نظمت بمدينة أصيلة على هامش موسمها الثقافي ندوة عن موضوع «الروافد والمحظورات في الإبداع النسائي» بمشاركة ثلة من المثقفين والمبدعين المغاربة والأجانب، أوضح خلالها الناقد المصري نبيل نعوم أن مصادر الإلهام والإبداع تكاد تتماثل بالنسبة الى المبدعين والمبدعات كما تتماثل فيما يتعلق بالمحظور أو «الطابو» الذي تفرضه المجتمعات على أفرادها مشيرا في هذا الصدد إلى أن هذه الفئة المثقفة من المجتمع تقع تحت تأثير «الرقابة الذاتية والمعتقدات الثقافية والسياسية والدينية لمجتمعاتها» والتي غالبا ما تكبح عنفوان تعبيرها.
واعتبر نبيل نعوم أنه بالنسبة الى المرأة المبدعة تطفو على السطح رقابة أخرى تتمثل في رقابة الرجل التي تأخذ الكثير من المبررات وإن كانت لا تمثل في حقيقة الأمر سوى خوف الرجل من إبداع المرأة أو هو الخوف الذي «يكشف عن بعض مخاوف الرجل الذاتية بالنسبة الى عملية الإبداع نفسها».
وقد أورد خلال مداخلته مجموعة من شهادات بعض المبدعات العربيات اللواتي تحدثن عن الجسد كأهم المحظورات التي اعترضت مسارهن وشكلت «خطا ناريا لا يمكن تجاوزه» الى الحد الذي جعل الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي تشهد أنها تؤمن بأن «الكلمات التي تعرينا وحدها تشبهنا أما تلك التي تكسونا فهي تشوهنا... إنه في نهاية كل كتابة ينتظرنا حاجز تفتيش ينبش في أفكارنا... يفسر صمتنا ونقاط الانقطاع بين كلماتنا».
من هذا المنطلق شددت الشاعرة المغربية حكيمة الشاوي على ضرورة توافر الحرية كشرط أساسي للإبداع على اعتبار أن الحرية وقود الخيال الواسع «بها يتحرك النقد وتنشأ الجرأة والشجاعة ويتمخض الإبداع» مشيرة إلى أن المجتمعات الحرة والديمقراطية تكون أقدر على الإبداع والتطور وتسود فيها القيم الإنسانية النبيلة وفيها يصبح الإبداع رسالة وقضية قبل أن يكون نشاطا فنيّا وفكريّا.
واعتبرت الشاوي أن إبداع المرأة العربية تعوقه أساسا بعض المحظورات المبثوثة في الإرث الثقافي من صور نمطية عن المرأة وآداب وفنون ما فتئت تكرس العنف الثقافي ضدها وتؤكد دونيتها كمخلوق بشري.
إلا أن الشاعرة حكيمة الشاوي بعد أن أعربت عن أملها في «بزوغ فجر جديد لإبداع نسائي وإنساني يقف على قدمين لبناء مجتمع المساواة» أشارت بارتياح كبير إلى أن الإبداع النسائي أصبح غزيرا في السنوات الأخيرة وعرف طفرة نوعية أصبحت المرأة من خلاله قادرة على البوح بأحلامها وهواجسها والتعبير عن معاناتها بحكم وعيها التام بقضيتها ومحيطها.
بدوره أكد الناقد المغربي أحمد الفاسي أن المرأة المبدعة المغربية التي تختزن قدرات هائلة قطعت أشواطا مهما وتجاوزت في الكثير من الأحيان عوائق وإعاقات نفسية وجسدية لم تثنها عن تفجير طاقاتها الفنية معتبرا أن الإبداع يتفتق في ظل تحرر كامل بعيدا عن كل عصبية جنسية ومحلية أو عن «عقدة هوية»، مؤكدا أنه إذا ما استمرت المرأة في هذه الصحوة والعناد ستفرض ذاتها كمبدعة لا محالة لكن شريطة أن تؤمن بالتكامل وتنسى أنها الأنثى التي تبدع حتى «لا تسقط في التكلف المصطنع لأن قوة الإبداع تكمن في التلقائية».
