العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ

الانتخابات... البداية الفعلية وتسول لتمويل المهرجان

بن عيسى وذكرياته عن «أصيلة»

يكمل محمد بن عيسى ذكرياته عن «اصيلة» فيقول: كنا آنذاك أنا ومحمد المليحي لا حول لنا ولا قوة كعضوين داخل المجلس البلدي، لم نكن من الغالبية التي كانت مشكلة من أعضاء في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. لم تكن لنا إمكانات حتى لاستضافة الفنانين الذين قررنا دعوتهم لصباغة الجداريات. فأخذت الآلة الكاتبة من المجلس البلدي إلى بيتي وطبعت الرسائل بيدي وأعطيتها لرئيس المجلس آنذاك الأستاذ محمد الحساني شافاه الله لتوقيعها. عندما جاء الفنانون استضفتهم في بيتي. كانوا حوالي 11 فنانا.

اذكر وأنا مع المليحي في طريق العودة من طنجة إلى أصيلة، قلت له يجب ان نفكر في تأسيس جمعية. وافقني على الفكرة، وسألته «ماذا نسميها؟». فأجاب «اطلنتيس» فعلقت قائلا: «أنت دائما تفكر باللغة الأجنبية». كنا نسير بمحاذاة المحيط الأطلسي فقال لي المليحي: «لماذا اذن لا نسميها المحيط»، وافقته على ذلك. كان ذلك قرب مغيب الشمس. وحينما وصلنا إلى أصيلة وجدنا مجموعة من شبان البلدة في المقاهي اقترحنا عليهم أن نذهب إلى «دار الشباب» لتشكيل جمعية. هكذا تشكلت «جمعية المحيط» التي انبثق عنها موسم أصيلة الثقافي وسلمنا محضر التأسيس للسلطات المحلية في اليوم التالي.

بعد ذلك دخلنا في أزمات حقيقية بسبب العجز المالي، وتراكم الديون إلى أن أتى يوم كان سيباع فيه بيتي بالمزاد العلني. كان ذلك العام 1980 لأننا لم نستطع تسديد الديون. واذكر أنني ذهبت وطرقت كل الأبواب. ذهبت عند عدد كبير من الناس لفك هذه الضائقة لكن دون جدوى.

عندما بدأت فكرة إقامة موسم أصيلة تسيطر على تفكيري لم أتحدث مطلقا مع أي أحد بشأن المشروع سوى مع صديق العمر الفنان محمد المليحي. تحدثت في ما بعد مع محافظ المنطقة عن إقامة مهرجان وتأسيس جمعية، كان الأمر مجرد كلام عام. كنت عضوا في المجلس البلدي في أصيلة وهو منتخب وفجأة دعيت لاجتماع مع بعض الناس لا اعرفهم يريدون تنظيم «مهرجان أصيلة الدولي» أناس كانت لهم مقاصد خاصة ولهم موازنة هائلة.

اجتمعت بهم أنا والأخ المليحي، قالوا لنا «يمكننا أن نساعدكم على أساس أن ننظم مهرجانا واحدا مشتركا». كانت غايتهم جلب اكبر عدد من السياح تحت شعار «أصيلة مدينة للبيع» ونشروا نصف صفحة في «لوموند ولوفيغارو»، وعلقوا ملصقات في ميترو باريس تقول «أصيلة للبيع ولا تستمروا أغبياء» وقالوا ان هذا سيخلق جسرا سياحيا بين مدينة طبرقة في تونس وأصيلة في المغرب. واستثمروا ما يعادل مليوني دولار سنة 1978.

