في أحد أيام الأسبوع الماضي كنت في مؤسسة النقد، على البوابة المؤدية إلى المبنى كان هناك حرس من الشرطة، استفسرت من أحدهم عن المدخل المؤدي إلى المبنى، ووجهت سؤالي إليه باللغتين العربية والانجليزية، وجدت صعوبة في أن أوصل سؤالي إليه، لأنه كان من جنسية آسيوية، تألمت كثيرا مثل الكثيرين من المواطنين عندما يغادرون مطار البحرين أو يدخلون منه، أو يذهبون إلى وزارات الدولة ومؤسساتها ويجدون الشرطة العاملة في هذه المرافق من غير المواطنين، بل إنهم لا يجيدون حتى لغة التفاهم، دائما أتساءل وكل المواطنين يتساءلون الا يوجد في مملكتنا من هم أحق بتقلد هذه الوظائف؟!
وفي مساء يوم الخميس كنت في زيارة لشقيقتي الكبرى، وكم أصبت من الألم والحسرة وأنا استمع إليها وهي تتحدث إلي، لديها ابن وابنة، بذلت عمرها وحياتها وسعادتها كي تربيهما وتعلمهما، الابن انتهى من المرحلة الجامعية منذ ما يقارب العامين، وحصل على امتياز في تخصص إدارة الأعمال، وحتى الآن عاطل عن العمل، الابنة منذ شهور أنهت دراستها الجامعية وحصلت على درجتها العلمية في البنوك والأعمال المصرفية بدرجة امتياز وبتفوق وبمعدل عال، وهي الأخرى عاطلة، الأم والابنة تتحدثان بألم وحسرة وكأنهما تسيران في نفق مظلم لا تدريان متى تريان النور، تعبيراتها تقول إن الوظيفة بالواسطة وليست بالكفاءة، وهناك اعتبارات كثيرة تحدد إلى حد كبير الفرصة في الحصول على وظيفة، وجدت صعوبة كبيرة في إقناعمها بأن الأمر ليس كذلك والوطن يسع للجميع! وفي صبيحة يوم الجمعة كنت أتبادل الحديث والنقاش مع مجموعة من الأخوة الناشطين في العمل السياسي بعضهم من الجمعيات التي شاركت في التجربة البرلمانية، وبعضهم كانوا من قادتنا وممن ساهموا في العمل الوطني لفترة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، بالتأكيد فإن محور الحديث هذه الأيام يدور حول المسألة الدستورية والعريضة المتبناة من الجمعيات الأربع، بعد الشروحات والتفسيرات التي أدلى بها بعض أركان الحكم قبل الذهاب للتصويت على الميثاق والتي تركزت على أن المجلس المنتخب هو صاحب الحق في التشريع وأن المجلس المعين للمشورة وابداء الرأي، وهذا يعني أن هناك شبه اجماع على أن هناك مشكلة دستورية تحتاج الى حل، واعتقد أنه آن الأوان للجميع من جمعيات سياسية شاركت في التجربة البرلمانية وجمعيات قاطعت التجربة وفعاليات اقتصادية ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات وطنية وكذلك الحكومة، الجميع مطالب الآن وليس غدا لبدء حوار صادق وجاد لفتح باب الأمل لنا جميعا لايجاد حل توافقي نرتضيه جمعيا للخروج من هذه المشكلة مادام الجميع - تقريبا - متفقا على أن هناك ثمة اشكالية دستورية.
كنت أود الحديث بعيدا عن المسألة الدستورية، ولكنها مسألة تجر الجميع للحديث فيها، قلت لمن اتبادل معهم الحديث نعلم أن هناك ميثاقا يجمع ست جمعيات سياسية، منها أربع جمعيات قاطعت الانتخابات على خلفية المسألة الدستورية وجمعيتان شاركتا في الانتخابات، تساءلت ألا توجد قضايا وطنية غير المسألة الدستورية يمكن أن تكون موضوع نشاط وعمل مشترك بين هذه الجمعيات، لماذا لا نعمل بعيدا عن الحشد والتجييش والتحريض في اعداد دراسات حول الكثير من المسائل التي تحتاج الى جمع بيانات مثل البطالة، التمييز، التجنيس، الفساد الاداري والمالي، ومن واقع هذه البيانات نتوجه للحكومة وللمؤسسات التشريعية مهما كانت وجهة نظرنا في المسألة الدستورية، لأنه ليس من المنطق ان تتجمد كل هذه الملفات الى ان نحصل على دستور نرتضيه، علينا أن نتعامل مع الواقع ونعمل على تغييره الى الأحسن والأفضل. وفي المساء وفي جو جميل توجهت الى مقهى القلعة عند البحر بجوار قلعة عراد، وكان الجو جميلا، وجلست استمتع بنسمات من الهواء العليل، ولكن يبدو أنه كتب علينا ان نحمل الهموم والحوارات حولها الى أي مكان نذهب إليه، والتقيت هناك أحد الأخوة النشطين وهو رئيس احدى الجمعيات السياسية، شخص يثير الكثير من اللغط حول مواقفه وتصريحاته، تكرر الحديث والنقاش وتبادلنا وجهات النظر، وقد أثارني قوله ان مسألة البطالة ربما تكون طبيعية في وسط الطائفة الشيعية، وعلل ذلك أن العاطلين منهم ليست لديهم مؤهلات دراسية إذ ان المنتمين إلى هذه الطائفة لا يتعبون في تعليم أبنائهم، بعكس أبناء الطائفة السنية الكريمة، يتعبون على تعليم ابنائهم.
من المؤسف أن نتحدث عن البطالة على أنها مرتبطة بطائفة، ولم أجد في تبرير محدثي ما يقنعني. (سبق لي وأن قلت لأخي حافظ الشيخ صالح عند مناقشتي له فيما يكتبه أنني لا أتحدث بلسان طائفي، ولدي ابنتان جميلتان تتعبدان على مذهب أهل السنة وهو مذهب جدتهما فاطمة بنت يوسف هزيم رحمها الله، وهذا أمر يجعلني أشعر بالفخر والاعتزاز). أرجو ألا يفهمني القارئ أنني أتكلم بلسان طائفي، هذا أمر بغيض، لكن علينا أن نتحدث بصراحة قد نخطئ وقد نصيب، وليصوّب كل منا للآخر حتى نصل إلى الحقيقة ونضع علاجا لأمراضنا.
البطالة، التمييز، التجنيس، الفساد الإداري والمالي، جميعها قضايا صعبة وكبيرة وخطيرة.
قبل عدة أيام كنت أتحدث إلى شخصية وطنية بارزة، وتساءلت هذه الشخصية: لماذا لا تفتح جمعية الوفاق باب العضوية للمواطنين من أبناء السنة ولو بنسبة 10 في المئة؟ فرددت عليه: من الصعوبة أن يتقدم أحد ممن تقصدهم إلى عضويتها بالشاكلة التي هي عليها الآن. فرد أنه على استعداد للانضمام إليها.
أتمنى أن تبادر جمعية الوفاق الوطني الإسلامية وجمعية العمل الوطني الديمقراطي إلى تشكيل هيئة اتحاد وطني بعيدا عن المذهبية والطائفية، بعيدا عن وصاية رجال الدين، نتمنى أن يشعر الجميع أنه ينتمي إلى الوطن، وألا يطغي الانتماء إلى الطائفة على الانتماء إلى الوطن.
شوقي العلوي
العدد 612 - الأحد 09 مايو 2004م الموافق 19 ربيع الاول 1425هـ