ومن منطلق تجربتها الذاتية ومحيطها المباشر تحدثت الشاعرة أم الفضل ماء العينين عن المرأة في المجتمع الصحراوي الذي تحكمه السلطة القبلية سواء في البوادي أو المدن وأكدت أن المرأة الصحراوية تحظى باهتمام وصيانة بالغة من الرجل الذي يتلقى عقابا جماعيا أو حكما قبليا قاسيا إذا ما أساء معاملة زوجته، معتبرة أن المرأة الصحراوية تبقى قريبة جدا من الاهتمام والعناية كلما ابتعدت عن الإبداع إذ لا يحق لها ولوج مجال فني غير مجال الزجل الشعبي الذي ينبغي ألا تتخطاه إلى سواه وخصوصا ما يتعلق بالإبداع في مجال تيمة الجسد إما جسمانيا أو وجدانيا مشيرة في هذا الصدد إلى المشكلات والصعوبات التي اعترضتها هي وبعض زميلاتها في مسيرتهن نحو فتح المجال للمواهب النسائية في المنطقة.
على صعيد آخر قالت النحاتة والفنانة التشكيلية اليابانية ميكومي طيراو التي تحضر في مهرجان أصيلة أنها مدينة لشمس المغرب «التي أضاءت لوحاتي بوهج الألوان»، وقالت في تصريحات صحافية ان «شمس المغرب المتميزة بصفاء خاص وسحر فريد» قد أسرت روح إبداعها وجعلت ريشتها ترقص على نغمات الألوان بعدما كانت لا تشكل أعمالها الفنية إلا باللون الأسود والأبيض.
وأضافت الفنانة طيراو التي تزور المغرب لخامس مرة إنها تكنّ عشقا خاصا للمغرب الذي يشكل مرتعا خصبا لميلاد الفن والإبداع وانها لمست ذلك من خلال التجربة التشكيلية التي خاضتها في السنة الماضية مع مجموعة من الأطفال المغاربة خلال مهرجان أصيلة الثقافي اذ شدتها الألوان الطفولية والتشكيلات التلقائية.
وعن سبب اختيارها الوجه الرجالي موضوعا مركزيا في أعمالها الفنية أشارت إلى أنه «بدافع البحث في أعماق الآخر وبنزعة اكتشاف ذلك المختلف عنا كنساء أسعى إلى سبر أغوار الرجل الياباني» الذي يأسره العمل الروتيني ويلهيه عن التفكير في المتع الأخرى للحياة علّ لوحاتها تفلح في حثه «على التفكير في الترويح عن النفس واستنشاق الحياة بعمق». وأوضحت الفنانة طيراو التي تجسد جل لوحاتها رجالا مسنين قليلا ما تتسلل الوسامة إلى محياهم أن اشتغالها على جاذبية التجاعيد وسحر الشيخوخة هو خيار فني تريد أن تؤكد من خلاله الجمال الداخلي للإنسان بحيث تشحذ ريشتها لتنفذ إلى قلب ذلك الرجل المسن الذي تختصر أخاديد الزمن على وجهه عصارة تجربة ناضجة لا تتعمق تجاعيده إلا بحجم ما تبوح به من أسرار.
وبخصوص الفن التشكيلي لدى المبدعات المغربيات ذكرت طيراو وهي من مواليد 1968 في اليابان وتقيم وتعمل في فرنسا مدرسة للدعاية أن المرأة المغربية قطعت أشواطا مهمة في حقل الفن التشكيلي سواء من حيث تقنيات المزج والمزاوجة بين مختلف المواد التشكيلية «الجلد والنحاس والحناء والطين والرمل» أو من حيث القوة التعبيرية للقضايا التي تتناولها اللوحات. وبقدر ما أعربت عن إعجابها بالديناميكية المتميزة التي تخترق الحقل التشكيلي في المغرب بفضل الإسهام النوعي للإبداع النسائي لم تخف الفنانة اليابانية استغرابها للكثافة التي تشغلها المرأة موضوعا أو شكلا تعبيريا حاضرا بإصرار لدى معظم الفنانات المغربيات.