رفضنا الفكرة، قلنا لهم هدفنا ليس تجاريا ولا نسعى إلى جلب السياح، بل لابد أن نهيئ المدينة لأنها كانت تعيش في ظروف لا تؤهلها أن تصبح قبلة لأي سائح. ثم قلنا لهم لابد من استئذان أهل المدينة، وهذا ما أثار حفيظة كثير من المسئولين، واعتبروا أن هذا كلاما خطيرا حين قلنا لا يمكن تجاهل السكان. أتذكر أنني ذهبت ومددت نفسي في باب المدينة القديمة، وقلت «ليمروا على جسدي وأنا حي» لكن لن يدخلوا أبدا المدينة القديمة. كان مصرف «القرض العقاري والسياحي» تبنى المشروع مع جماعة تونسية، وأسسوا معهم شركة لتنظيم مهرجان أصيلة الدولي. ثم دعانا رئيس الوزراء آنذاك أحمد عصمان للاجتماع معه ولم أكن اعرفه، كنت أراه لماما في البرلمان. فوجدت نفسي أمام رجل وسيم هادئ مهذب ومعه الفاسي الفهري مدير عام القرض العقاري والسياحي رحمه الله. سألنا عصمان ما المشكلة؟ تحدث الفاسي الفهري الذي اصبح صديقي فيما بعد، فقال: نحن اخترنا أصيلة لاستقطاب 4 آلاف سائح سنويا. وسألني عصمان عن رأيي. كان جوابي أنه لا يمكن إقحام المدينة في هذا المشروع. وأوضحت له أن أصيلة لها حرمتها ومقابرها وشيوخها وبعض ناسها لم يغادروها مطلقا. أنا والدتي مثلا كانت تُقيّم كل مسافة في العالم بالمسافة بين طنجة وأصيلة. إذا قلت لها كنت في نيويورك تسألني هل تبعد مرتين أو ثلاث من المسافة بين طنجة وأصيلة. فكيف يمكننا هكذا فجأة أن تأتي إلينا مريم ماكيبا، ورافي شنكار، وكييف جاريت، ومجموعة من كبار الفنانين العالميين، هل نحن هيأنا لهم الظروف؟ ثم إنهم لم يستشيروا المجلس البلدي المنتخب للمدينة أو السكان. كنت حادا في معارضتي للمشروع الذي نظم على كل حال سنة واحدة فقط، أتذكر أنني كنت بعد هذه الواقعة بسنوات مع عصمان وهو زعيم الحزب الوطني للأحرار وصهر الأسرة الملكية الحاكمة في الطائرة بين سيدني - استراليا وكولومبو - سريلانكا ومسافة الرحلة طويلة حوالي ثماني ساعات طيران، تذكر عصمان تلك الواقعة وقال لي: «كنت كالأسد وكنت متعاطفا معك». بعد أن استمع لنا عصمان كان قراره أن تنظم كل جهة مهرجانها وهذا الذي دفعنا أنا والأخ المليحي لنغير اسم «مهرجان أصيلة الثقافي» إلى «موسم أصيلة الثقافي» فكرنا وقلنا إن «الموسم» له أيضا تفعيلة دينية وصوفية مغربية، هناك موسم الأولياء وكنا أول ناس استعملنا كلمة «موسم». ثم أنني أتذكر صور الضيوف الذين رحلوا أمثال لويس عوض، البرتو مورافيا، والكاتب البرازيلي جورج أمادو، والشعراء ليوبولد سيدار سنغور عبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وتشيكايا اوتامسي والفيلسوف عزيزالحبابي وآخرين. أتذكر هؤلاء الناس ويطول الزمن بي ويقصر لزخم ما عشناه عبر السنوات وما عانيناه، وكيف كنا نقيم مسرحا في الهواء الطلق وليس لنا إنارة. كنا نضيء المسرح بالسيارات ونجلس على الأرض. أتذكر كيف كنا نواجه معارضة من السلطة، ومن بعض الأحزاب والهيئات. كان أمرا غريبا، وكل واحد وصفنا بما يريد. بعضهم قال إننا تجار، ونعتونا بنعوت مخزية. وكان هناك من كتب صفحات داخل وخارج المغرب يعارض فيها «الموسم».


التمويل العقبة الكأداء...

وفيما يخص تمويل موسم أصيلة، والجهات الداعمة له، يتذكر محمد بن عيسى ويقول: «كنت و المحامي البشير البقالي وكان عضوا معنا في «جمعية المحيط»، نقترض من المصرف، وكنت أضع الشيء الوحيد الذي أملكه وهو بيتي في أصيلة رهنا لدى المصرف. كنا لا نكف عن البحث عن تمويل، نستجدي بل نتسول من أجل أن يستمر الموسم. أتذكر أن رئيس الوزراء احمد عصمان كان أول من استجاب ومنحنا هبة قدرها 2000 دولار مساعدة للموسم، وهناك من قدم لنا 500 دولار وهكذا».

ليأتي الفرج بعد ذهابي عند احمد عصمان، وكان رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي شاركت في تأسيسه، وحاول الاتصال بعدد من المسئولين لمد يد المساعدة لكن من دون جدوى. الوحيد الذي قرر مساعدتنا هو وزير الفلاحة عبداللطيف الغساسي الذي اقترح أن ندمج فقرة في فعاليات الموسم لها علاقة بالنشاط الفلاحي، فقررنا تنظيم مسابقة للخيول أسميناها «ماطا عيد الإنسان والفرس»، وهو احتفال تقليدي يقيمه الفلاحون في المنطقة بمناسبة انتهاء موسم الحصاد وذلك لتبرير الدعم الذي قدمته لنا وزارة الفلاحة وكان في حدود ستة آلاف دولار.

ثم تحدثت مع مولاي أحمد العلوي الذي تولى عدة وزارات قبل وفاته وكان من الشخصيات المقربة من الملك الحسن الثاني وكان أحد الذين شجعوا الموسم الثقافي منذ انطلاقه وربما كان أحد القلائل الذين فهموا أهميته. في إحدى المرات وكان ذلك خلال شهر رمضان، وفي مجلس جلالة المرحوم الملك الحسن الثاني، سأل الملك عن برنامج أصيلة هذا العام، هنا بادر مولاي أحمد العلوي بأسلوبه المتفكه وأجاب الملك قائلا «بن عيسى سيزج به في السجن بعد أن رهن منزله وتراكمت عليه الديون».

في صبيحة اليوم التالي لتلك الواقعة، وكنت غارقا في النوم بمفردي في شقتي في الرباط تلقيت مكالمة هاتفية من أحمد عصمان وسألني ضاحكا: هل حجزوا على منزلك؟ وزاد قائلا «مبروك، عليك أن تتصل بمستشار الملك الحسن الثاني أحمد رضا كديرة في فندق المنصور بالدار البيضاء سيقدم لك شيكا، فقد قرر جلالة الملك مساعدتك».

ثم ذهبت إلى الدار البيضاء والتقيت كديرة، الذي سلمني شيكا بمبلغ 500 ألف درهم «50 ألف دولار» مسحوبا على الحساب الخاص للملك في بنك المغرب. بعد أن تسلمت الشيك صوّرته لأحتفظ به في أرشيفي الشخصي لأنه مسحوب من الحساب الشخصي لجلالة الملك، وكان بتوقيع «الحسن بن محمد» الاسم العائلي للملك الحسن الثاني. كما أن جلالة الملك كتب المبلغ بخط يده. ومنذ ذلك الوقت كل ما وقعت لنا أزمة مالية كان الملك الحسن الثاني يتكفل بحلها

العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً