيضا تفسرها وتشرح آليات اتساعها حينا أو ضيقها حينا آخر، وهذا موضوع لبحث آخر.
والأمر الجدير بالإشارة هنا هو أن الفقه الحقوقي الإسلامي المتعلق بمنظومة “حقوق الإنسان” قد تأخر كثيرا في تقديم صياغات قانونية تحدد هذه الحقوق بلغة معاصرة، وذلك بعكس ما فعل الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر الذي عني بتقنين هذه الحقوق وتحديدها بقدر كبير من الدقة، وقام بالتعبير عنها في صور متعددة مثل الإعلانات، والمواثيق، والمعاهدات الدولية التي تباينت من حيث قوتها الإلزامية، من الإلزام المعنوي أو الأخلاقي، إلى الإلزام القانوني.
وأيّا كانت الأسباب التي أدت إلى تأخر الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر عن تقديم صياغات مقننة لحقوق الإنسان في صورة مواثيق أو إعلانات أو معاهدات، فقد ظهرت خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي عدة صياغات في محاولة لتدارك هذا التقصير، وتمثلت تلك الصياغات في الآتي:
1ـ “إعلان حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام”، وقد صدر عن رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في سنة 1979.
2ـ “البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان”، وقد صدر عن المجلس الإسلامي الأوروبي في لندن سنة 1980.
3ـ “مشروع وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام” الذي صدر عن مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في الطائف سنة 1989.
4ـ “مشروع حقوق الإنسان في الإسلام”، الذي قدم إلى المؤتمر الخامس لحقوق الإنسان في طهران، في ديسمبر/ كانون الأول 1989.
5ـ “إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام” سنة 1990 .
6ـ “إعلان بشأن حقوق الطفل ورعايته في الإسلام”، وقد صدر في المغرب سنة 1994.
هذا إلى جانب مبادرات وصياغات أخرى متفرقة، بعضها بجهد فردي، وبعضها بجهد جماعي مؤسسي، وجميعها لايزال في مرحلة الإعلان والبيان والتعريف دون أن تحمل أي قوة إلزامية وخاصة في مواجهة أنظمة الحكم التي تمارس عمليات انتهاك حقوق الإنسان في كثير من بقاع العالمين العربي والإسلامي، حسبما توضح التقارير الدورية التي تصدر عن منظمات حقوق الإنسان في العالم.
إن نقطة البدء في تأسيس خصوصية النظرية الإسلامية في حقوق الإنسان هي “عصمة الآدمي” في ذاته وكما خلقه الله، وهذا هو الأصل الكبير الذي يخوله الحقوق الأخرى جميعها. وليس أفضل من الدراسة المقارنة لتوضيح الفروق الجوهرية بين هذه الرؤية الإسلامية والرؤى الأخرى، وخاصة الرؤية الغربية التي عبرت عنها إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان ذائعة الصيت، وهو ما حاولنا عمله في هذا البحث من خلال مقارنة بعض الحقوق الأساسية (الحق في الحياة ـ المساواة ـ الحرية)، وبيان مكامن الاختلاف وأوجه الاتفاق بين ما تضمنته مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان الغربية، والمواثيق والإعلانات الإسلامية، مع تفسير الأساس المعرفي/ الفلسفي للاختلاف في حالة وجوده.
ولمزيد من التأكيد على الأطروحة التي نتبناها وهي أن خصوصية نظرية حقوق الإنسان في الإسلام هي في عالمية هذه النظرية، نقول إن الدعامة الأساسية التي اتخذها الإسلام لكل ما شرعه من عقائد ونظم وقوانين هي “حرية الفرد”، والإقرار بقدرته على الاختيار بملء إرادته دون حاجة إلى وسيط أو وصي ـ اللهم إلا في حالات نادرة واستثناءات محددة تتعلق بفقدان الأهلية، أو تعرضها للنقص بسبب عيب من العيوب، بل إن بعض الفقهاء العظام من أمثال أبي حنيفة النعمان ذهبوا إلى أنه لا يجوز الحجر على السفيه، والسفه عيب من عيوب الأهلية كما هو معروف، وعلل أبو حنيفة ذلك بالقول بأن الحجر على السفيه إهدار لآدميته، وإلحاق له بالبهائم، وأن الضرر الإنساني الذي يلحقه من جراء هذا الإهدار يزيد كثيرا على الضرر المادي الذي يترتب على سوء تصرفه في أمواله، وأنه لا يجوز أن يدفع ضرر بضرر أعظم منه!
وبتقرير الحرية الفردية على هذا النحو الذي ألمحنا إليه، تقررت جملة الحقوق الأساسية المرتبطة بكيان الإنسان وآدميته، وفي مقدمتها الحقوق المتعلقة بحرية التفكير والتعبير، وحرية البحث والتأمل، أو ما نطلق عليه بتعبيراتنا المعاصرة “الحرية الأكاديمية”، وهي التي تعني أن يكون لكل فرد الحق في تقرير ما يراه في صدد دراسة الظواهر الاجتماعية والطبيعية، والأخذ بما يؤدي إليه البحث من نتائج، ولا يوجد في أصول الإسلام وتعاليمه، ولا في اجتهادات الأئمة المعتبرين أي توجيه يهدف إلى فرض الأخذ بنظرية علمية بشأن أي ظاهرة من الظواهر، عكس ما عرفته بعض الممارسات في تاريخ الأديان والثقافات الأخرى، وعرفت في سياقها محاكم التفتيش.
العدد 2751 - الخميس 18 مارس 2010م الموافق 02 ربيع الثاني 1431هـ
علي ( ع ) ... وحقوق الإنسان
خلاصة مُقتطفة من كتاب .. ( علي وحقوق الإنسان ) .. للكاتب جورج جرداق ..إن للإمام علي( ع ) فلسفة خاصة وعميقة بخصوص الحرية وحقوق الإنسان ، إذا ما حاولنا الاقتراب من مصطلحات الفكر المعاصر، تلك التي أوثقها على نحو شديد لفلسفته للحكم وبمنهجه في التعامل مع الولاة وشؤون الرعية . فكما هو مدون في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى :" يولد الناس أحرار متساوين في الكرامة والحقوق ، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء " . كل الشكر للأستاذ وللوسط ... نهوض