يشار إلى أن الفنانة اليابانية ميكومي طيراو التي تشارك في الموسم النسائي الفني والثقافي الدولي الذي تنظمه الجمعية المغربية للمبدعات المعاصرات بأصيلة ما بين10 و18 ابريل الجاري سبق لها أن قامت بعرض منحوتاتها ولوحاتها التشكيلية في عدد من البلدان إلا أن أبرزها كان في مدينة أصيلة المغربية، وفي عدد من المدن اليابانية والفرنسية.
الوسط - جعفر الديري
تسليط الضوء على آراء المعنيين والمهتمين من مثقفين وأدباء يقرّب الصورة ويفتح أفقا للحوار داخل الحوار الذي يتيحه ملتقى أصيلة، من خلال ما يتيحه هذا التنوع من إبراز الإمكانات الثقافية والإبداعية وتنشيط عدد من الحقول التي ربما تم الطغيان عليها من قبل حقول أخرى.
الناقد نادر كاظم
نأمل أن يساهم هذا المهرجان في تعميق التواصل بين العالم العربي والبحرين، وأن يصبح تقليدا متواصلا، وخصوصا أن العمل الثقافي عمل استراتيجي فهو تواصل عميق بين الثقافات يمكن أن يساهم في حل الكثير من المشكلات، ولكنني أرى أن اهتمام الملتقى بابراز الجانب الفني ألغى الجانب الثقافي، والحال أن المغرب لها اسهامات كبيرة في الجانبين الثقافي والفكري ولديها من الأسماء اللامعة في هذا المجال، أما التعلل بأن هذا الملتقى نسخة من أصيلة المغرب فكلام مردود، علينا ان ننقل النسخة بما يتناسب مع ثقافتنا وأن نجعل فيها مساحة رحبة من الابداع.
الشاعر أحمد العجمي
أولى الملاحظات التي أبديها على ملتقى أصيلة البحرين هو اسم المهرجان، لأن هذا الاسم يلغي خصوصية البحرين، ففي الوقت الذي يعبر فيه اسم اصيلة عن خصوصية هذه المدينة لا نلمس ذلك في هذه التسمية البحرينية، الملاحظة الثانية أن برنامج المهرجان يبدو كأنه برنامج الملتقى الثقافي الأهلي، في حين ان هناك ملتقيات ثقافية أخرى لها حضورها، الأمر يتعدى هذه الملتقيات الى الأماكن ذات الطابع التراثي أيضا، فالاقتصار على الملتقى الثقافي الأهلي ألغى جانبا من الروح التراثية التي نادى بها الملتقى اذ كانت المواقع التراثية أولى بها، الملاحظة الثالثة أن هذا الملتقى يكاد يخلو من اللمسات الثقافية فهو مقتصر على فعالية أو فعاليتين ثقافيتين بينما يستفرد الفن بمساحته كاملة، وأرجو أن نتلافى كل ذلك في المهرجانات القادمة من عمر هذا المهرجان الذي أجده اضافة حقيقية.
رئيس عام المكتبات العامة في البحرين منصور سرحان
أرى أن ملتقى البحرين أصيلة من الملتقيات ذات الصبغة الابداعية، وخصوصا أن بعض فعاليات الملتقى ذات صبغة ابداعية، كتدشين مجسم على شاطئ البحر. كذالك المحاضرات ذات التوجهات المختلفة، والفعاليات المتنوعة، وقد سررت كثيرا للاهتمام بالمسرح والموسيقى وفنون مسرح الشارع، ومسرح العرائس للأطفال، فوجود موسيقى الأندلس والفليمانكو الاسباني سيضيف اضافة كبيرة، كذلك تزامن هذا المهرجان مع الاحتفال باليوم العالمي للكتاب يجعلني متيقنا من أن هذا الملتقى يجسد الثقافة بأجلى معانيها
العدد 593 - الثلثاء 20 أبريل 2004م الموافق 29 صفر 1425هـ